الخوصصة

إلى أين يسير بريد المغرب؟

 لا لإعدام الخدمة العمومية البريدية ولا لفرط استغلال شغيلة البريد من أجل مقاومة عمالية وشعبية

على ضوء الإضراب المفتوح الذي تخوضه شغيلة قطاع البريد بالمغرب منذ يوم الأربعاء 6 يناير 2021، من أجل ملفهم المطلبي العادل و المشروع، يعيد موقع جمعية أطاك المغرب نشر هذا المقال، تعميما للفائدة ومن أجل فهم أوسع لما يجري في قطاع بريد المغرب.

إن ما أقدمت عليه نقابة البريد – كدش مبادرة محمودة في زمن الاستسلام لخطط الرأسماليين الزاحفين على الخدمات العمومية لجعلها سلعا. فبينما تواظب منظمات أرباب العمل، والأطر العاملة في خدمة الرأسمال، على تنظيم الندوات والمناظرات حول مختلف سبل إنجاح التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، تظل منظمات النضال من جمعيات ونقابات وأحزاب بعيدة عن النهوض بالحد الأدنى من دورها التثقيفي والإعلامي والتعبوي. ولا شك أن نجاح المعتدين على حقوق العمال وكافة ضحايا السياسات النيوليبرالية يعود في جانب منه إلى نقص التنوير وإيقاظ العقول إلى حقيقة ما يعد من مخططات، أي أننا نخسر المعركة فكريا قبل أن نهزم ميدانيا. لذا نشيد بمبادرة نقابة البريد، ونشكرها على دعوتنا، ونتمنى تطوير علاقات التعاون والتآزر على الأصعدة كافة.

ماذا يجري بقطاع البريد؟

ليست النهاية التي يعدها الحاكمون منذ نهاية التسعينات لمؤسسة البريد مجرد عملية تجارية بين الدولة ومشتري من الخواص، إنها عملية ذات مضاعفات بالغة الخطورة على الخدمة العمومية، و على شروط العمل، والقدرة الشرائية للعمال، والديمقراطية وحتى على الصعيد الإيديولوجي.

ليس التغيير العميق الذي يشهده قطاع البريد إلا وجها من حالة شاملة، فنفس القواعد المطبقة بقطاعات عديدة، لعل أقربها إلينا هو الاتصالات، تفعل فعلها حاليا في البريد وفي المستشفى والمدرسة، والموانئ، والمطارات غدا وهلم جرا.

معلوم أن المغرب يسلك سياسات تضعها المؤسسات المالية الدولية – البنك العالمي وشقيقه صندوق النقد الدولي- هذه المؤسسات ليست دولية بمعنى رعيها لمصالح كافة الدول بقدر ما هي أداة بيد الشركات متعددة الجنسية والقوى الرأسمالية الكبرى. تقوم هذه السياسات على فتح كافة مجالات حياة البشر للرأسمال المندفع إلى مزيد من الربح. كما أن قواعد المنظمة العالمية للتجارة وما تفرضه اتفاقات ” التبادل الحر” التي تشد المغرب إلى قوى امبريالية كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية تقضي بنزع كل الحواجز والعقبات عن طريق الاستثمار وتحويل كل شيء إلى سلعة، لا فقط أمام الرأسمال المحلي بل أيضا أمام الرأسمال العالمي العملاق ( الاتفاق العام حول تجارة الخدمات).

لذا فإن ما يشهده قطاع البريد منذ فصله عن الاتصالات قبل عشر سنوات، وتهييء تجريده من احتكار خدمات البريد، ثم تحويله الى شركة مساهمة مجهولة، في اتجاه الخوصصة ، له مماثل في ما شهده التعليم العمومي طبقا لما يسمى كذبا بالميثاق “الوطني” للتربية والتكوين. فقد فتح مجال التعليم للرساميل، وتدهور ما تبقى من تعليم عمومي، وشرع في إلغاء المجانية، ودخل الرأسمال الى الجامعة ليخضع برامج الدراسة بها لضرورات تراكمه، واشتد الخناق على شغيلة التعليم، حيث تقلب رأسا على عقب مناهج التسيير ويجري تحويل المدرسة الى سوق.

وبقطاع الصحة تجري سيرورة شبيهة: تشجيع الاستثمار الخاص، إلغاء المجانية، تدهور مريع لما تبقى من خدمة عمومية بتحويل المستشفيات الى مقاولات، تغطية صحية تلقي بملايين البشر الى اهوال ما يسمى بالمساعدة الطبية للمعوزين، الخ.

باختصار الرأسمال يلتهم الخدمة العمومية البريدية كما التهم غيرها.

مهما كانت تفاصيل تطبيق عملية الافتراس المستهدفة للبريد فإنها ستؤدي الى:

1 – حرمان المواطن من خدمة بريدية عمومية جيدة

فعندما يصبح البريد مقاولة خاصة بيد رأسماليين لا غاية لهم غير الربح، وتدخل شركات أخرى معمعة المنافسة، يصبح تقليص التكاليف قضية حياة أو موت بالنسبة لمالكي الأسهم، وآنذاك، سيجري اهمال الخدمات والمنتجات التي لا تدر الربح المطلوب، و ستغلق مكاتب البريد التي ستعتبر ضعيفة المردودية ومكلفة ، وسيحرم المواطن الفقير من خدمات البريد ويضطر للتنقل مسافات، وسيتعمق التفاوت بين المناطق، ويتكرس ما يسمى “المغرب غير النافع”، أي مزيدا من تهميش المفقرين. لقد حدث هذا حتى بالبلدان الرأسمالية المتقدمة ، فما بالك بهذا البلد الذي ألف حاكموه دوس أدنى حقوق البشر.

ففي السويد التي قامت بخوصصة بريدها منذ 1993، كانت الحصيلة كارثية، حيث ارتفعت أسعار الخدمات بنسبة 72 بالمائة لأفراد ،وزالت 25 بالمائة من مكاتب البريد. حتى صحيفة الفيغارو البرجوازية تعترف :” ارتكب الساسة الخطأ الأول بلبرلة الاحتكار في 1993، وبوجه خاص لم تعرف الدولة كيف تدافع عن الخدمة العمومية”. وفي فرنسا ستفضي عملية خوصصة البريد إلى إغلاق نصف المكاتب الحالية.

وفي بريطانيا تمثل المكاتب التي تسيرها مؤسسة البريد اقل من 5 بالمائة من نقط الاتصال. ولم يبق بألمانيا غير 12 ألف مكتب من 26 ألف. وفي فنلندة جرى إغلاق نصف مكاتب البريد.

وقد دلت التجربة الأوربية أن المواطن يتضرر على واجهتين: تتردى الخدمات وفي الآن ذاته ترتفع أسعارها.

ولا شك أن إحدى أوجه الضرر المرتقبة في حال الخوصصة هو ما يسمى البنك البريدي، فالخدمات المالية الحالية لمؤسسة البريد تستفيد منها شريحة دنيا من المواطنين، لا سيما الكهول والمفقرين، الذين لا يهمون البنوك الخاصة. وعند إحداث البنك البريدي، وتعامله بقواعد البنوك الخاصة، وفق متطلبات المردودية والربح، ودخوله المنافسة، سينتقي بدوره الزبائن وبالتالي يتخلص من الفقراء.

و ينطبق هذا حتى على خدمات البريد الأخرى، حيث أن الركض إلى حصص السوق الأكثر مردودية ستفرض على البريد المخوصص ممارسة تمييز في التعامل مع المستعملين، الذين أصبحوا زبائن، بتفضيل كبار الفاعلين ( المقاولات الكبيرة) على حساب الصغار ( الأفراد والحرفيين والمقاولات الصغيرة) وتؤدي أيضا الى ارتفاع الأسعار. ففي السويد تضاعف سعر طوابع البريد بعد عشر سنوات من الخوصصة. وادى تدهور الخدمات في بريطانيا الى توقيع 4 مليون مواطن لعريضة تطالب بالإبقاء على مكاتب البريد.

وإزاء تحطيم الخدمة العمومية هذا يدعي الليبراليون، وكل أنصار الخوصصة، أن وظائف الخدمة العمومية، وبشكل عام حماية المستعملين، سيضمنها إرساء سلطات ضبط régulation. لكن الحصيلة تنفي ذلك. ومن ابرز الأمثلة مثال الكهرباء في كاليفورنيا . كما أن سلطة الضبط في فرنسا كانت عاجزة عن الحيلولة دون غموض تعريفات الهاتف، وكانت جمعيات المستهلكين هي التي كشفت الفضيحة. وفي بريطانيا لم تنتبه سلطة الضبط في قطاع النقل بالقطار الى تدهور سكك الحديد. سلطات الضبط هذه التي تشارك في تفكيك القوة العمومية ، ليست لديها القوة كي تراقب الشركات الكبرى ولا إجبارها على أي شيء.

ويجري الإعداد لإلغاء الخدمة العمومية بإزالتها من عقول المستخدمين والمستخدمات، بإحلال مفهوم الزبون مكان المواطن المستفيد من الخدمة العمومية، و بث ثقافة المقاولة بتواصل كثيف وتعليم طرائق البيع الجديدة.

وهنا لا بد من اثارة ملاحظة بصدد فكرة عبرت عنها ورقة ” عرض حول التحولات التي يعرفها قطاع البريد” المعروضة على هذا اليوم الدراسي. فقد جاء في خاتمة الورقة وجوب ” ينبغي الدفاع على الطابع المزدوج لبريد المغرب : الطابع الاجتماعي و الطابع التجاري لتمويل الأول”.

انه حلم مستحيل. السبب بسيط، سيصبح البريد عند خوصصته مقاولة رأسمالية، وما يميز الرأسمالية هو بالذات محرك الربح، لا المحرك الاجتماعي القائم على تلبية حاجات الناس. ثم ان المنافسة التي سيكون بريد المغرب المخوصص طرفا فيها لن تترك مجالا لشيء آخر غير تقليص النفقات سعيا الى أقصى مردودية. فمن السذاجة إذن مطالبة رأسمالي شره تهدده منافسة الآخرين بإزاحته كليا من السوق بدور اجتماعي ما. إن الاعتقاد بالدور الاجتماعي لمؤسسة رأسمالية كمن يطالب الشيطان بفعل الخير.

2- التخلص من قسم من اليد العاملة بالبريد

عندما تصبح المؤسسة ملكا خاصا للباحثين عن الأرباح، تصبح اليد العاملة موردا خاضعا للتقليص والترويض حسب أقصى مردودية. وقد سبق تنفيذ جزء من هذا تحضيرا للخوصصة بالتخلص من قسم من المستخدمين حيث انخفض عدد العاملين ببريد المغرب بنسبة 10.33 بالمائة بين 2002 الى 2004 . ومن المرتقب حسب تصريحات مسؤولي القطاع الإقدام على عملية تخلص ثانية من قسم من المستخدمين [(جريدة لكونوميست 3 اكتوبر 2006 )] وكذا عدم تشغيل جدد مكان المتقاعدين. وجلي أن هذا يحد أيضا من فرص التشغيل، أي انه يفاقم مشكل بطالة خريجي التعليم. وقد دلت تجارب خوصصة البريد على ان التخلص من اليد العاملة شكل إحدى المميزات أساسية.

فقد جرى في بريد ألمانيا خفض عدد العاملين به من 394 ألف إلى 244 ألف في ظرف عشر سنوات من 1990 الى 2000 ، وتوقف منذ 1995 تشغيل موظفين ، فأصبح هؤلاء اقل من ثلث المستخدمين. وبفرنسا ستزول 30 ألف فرصة عمل في أفق 2007 ، و 70 ألف في 2012.

و بالسويد جرى إلغاء 30 ألف فرصة عمل من أصل 70 ألف .

وبالمملكة المتحدة أصبح البريد شركة مجهولة في 2001 برساميل دولة، وبدأت تحقق الأرباح بعد التخلص من 30 الف أجير من أصل 200 ألف.

3- فرط استغلال اليد العاملة

بعد التخلص من قسم من اليد العاملة لخفض التكاليف، أي رفع الأرباح، يسقط عبء العمل على من تبقى من مستخدمين- مستخدمات. و يشتد الاستغلال بإعادة النظر في تنظيم العمل، وتعتمد أساليب التسيير المميزة للقطاع الخاص بإلغاء، تدريجي في أحسن حال، للمزايا التي تضمنتها الأنظمة السابقة. وطبعا يفقد الأجراء صفة موظف الدولة وما يلازمها من مكاسب، ويصبح خاضعا لقانون الشغل. الجميع يعلم أن هذا القانون في صيغته الجديدة منذ يونيو 2004 أداة بيد أرباب العمل يفرضون بها مزيدا من المرونة وفرط الاستغلال. ستكون المنافسة بين الشركات التي ستحل بالقطاع حافزا قويا لاعتصار اليد العاملة والتخلص منها حسب تقلبات السوق.

4 – إضعاف العمل النقابي

سيؤدي التفكيك المرتقب لمؤسسة البريد بطريقة الإكثار من الشركات الفرعية، إلى تجزئ الشغيلة، وتباين أوضاعهم، مما سيؤدي إلى إضعاف تماسكهم، وبالتالي إضعاف القدرة على الدفاع عن النفس. كما أن التشغيل الهش ( العمل بالعقود محددة المدة ، والعمل بدوام جزئي، الخ) ستنال من إقدام الشغيلة على التنظيم النقابي لأن سيف التسريح سيظل عالقا فوق أعناقهم.

ما العمل ؟

سيؤدي تحطيم الخدمة العمومية البريدية الى بيع خدمات أقل فاقل جودة وأغلى سعرا، وإلغاء مناصب عمل، وتفاوت متزايد بالنسبة للسكان… هذه السيرورة خيار مجتمعي لا يخدم سوى الأقلية الرأسمالية ، علينا أن نقاومه.

إنهم يريدون تحويل البريد من منطق خدمة عمومية لصالح مستعملين إلى منطق بيع لزبائن، وهذا التقهقر الاجتماعي الذي لن يفيد غير اقلية من مالكي الرأسمال هو ما يفتخر بها كبار مسيري بريد المغرب اليوم.

يتساءل العديد من الأجراء ألا يزال ممكنا الحيلولة دون الخوصصة بعد كل الهزائم التي منيت بها الحركة العمالية لا سيما مع دخول قسم من اليسار التاريخي إلى الحكومة منذ عشر سنوات؟ صحيح ان التنازلات التي حصلت تنزل بثقلها، لكن الأسوأ هو إضافة استسلام آخر . يجب ان تستجيب الخدمات العمومية لمصلحة السكان وليس مالكي الاسهم. يجب ان يبقى البريد خدمة عمومية مائة بالمائة. وفرض رقابة السكان على اشتغال الخدمات العمومية.

لقطع طريق الهجمات على البريد لا غنى عن مقاومة حازمة. نقاش جماعي منذ الآن في جميع قطاعات البريد حول كيف يمكن تنظيم الرد ، واتخاذ مبادرات بقاعدة النقابات لفرض كفاح قياداتها ضد الهجمات. كيف يمكن تعبئة اكبر عدد ؟ وحتى المواطنين مستعملي خدمات البريد؟ كيف يمكن خلق صلات مع قطاعات عمالية أخرى؟ ومع منظمات شعبية كجمعيات حقوق الإنسان وجمعية المعطلين وجمعيات النساء؟

في مواجهة المرامي الليبرالية لا ندافع عن الوضع القائم، بل عن تعزيز الخدمة العمومية وتوسيعها الى الحاجات الاجتماعية الأساسية بتوسيع حقوق تدخل المواطنين والإجراء ، وتكييف مهامها واشتغالها مع إرضاء للمستعملين, يجب ان نكون قادرين على استنهاض حركة حقيقية جماهيرية. ولذا يجب الكلام عن المشاكل الملموسة التي يعيشها المواطن.

لا يختزل الدفاع عن الخدمة العمومية في الدفاع عن فرص العمل، وعن شروط العمل، بل هو قبل كل شيء خيار مجتمعي : انه معركة سياسية. يجب أن تمتد إلى مستعملي الخدمات العمومية وكل الذين يرفضون تحويل كل شيء الى سلعة.

لا لخوصصة البريد، لا لإغلاق مكاتب البريد

لا لتحطيم أنظمة عمل شغيلة البريد

نعم لخدمة بريدية عمومية جيدة وشاملة

جميعا من أجل جبهة نقابية شعبية موحدة لرد الهجمات الليبرالية على الخدمات العمومية.

النص أعلاه، مساهمة جمعية أطاك المغرب –مجموعة الدار البيضاء في ندوة النقابة الوطنية للبريد ـ ك.د.ش حول مستقبل القطاع يوم 26 مايو 2007

م.يوسف البيضاء 26 مايو 2007

زر الذهاب إلى الأعلى