أصبح مفهوم “السياسات الصناعية” مرة أخرى على جدول أعمال النقاشات العالمية، من المؤسسات المالية الدولية إلى معاهد الدراسات ومراكز التفكير انتهاء بمنظمات المجتمع المدَني. ومرة أخرى، تسعى المؤسسات المالية الدولية ومراكز التفكير التابعة للدول الكبرى، إلى فرض منظورها قبل أن تتمكَّن منظمات النضال من صياغة خطابها الخاص والمستقل حول الموضوع.
ما السياسة الصناعية؟
يُقصد بالسياسة الصناعية كل تدخُّل للدولة في العمليات الاقتصادية قصد توجيهها من أجل إحداث تحوُّل هيكلي في الاقتصاد، مثلا الانتقال من اقتصاد معتمد على القطاع الفلاحي والمواد الأولية إلى اقتصاد معتمِد على التصنيع والخدمات. ومؤخرا ظهر مفهوم “السياسة الصناعية الخضراء”، إشارة إلى إدماج البعد البيئي في السياسات الصناعية التي تتبناها الدول[1].
ما السياسات التجارية؟
السياسات التجارية حزمة تدابير تتبناها الدولة لتسهيل تنفيذ سياساتها الصناعية. وفي العادة تكون السياسات التجارية إما معزِّزة للسياسات الصناعية أو كابحة لها[2]. على سبيل المثال عندما تبنت دول العالم الثالث سياسة تصنيع بلدانها اعتمدت آليات تجارية مثل “إحلال الواردات” و”الحمائية”، من أجل تشجيع ظهور قطاعات صناعية محلية وحماية السوق الوطنية من المنافسة الأجنبية، وعندما فُرضت عليها برامج التقويم الهيكلي، نفذت سياسات تجارية صفَّت مكاسبها الصناعية السابقة، مثل تحرير الواردات وتخفيض الرسوم الجمركية… إلخ.
ورغم دفاع الدول الرأسمالية الكبرى عن التجارة الحرة (التبادل الحر)، إلا أنها تطبق سياسات تجارية لحماية أسواقها الداخلية من منافسيها الأجانب، وقد مثَّلت الحرب التجارية المُعلنة منذ بدء ولاية ترامب الثانية، مثلا عن تلك السياسات التجارية الموجَّهة لتعزيز الصناعة المحلَّية وضمان احتكار سلاسل التوريد والقيمة الخاصة بالمعادن الحرجة على المستوى العالمي.
سياسة عامة أم استثمارات خاصة؟
عند الحديث عن “السياسة الصناعية”، فإن المقصود هنا هو “تدخُّل الدولة” في الاقتصاد. لذلك فإن العمليات الجزيئية لرأس المال لا تكون موضع نقاش هنا. فعندما ينخرط الرأسماليون الأفراد في استثمارات، فهم لا يسحضرون في أذهانهم بشكل مسبق “إحداث تحوُّل هيكلي في الاقتصاد” أو “تنمية البلد” أو “التنمية المستدامة”، ما يهم الرأسمالي الفرد هو حجم مردود استثماره؛ أي أقلُّ مجازفةٍ ممكنة مع أعلى ربح مضمون وسريع ممكن.
لذلك فإن “التحوُّل الهيكلي” و”تنمية البلد” و”التنمية المستدامة” أمور تحدث في مستوى آخر، خارج العمليات الجزيئية لرأس المال، أي تحدث على مستوى “السياسة” و”الدولة”، التي تتدخل من أجل ضبط والتحكم في العمليات الجزيئية الاقتصادية وتوجيهها في إطار خطة عامة (مخطط) ذات أهداف تتعدى الحسابات الفردية للرأسمالية الأفراد… هذا هو ما حدث طيلة التاريخ السابق.
إن الرهان الكبير حول دور القطاع الخاص في تنمية بلداننا، في العالم الثالث، كما رسخَّت ذلك الأيديولوجية النيوليبرالية طيلة عقود، إنما يعاكس التجربة التاريخية، بما فيها تلك التي عرفتها البلدان المتقدمة نفسها، إذ كان دور الدولة وسياساتها (مثل الحمائية) دور كبير في إنماء الطاقة الإنتاجية وإحداث التحول الهيكلي في اقتصاداتها.
نقاش لفترات الانتقال التاريخية الكبرى
يبرز نقاش السياسات الصناعية، أو دور الدولة في الاقتصاد، في الانعطافات التاريخية الكبرى حيث تشهد المجتمعات البشرية عصرَ انتقالات كبرى. فقد كان دور الدولة في الاقتصاد محط سجالات كبرى في أوروبا الغربية أثناء انتقالها إلى الرأسمالية الصناعية، وكان آدم سميث قد دعا إلى السوق الحرة القادرة حسب قوانينها الخاصة على خلق الثروة وتوزيعها دون تدخل حكومي الذي يشوه تلك السوق. وفي أوروبا الشرقية كانت نقاشات نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حول الانتقال من القنانة إلى الرأسمالية، وما واكبها من سجالات حول دور الدولة والثورة والانتقال إلى الاشتراكية.
في بلدان العالم الثالث، وبعد موجة نزع الاستعمار، ظهرت نقاشات حول الانتقال من الاقتصاد الاستعماري إلى الاقتصاد المستقل والتخلص من التخلف الاقتصادي والتبعية وإحداث التحول الهيكلي في الاقتصاد، لذلك كان دور الدولة، أو بالأحرى “الدولة الإنمائية”، بارزا بشكل كبير، إذ أسهمت تدخلات الدولة، خصوصا عبر القطاع العام الضخم، في مجهودات ذلك الانتقال[3].
وحاليا هناك نقاش عالمي حول الانتقال إلى اقتصاد أخضر والانتقال إلى اقتصاد منزوع الكربون والانتقال البيئي العادل. وفي صُلب هذا النقاش هناك دوما دور الدولة، خصوصا مع اعتراف الجميع على أن القطاع الخاص لن يستطيع لوحده ضمان ذلك الانتقال، إما لأنه مشغول بالربح فقط، أو لأنه لا يستطيع لوحده تحمُّل تكاليف ذلك الانتقال، ما يبرر تدخل “القطاع الحكومي”…[4]
حدود النقاش
في كل هذه النقاشات كان السؤال المزدوج هو: ما دور الدولة وحدود تدخلها؟ ما دور السوق وحدود قدراتها؟ كانت النظرية الكينزية موجَّهة في جوهرها إلى إنقاذ الرأسمالية من نفسها، خصوصا بعد الركود العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، وأوصى كينز بضرورة تدخل الدولة لتوجيه العمليات الاقتصادية من أجل ضمان الدخل عبر الأشغال العمومية… إلخ.
وفي بلدان العالم الثالث، بعد ثورات تحرر انتهت باستقلال سياسي لكن دون قطيعة مع الرأسمالية، كانت الدولة تواجه مهمة إنماء رأسمالية محلية في وقت لا يتوفر فيه قطاع خاص (برجوازية محلية) قادر على قيادة عملية الإنماء تلك. لذلك حلَّت الدولة محلَّ القطاع الخاص مؤقتا، في إنجاز تلك المهمة، وتزويد البلد ببنية تحتية (إنتاجية وتجهيزات…)، استولت عليها البرجوازيات المحلية (والأجنبية) في ما بعد عبر عمليات خصخصة واسعة، تحت إشراف المؤسسات الملية الدولية.
في تجارب أخرى، تمكنت دول من تحويل اقتصاداتها عبر عملية قطيعة ثورية مع الرأسمالية، أي ليس عبر ضبط محدود للرأسمال/ السوق أو الحلول محلَّها مؤقتا، بل بالقضاء على الرأسمالية، كما كان الحال في روسيا وأوروبا الشرقية والصين وكوبا. لكن حتى في هذه الدول، أدى فشل تجارب البناء الاشتراكي، إلى عودة نقاش دور الدولة، وتبني عقيدة السوق الموجَّهة من أعلى كما هو الحال في الصين الحالية.
في النقاش الحالي، حول ما أسماه صندوق النقد الدولي “عودةَ السياسات الصناعية”[5]، يحرص الصندوق على ألا تتعدى هذه السياسات التدخل لتصحيح أخفاقات السوق، أي على طابعها المؤقت، وألا تؤدي إلى وقف تدفقات التجارة العالمية.
نماذج السياسات الصناعية
* النموذج الأول (الليبرالية والنيوليبرالية):
يقوم هذا النموذج ترك السوق تشتغل دون تدخل الدولة. فالسوق قادرة قادرة وحدها على تخصيص الرأسمال للقطاعات المُربحة أكثر، والسوق قادرة على تصحيح أخطائها، أما التدخل الحكومي فكبحه المنافسة الحرة يشوه السوق عبر تجزية قطاعات حكومية حتى إن كانت فاشلة، على حساب القطاع الخاص القادر وحده على ضمان الفعالية والأداء الجيد.
النموذج الثاني (الاشتراكية القائمة بالفعل):
قطيعة فعلية ونهائية مع الرأسمالية/ السوق وبناء اقتصاد تخطيط يكون فيها القطاع العام/ الدولة هو المحتكر للعمليات الاقتصادية، وتكون هذه الاقتصادات هي اقتصادات انتقال بين الرأسمالية والاشتراكية (كما في الاتحاد السوفياتي السابق).
النموذج الثالث (الكيزنية دول الشمال والدولة الإنمائية في دول الجنوب):
تركيب بين السوق الحرة وتدخل الدولة، إذ تحلُّ فيه الدولة محلَّ الرأسمال حينما يكون عاجزا عن قيادة العمليات الاقتصادية (بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال)، ومحلَّ السوق عندما لا تتمكن من تصحيح إخفاقاتها لوحدها (الكيزنية بعد أزمة 1929).
النموذج الأول مجرد نموذج نظري، إذ حتى في البلدان المصنًّعة كان دور الدولة كبيرا ومعروفا في قيادة الانتقال إلى الرأسمالية الصناعية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة… إلخ. أما النموذج الثاني فقد انتهى بانهيار اقتصادات الشرق تحت صدمة الإصلاح الاقتصادي بإشراف البنك وصندوق النقد الدولي، بينما تفادت الصين ذلك المصير بسياسة صناعية إرادية متحكَّم فيها من طرف السلطة المركزية للانتقال من اقتصاد “اشتراكي” موجَّه مركزيا إلى اقتصاد سوق موجَّه بدوره. في حين انهار النموذج الثالث تحت وقع الإصلاحات النيوليبرالية، سواء في بلدان المركز حيث دولة الرفاه، أو في بلدان الجنوب حيث الدولة الإنمائية.
النموذج المغربي
ينتمي المغرب إلى تنويع أكثر محدودية من النموذج الثالث. بخروج الاستعمار رسميا كان التحدي المطروح آنذاك هو الانتقال من اقتصاد استعماري إلى اقتصاد وطني مستقل. قامت الحكومة التقدمية برئاسة عبد الله إبراهيم (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) بمحاولة لإرساء تنمية رأسمالية مستقلة بناء على تدخل الدولة/ القطاع العام والتخطيط الخماسي وإرساء بنياء الاستقلال (العملة الوطنية… إلخ)[6]. إلا أن المَلكية تدخلت بعنف لوأد هذه التجربة مُرسية النهج الليبرالي الاقتصادي، خصوصا مع تدخل البنك الدولي في ستينيات القرن العشرين على خلفية أزمة مالية خانقة، فارضا نموذجا تصديريا قائما على الفلاحة وقطاع الخدمات (السياحة).
إلا أن هذه الليبرالية الاقتصادية اصطدمت بواقع ضعف البرجوازية المحلية واستنكافها عن المجازفة في الاستثمار الصبور في قطاعات تتطلب رأسمالا كبيرا وانتظارا طويل الأمد للأرباح، لذلك فضلت الاستثمار في قطاعات الربح السريع والمضمون[7]. تدخلت الدولة، نيابة عن هذه البرجوازية المحلية الضعيفة، وأنشأت قطاعا عاما كبيرا بناء على الاستثمار العمومي، مستفيدة من سياق دولي ملائم (ولوج سهل لسوق الديون الدولية، وارتفاع أسعار الفوسفاط). وكانت السياسات التجارية موجَّهة لتعزيز هذا التوجه الصناعي، عبر إحلال الواردات والسياسة الحمائية.
إلا أن هذا النموذج الإنمائي الرأسمالي بلغ حدوده في نهاية السبعينيات، بحفز من انهيار أسعار الفوسفاط في السوق الدُّولية وأزمة الديون في بداية الثمانينيات[8]. تدخل صندوق النقد الدولي عبر برنامج التثبيت الاقتصاد (1981) وبرنامج التقويم الهيكلي (1983)، فأعاد توجيه السياسة الاقتصادية (والصناعية طبعا) للدولة، عبر تعزيز نموذج النمو الموجَّه نحو الصادرات وتحرير السوق والانفتاح أكثر على السوق العالمية والخوصصة… فجرى التخفيض التدريجي للقيود الكمية على الواردات لدرجة أن %90 منها كانت حرة في 1993، مقابل %38 قبل عشر سنوات[9].
بعد عقد ونصف من تطبيق برنامج التقويم الهيكلي، شهد البلد عودة الحديث عن السياسات الصناعية، تحت عنوان “السياسات القطاعية”، وضمنها مخطط إقلاع (2005- 2009) والميثاق الوطني للإقلاع الصناعي 2014-2009، ومخطط التسريع الصناعي 2020-2014. جرى الحديث طيلة هذا العقد والنصف عن “المهن العالمية للمغرب” التي ستشكل قاطرة التنمية الاقتصادية للمغرب: السيارات والطيران. لكن هذه الاستراتيجيات القطاعية سبقها تبني سياسات تجارية تقف في الاتجاه المعاكس لكل طموحِ إقلاع صناعي. فطيلة العقود الثلاثة التي تلت تطبيق برنامج التقويم الهيكلي، كانت السياسة التجارية للمغرب قائمة على التحرير/ اللبرلة. عُقد مؤتمر تأسيس منظمة التجارة العالمية في مراكش في 01 يناير 1995، وانضم إليها المغرب في نفس التاريخ، وقبل ذلك كان عضوا في اتفاقية الجات (GATT) منذ 17 يونيو 1987. وفي 1996 وقع اتفاقية شراكة (تتضمن اتفاقيات بشأن تحرير التجارة) مع الاتحاد الأوروبي، دخلت حيز التنفيذ في فاتح مارس 2000، ثم اتفاقية تبادل حر مع الولايات المتحدة بتاريخ 15 يونيو 2004، ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 1 يناير 2006.
أدت هذه السياسات التجارية (النيوليبرالية) إلى إعاقة تصنيع البلد، بل إلى زوال آثار التصنيع السابقة، والتي حدثت في التسعينيات، كما الحاصل في قطاع النسيج ووقف منشأة لاسامير، واعترفت تقرير المعهد المَلكي للدراسات الاستراتيجية الصادر سنة 2014، أن الإنجازات الكبرى لصناعة السيارات دُفعت كلفتُها خرابَ قطاع النسيج وفقدان القدرة التنافسية في السوق المحلية[10].
لا سياسة صناعية بدون سياسات تجارية حامية للسوق الداخلية
كل الحديث عن سياسة صناعية بالمغرب دون سياسات تجارية معزِّزة للصناعة المحلية وحامية للسوق الداخلية، إنما هو كالحديث عن التدفئة بإشعال النار في خشب مبلل. وكل نجاح في قطاع (السيارات مثلا) فهو لا يعزِّز القطاعات الأخرى، إنما يعني خرابها، كما وقعها مع قطاع النسيج.
مثال صارخ هو قطاع الطاقات المتجددة. إذ يعلن المغرب رسميا على أنه نموذج ناجح في هذا المضمار. إلا أن الوقائع تنطق بالعكس. فتحرير توريد البترول في بداية سنوات الـ 2000 وإغلاق منشأة لاسامير سنة 2015 مع تطبيق قانون المقايسة مع السوق الدُّولية وإلغاء الدعم، إنما كانت نتيجتُه إطلاقَ يد المورِّدين الكبار لاحتكار السوق والتحكم في الأسعار. فكان التخلي عن سياسة عمومية ممثَّلة في احتكار الدولة توريد البترول وإيقاف لاسامير قبل تزويد البلد ببنية تحتية فعلية للطاقات المتجددة، تكريسا للتبعية الطاقية وارتفاع كلفة فاتورتها التي تقع في آخر المطاف على كاهل المستهلك النهائي.
في المجمل أدت سياسة التوجه نحو التصدير مع اتفاقيات تبادل حر وشراكة، إلى عكس ما بنت عليه افتراضاتها. فبدل اقتصاد تصدير أصبح لدينا اقتصاد استيراد. حسب تقرير البنك الدولي الصادر سنة 2017، لم يتجاوز عدد الشركات المصدِّرة 5300 شركة[11]، بينما هناك- حسب نجيب أقصبي- أربعة أضعاف هذا العدد، أي 25 ألف مقاولة مستورِدة[12]. وبطبيعة الحال لن يكون في صالح المستورِدين أي تصنيع فعلي للبلد، فهذا سيؤدي إلى انعدام مجالات ربحهم.
تعزِّز الدول الرأسمالية الكبرى حاليا سياساتها التجارية بما يجعلها حامية لصناعتها، وتتخذ تدابير جمركية لحماية سوقها الداخلية، كما هو الحال مع “آلية تعديل حدود الكربون” التي تبناها االاتحاد الأوروبي سنة 2023… في حين تصر على فتح أبواب بلدان الجنوب أمام استثماراتها وتجارتها.
إن إلغاء اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر، وليس مراجعتَها كما يدعو إلى ذلك البعض من ناقديها، هو السياسة التجارية الوحيدة القادرة على حماية السوق الداخلية من المنافسة الأجنبية، وتوفر بالتالي المناخ المناسب لتطور صناعة موجَّهة لتلبية حاجيات الشعب الداخلية، بدل توجيهها لتلبية منطلبات السوق الخارجية، خصوصا الأوروبية.
لن يكون متاحا إقلاعٌ، وبالتالي اقتصاديىا واجتماعيا مستداما، في حين أن المتحكِّم في القرار النهائي للاستثمار هو “العمليات الجزيئية” لرأس المال. فهذا الأخير ما يهمه هو أرباحه االآنية، على أن تكون مضمونة وسريعة، بينما تقتصر “السياسة العامة” و”تدخل الدولة”، حاليا، على توفير المناخ الملائم لتلك العمليات الجزيئية وحتى استعمال الاستثمار العمومي لتزويدها بالبنية التحتية. المطلوب هو سياسة استثمار عمومي موجَّهة لخدمة حاجيات الشعب وخالقة لشغل قار وأجور كافية وخدمات عمومية واجتماعية جيدة، سياسات صناعية تأخذ بعين الاعتبار، فعلا وليس ادعاء، التغيرات المناخية والبيئة على محمل الجد.
من أجل سياسات صناعية سيادية وبيئية وعادلة تجارية
إن مَصْدَرَا الثروة الوحيدين هما الأرض والبشر. وقد عمدت الرأسمالية، طيلة قرون مضت، إلى تحويلهما إلى مجرد عامِلَين للإنتاج: موارد بشرية (رأسمال بشري) وموارد طبيعية (رأس مال طبيعي)، ممعنة في استغلالهما واستنزافهما، ولم يكن يحد من تعدياتها سوى مقاومة البشر، وحاليا انضاف إلى ذلك حدود الطبيعة والكوكب. تحاول الرأسمالية التكيف مع الأزمة البيئية التي سببتها، لكن بنفس آليات السوق ورسملة ما تعتبره حلولا للأزمة البيئية، في ووقت تتنامى فيها النزاعات العسكرية والسباق نحو التسلح وعسكرة العالم.
في هذا السياق يبرز من جديد نقاش السياسات الصناعية الخضراء، والبحث عن حلول لمعضلات قديمة، خصوصا في بلدان الجنوب العالمي. ما السبيل إلى تصنيع ينقل هذه البلدان من وضع التخلف الاقتصادي والتبعية والتردي الاجتماعي والخراب البيئي، إلى وضع يضمن للبشر عيشا كريما ويحافظ على “أمنا الأرض”. يدفعنا هذا إلى الدفاع عن منظور للسياسات الصناعية يجعلها سيادية وعادلة وخضراء.
سيادية: بمعنى أن الخيارات الاقتصادية يجب أن تكون قرارا سياديا وطنيا وفي نفس الوقت شعبيا. يجب أن تنبع كل القرارات الاقتصادية من إرادة الشعوب، بشكل يحقق قطيعة مع آليات التبعية القديمة والجديدة.
عادلة: سياسات تصنيعية تضمن الحياة الكريمة لجميع شرائح الشعب العامل، وتأخذ بعين الاعتبار التضحيات الاجتماعية التي يمكن أن تحدث في حالة قرارٍ بالتخلي عن صناعات بعينها والاستثمار في أخرى. عادلة بمعنى أخذ مصالح المجتمعات المحلية بعين الاعتبار في أي صوغٍ للسياسات التصنيعية.
بيئية: ليس فقط بنزع الكربون وخفض الانبعاثات، بل بالقطع مع كل أشكال تدمير الكوكب، حتى وإن لم تكن تنفث انبعاثات، مثل الاستخراجية التعدينية… إلخ.
بقلم: علي أموزاي
إحالات:
[1]– * Thea Riofrancos, Kennedy Manduna and Lala Peñaranda (10 December 2024),“Green Industrial PolicyDigging Deeper: onversations on Mining and Just”, https://www.tni.org/en/article/green-industrial-policy.
[2]– Jostein Hauge (05-06-2025), “A progressive framework for green industrial policy”, https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13563467.2025.2506655#d1e213.
[3]– “رأسمالية الدولة الوطنية”، عصام خفاجي، دار ابن خلدون، الطبعة الأولى- 1 يونيو 1979.
[4]– أمانة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية/ الأونكتاد (2013)، “تقرير التجارة والتنمية، 2013″، نيويورك وجنيف، https://www.un-ilibrary.org/content/books/9789210010306.
[5]– * April 12, 2024, Anna Ilyina, Ceyla Pazarbasioglu, Michele Ruta , “Industrial Policy is Back But the Bar to Get it Right Is High”, IMF Bmog, https://www.imf.org/en/Blogs/Articles/2024/04/12/industrial-policy-is-back-but-the-bar-to-get-it-right-is-high.
[6]– عبد الرحيم بوعبيد، سيادة الوطن وكرامة المواطن، الجزء الأول (1941- 1961)، عبد اللطيف جبرو، الطبعة الأولى 1993، ص 6- 7.
[7]– Sous la direction de Noureddine El Aoufi et Bernard Billaudot (2019), «Made in Maroc Made in Monde, Volume 1, Industrialisation et développement», CHAPITRE 11- Nicolas Moumni, “Financement du développement industriel”, Recherches menées avec le concours de de l’Académie Hassan II des Sciences et Techniques, revue Critique économique./
[8]– المملكة المغربية اللجنة المديرية للتقرير (2005)، “50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025- التقرير العام”، الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.
[9]– Myriam Catusse (10 Jan 2011), «Morocco’s political economy: Ambiguous privatization and the emerging social question», HAL Id: halshs-00553994 https://shs.hal.science/halshs-00553994v1.
[10]– SEPTEMBRE 2014, M. Azzedine GHOUFRANE, M. Nabil BOUBRAHIMI et M. Adil DIANI «INDUSTRIALISATION ET COMPETITIVITE GLOBALEDU MAROC», L’Institut Royal des Etudes Stratégiques (IRES), https://www.ires.ma/fr/publications/rapports-thematiques/industrialisation-et-competitivite-globale-du-maroc.
[11]– جان بيير شوفور (2017)، “المغرب في أفق 2040، الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي- موجز عام”، مجموعة البنك الدولي، https://www.albankaldawli.org/ar/country/morocco/publication/morocco-economic-memorandum-2017.
[12]– شبكة سيادة (28-11-2023)، اصدار جديد: “رهان السيادة الغذائية: إكراهات المديونية والتبادل الحر بالمغرب”، https://www.siyada.org/akesbi/دراسات-واصدارات/رهان-السيادة-الغذائية/.