الديون

أزمة فيروس كورونا: تعليق سداد قروض المقاولات واعفائها من المتأخرات يجب أن تشمل أيضا القروض الصغرى ومديونية الأسر

أعلنت لجنة اليقظة الاقتصادية المكلفة بالتدابير المستعجلة لدعم القطاعات الأكثر تأثرا بفعل انتشار فيروس كورونا، عن إجراءات تهم تعليق أداء مستحقات المقاولات إزاء صناديق الحماية الاجتماعية وكذا تأجيل سداد قروضها البنكية طيلة فترة الجائحة.

الدولة في المغرب تمثل مصلحة الرأسمال وتنهج سياسات لضمان أرباحه على حساب الطبقة العاملة وصغار المنتجين. تستغل أزمة كورونا لتعفي أرباب العمل من أداء جزء الأجور غير المباشرة للطبقة العاملة (التي تسميها المساهمات أو التحملات الاجتماعية)، وتسهل تدبير ماليتهم عبر تعليق سداد ديونهم.

أما الأسر المغربية، في ظل إعلان حالة الطوارئ الصحية لمنع انتشار كورونا، وارتفاع أسعار المواد والخدمات الضرورية، وغياب تدابير فعلية لتخفيف نتائج الأزمة عليها، فسيحتد تدهور أوضاعها بفعل فقدان الشغل الذي سيطال جزءا كبيرا من الأجراء والأجيرات في القطاعات الإنتاجية، واحتداد أزمة “القطاع غير المهيكل” الذي يوظف حوالي 2,4 ملايين شخص يشكلون 36 في المائة من العاملين بالمغرب. كما ستزداد تحملاتها بخصوص حماية صحتها من الوباء المستشري وتعليم أبنائها وضمان سكن لائق، والتي تغطيها أساسا عبر الاستدانة. ومن هنا ضرورة المطالبة على الأقل بتأجيل سداد الأسر لمستحقات ديونها واعفائها من رسوم المتأخرات.

ما فتأت ترتفع المديونية البنكية للأسر في السنوات الأخيرة لتصل مع نهاية سنة 2018، الى 342 مليار درهم، ممثلة 31% من الناتج الداخلي الخام.

 يتشكل الجزء الكبير من هذه المديونية من قروض السكن بنسبة 64%، أكثر من نصفها تتجاوز مدتها 20 سنة. وغالبية الذين يعانون من عبئها هم الموظفون/ات والعاملات والعمال (81%)، حيث تمتص نفقات هذه القروض أكثر من 40% من دخلهم الذي يقل بالنسبة لثلثهم عن 4000 درهم في الشهر.

وتمثل قروض الاستهلاك 36% من مديونية الأسر، وتتراوح مدة حوالي نصفها بين 5 و7 سنوات.

هذا علاوة على القروض الصغرى التي تهم أساسا الشرائح الفقيرة، والنساء منها بالخصوص، والتي بلغ عدد زبائنها (أو بالأحرى ضحاياها) 890 ألف مع نهاية 2018[1].

ترزح الأسر المغربية تحت نير مديونية بنكية طويلة الأمد لتضمن سكنا اقتصاديا وتلبي حدا أدنى من حاجياتها. ومع أزمة كورونا، ستزداد صعوباتها في تسديدها ديونها، وسيزداد عليها ضغط مؤسسات الأبناك وقروض الاستهلاك القروض الصغرى ويقض مضاجعها.

تكدح الأسر وتتقشف لتنمي أرباح مؤسسات الأبناك وقروض الاستهلاك والقروض الصغرى والتي تحققها أساسا من معدلات الفائدة المرتفعة ومن العمولات على الخدمات. وكانت حركة ضحايا القروض الصغرى قد فجرت، في سياق حركة 20 فبراير 2011، جشع مؤسسات القروض الصغرى التي تفرض معدلات فائدة تفوق 30%، وقامت عديد من النساء بتعليق تسديد ديونها. تجاهلت الدولة مطالب هذه الحركة وتابعت ناشطيها قضائيا، تاركة آلاف نساء لا دخل لهن، يواجهون ابتزازات مؤسسات القروض الصغرى لإرغام هؤلاء الضحايا على التسديد. وكانت جمعية أطاك المغرب قد نظمت عدة أشكال تضامنية مع الحركة منها قافلة دولية في أبريل 2014، وأصدرت بحثا ميدانيا توضح فيه آليات هذه القروض الصغيرة التي تسمح بانتقال أموال الفقراء الى جيوب الأغنياء.

سيؤدي تفشي فيروس كورونا الى استفحال تبعات السياسات الليبرالية من تفكيك لخدمات الصحية العمومية، وإلغاء شبه كامل لدعم المواد الغذائية الأساسية، وتدمير الأنشطة الإنتاجية والزراعات المعيشية من جراء اتفاقيات التبادل الحر، وتراجع فرص الشغل القار، وتوسع البطالة، إلخ. ولن تستطيع غالبية الأسر المغربية تسديد قروضها وتحمل معدلات الفائدة المرتفعة التي تفرضها مؤسسات القروض الصغيرة، وكذا شركات القروض الاستهلاكية والأبناك. لذا، فاستجابة الدولة لمطالب المقاولات بتعليق سداد قروضها واعفائها من المتأخرات يجب أن تشمل أيضا مديونية الأسر ولكامل الفترة التي تستدعيها أزمة كورونا وما بعدها.

إن مآسي أوسع الفئات الشعبية الفقيرة التي ستنتج عن مديونيتها البنكية في وقت تغتني فيه أقلية من المضاربين في القطاع المالي، تجعل هذه القروض غير شرعية. هذا علاوة على عدم قانونيتها المرتبطة بعيوب العقود كالرضا الناتج عن التدليس، والرضا الناتج عن الإكراه، والغبن الاستغلالي، واستغلال حاجة المدين أو ضعف إدراكه أو نقص تجربته، ومعدلات فائدة فاحشة، إلخ. ويستدعي الأمر تعبئة مواطنية للتحقيق في مختف أشكال النهب والتعسفات التي تقترفها مؤسسات القروض الصغرى والاستهلاكية والأبناك في حق ضحاياها، والتدقيق في الأسس غير الشرعية وغير القانونية التي تستوجب ضرورة إلغاء هذه القروض، كما تطالب بذلك جمعية أطاك المغرب وشبكة اللجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية.

القروض الصغرى والمديونية الخاصة تفقر فئات الشعب الكادح وتنمي أرباح الرأسمال المالي. فلا بد من المطالبة بإنشاء نظام اقتراض عمومي بدون فائدة أو بفائدة جد منخفضة، وكذا بتأميم قطاع البنوك. ويجب أن تتوسع التعبئات من أجل الدفاع عن القدرة الشرائية ورفع الأجور والمطالبة بالسلم المتحرك للأجور، أي ربط الأجور بتطور أسعار المواد والخدمات لدى الاستهلاك. وأخيرا لا بد من التعبئة للمطالبة بتدقيق وإلغاء الديون العمومية التي تنهب ثروات البلاد وتعمق تبعيتنا الغذائية وتعمم سياسات التقشف.

[1] – الأرقام مأخوذة من تقريري بنك المغرب لسنة 2018 حول “الاستقرار المالي”، و” الإشراف البنكي”. http://www.bkam.ma/

21 مارس 2020

أزيكي عمر

عضو السكرتارية الوطنية لجمعية أطاك المغرب

زر الذهاب إلى الأعلى