العنصرية بمعناها التمييزي، تعطي أحقية السمو لفئة أو عرق او دين أو غير ذلك على حساب اعراق او أديان أو فئات أخرى، وبذلك تبرر سمو وعلو البعض مقابل احتقار البعض الآخر أو الاستخفاف به. وهكذا ففي المجتمع العبودي والاقطاعي، كان العبيد والاقنان يعانون من التمييز خدمة للأسياد مالكي الأرض. ولم يتغير الوضع كثيرا في المجتمع الرأسمالي الحديث، حيث تحول العمال إلى عبيد تُمارس عليهم كل أشكال التمييز القانوني والحقوقي والاجتماعي وغير ذلك، ولكن، تحت راية “الحرية” و” الديمقراطية”.
غير أن الرؤية العنصرية، قد تأسست بأوروبا، خصوصا، في القرن التاسع عشر، على نظرية متكاملة “مستعملة “ “المبادئ العلمية” لتبرير تفوق العرق الأشقر الفاتح. وبناء على هذه النظرية فقيمة الانسان ترتبط بلون بشرته، وكلما دكنت بشرته كلما تقلصت قيمته: قد يكون الشخص عنصريا ضد عرق ما بناء على لون البشرة ، لكن الشخص نفسه قد يتعرض للعنصرية بناء على لون بشرته من قوم لهم بشرة فاتحة أكثر. فمثلا جزء من المغاربة قد يكون عنصريا ضد أفريقيي جنوب الصحراء ولكن قد يتعرضون هم أنفسهم للعنصرية بأوروبا بسبب لون بشرتهم أو دينهم أو ثقافتهم أو غير ذلك. وأوروبا نفسها ليست كلا متجانسا، فالنازية، مثلا، تدعي تفوق الشعوب الجرمانية الشمالية وتضعها في قمة هرم البشرية ويصف هتلر العرب مثلا بأنصاف القرود[i]. بناء على ما سبق تم تقسيم البشرية إلى أعراق متفوقة وعليا وبالتالي متحضرة ومتقدمة وأخرى دنيا ومتخلفة. وشكل هذا التقسيم الخلفية التبريرية للاستعمار.
وجب الإشارة إلى أن الإنسان العنصري يحكمه منطق التميز والتعالي بناء على الأوهام والتمثلات لتبرير هيمنته وتفوقه. المنطق العنصري لا حدود له، مثلا قد يكون شخص عنصريا ضد قوم ما وإذا تجاوز هذه العتبة يتحول الى عنصري من جديد ضد أحد مكونات قومه وهكذا إلى أن يصل إلى أسرته وربما إلى شخصه وفي كل مرة يجد المبررات التمييزية لأنه محكوم بهذا المنطق. من جهة أخرى تكون العنصرية أكثر خطورة بتظافر وتلازم شرطين أساسيين، الأول وجود من يمارس العنصرية ، انطلاقا من الاعتقاد بالتفوق والثاني وجود من تمارس عليه العنصرية وهو يؤمن بدونيته.
العنصرية لدى من هم في أعلى السلم الاجتماعي:
تستعمل الطبقات الحاكمة العنصرية كأداة لتسهيل خدمة مصالحها الطبقية وديمومتها مرتكزة على ثقافة بائدة وعلى ضعف شديد بالمصالح الحقيقية لدى المتلقين، ومن أجل ذلك تشتري منظرين وأكاديميين وسياسيين لاستعمال الخطاب العنصري والترويج له. إنها سلاح قوي يستعمل في تفكيك الأجراء، فبدلا من وحدتهم ضد سلطة مضطَهِديهم، أي سلطة الرأسمال، تراهم يصطفون على أسس قومية أو عرقية او دينية أو غير ذلك، ويشكل ذلك أحد العوامل المسببة في إضعاف قوتهم.
قد يتجاوز التحريض العنصري عالم الشغل ليصبح شأنا مجتمعيا، فاليمين المتطرف العنصري في أوروبا والولايات المتحدة الامريكية يخلق ضجة قوية حول الهجرة ويعادي المهاجرين بحجة “الاستبدال العظيم” أي أن الشعوب المهاجرة ستغير الخريطة السكانية للقارة الأوروبية والولايات المتحدة الامريكية، وهذا الادعاء يقنع فئات واسعة من الاوروبيين الذين يحسون بالهلع بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة وما ينتج عنها من تدهور لشروط الحياة وارتفاع نسب البطالة والخوف من المستقبل.
النتيجة السياسية هي نمو اليمين المتطرف في زمن الأزمة الحادة والمتعددة الأبعاد التي تعيشها الرأسمالية، وهذا يعني خنق كل أشكال التعبير والنضال وهو المناخ الذي تحتاجه الرأسمالية لمواصلة هجومها على مكاسب عقود من النضال وفرض هيمنتها السياسية المطلقة. إن صعود اليمين المتطرف العنصري هو الأداة الفعالة بالنسبة للرأسماليين لشل بلورة أي نهوض عمالي وجماهيري يستدف النظام الرأسمالي المأزوم.
العنصرية لدى من هم في قاع المجتمع:
عندما تستعمل الطبقات الحاكمة العنصرية فلخدمة مصلحتها ومن أجل ذلك تقنع الجمهور الواسع عن طريق الاحزاب اليمينية والمفكرين المأجورين وغيرهم. بالنسبة لمن هم في قاع المجتمع، وفي زمن الأزمة الحادة وانتشار البطالة وتراجع الخدمات، يتأثر عامة الشعب وبسرعة بالأفكار والتوجهات اليمينية ويرون في الأجنبي منافسا بل عدوا وتغذي التصورات التاريخية النمطية هذا التوجه.
العنصرية بالنسبة لمن هم في القاع هي نتيجة لتوجيه السخط الشعبي نحو وجهة غير صحيحة. فبدل الأخوة العمالية والنضال المشترك للقضاء على أسباب الشر البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية…الخ، التي تسببها الرأسمالية.
يتبنى عموم المأجورين غير الواعين لذاتهم رؤية الرأسماليين التي تفرقهم على أساس العرق و الدين واللون و الأصل الاجتماعي مما يساهم في إضعافهم ومواصلة سحقهم. يشكل الأسيويون(خصوص بعد جائحة كورونا) أهدافا للعنصريين بالولايات المتحدة الأمريكية فضلا عن السود والسكان الأصليين وغيرهم من مجموعات عرقية أو دينية أخرى كالعرب و المسلمين…إلخ. يزكي هذا الوضع ضعف اليسار الجذري والفشل التاريخي للتجربة السوفياتية.
عودة لما وقع بالمغرب بعد نهاية كاس افريقيا للأمم
على الرغم من كوني غير متتبع جيد لأخبار كرة القدم إلا أنني تابعت نهاية كأس افريقيا بين السينغال والمغرب وصدمت لهول ما وقع. عنف كبير وبدون مبرر. ولكن ليست هذه هي المرة الأولى التي تقع فيها أحداث عنف داخل الملاعب. لقد حدثت أعمال العنف بملاعب متعددة، بالمغرب وخارجه. مثلا : في دجنبر ، 2011 لم تخل مباراة الديربي رقم 111 التي جمعت الوداد والرجاء البيضاويين من أحداث عنيفة نتج عنها إصابات وجروح متفاوتة الخطورة في صفوف مجموعة من مشجعي الفريقين ،كما تعرضت واجهات مجموعة من المحلات التجارية المتواجدة على طول الطريق المؤدية صوب المركب الرياضي إلى تهشيم الزجاج وتكسير الأبواب[ii]. وتكرر الأمر سنة 2022 في مشاهد صادمة لأعمال شغب وتعنيف[iii] . ولم يخطر ببال أحد في كل الحالات اتهام البيضاويين بالرعاع والهمج والحيوانات وظل الأمر محصورا في من قام بأعمال الشغب، كما جرت أعمال عنف عديدة بالملاعب الاوربية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أدت في فرنسا الى موت مشجع فرنسي سنة 2023 .
لقد أصبحت كرة القدم أداة للتنفيس عن الغضب والاحتقان الجماهيري وتوجيهه. عندما تعلق الأمر بالجمهور السينغالي، استعرت نار العداء ضد كل السينغاليين أو بالأحرى ضد كل السود وهذا ما يعطي طابعا عنصريا منحطا لردود الفعل لدى العديد من الجمهور الواسع او حتى بعض “المناضلين اليساريين” في النقابات وحتى في الجمعيات الحقوقية “التقدمية”!!! يتضح ذلك من خلال تدويناتهم وتعليقاتهم، بما في ذلك مسؤولون ببعض الأجهزة. وطبعا، لا يليق بحقوقي بجمعية تقدمية أن يكون عنصريا. هؤلاء الجماهير نفسها قدمها الإعلام الرسمي على أنها ودية ومتسامحة وتستقبل الأجانب برحابة. لكن الأمر مفهوم فالجماهير الفاقدة لأية بوصلة تكون مجنونة وعاطفية بطبعها، تظهر الود اليوم لتحوله سخطا في الغد دون اي مبرر عقلاني لتبرير أفعالها.
يحتاج شعبنا إلى ثقافة بديلة تنتشله من ثقافة الخنوع والتبعية وفقدان الثقة في الذات والشعور بكرامته وانسانيته وحقه في العيش بكرامة على أرضه. آنذاك لن يتصرف كما يتصرف اليوم، سيتصرف بما يضمن مصلحته الحقيقية أي حقه ان يعيش محترما، غير أن واقع كرة القدم الحالي لا يسمح له بذلك ويحجب عنه أن يرى مخرجا لواقع البطالة والتهميش وانعدام الخدمات الاساسية. ساهم الإعلام بشكل واضح في تسعير الوضع من خلال التداول الواسع لفيديوهات الكراهية و التحقير للسود، وكان بإمكان الدولة أن تتدخل لإيقاف ذلك غير أنها لم تفعل، لأنها ترغب في مواصلته بما يشكله من تنفيس للغضب الجماهيري الكامن خصوصا أن البلاد خارجة للتو من احتجاجات شبابية واسعة يبدو أن سنوات السجون الموزعة على الشباب غير كافية لإخمادها.
والخلاصة أن العنصرية هي انحطاط اخلاقي وإنساني يعبر عن انكسار الأحلام في مجتمع حر وديمقراطي بسبب تفكك وانحلال البدائل السياسية المنحازة بوضوح لمن هم في أسفل المجتمع.
بقلم: العربي الحافظي، عضو السكرتارية الوطنية لجمعية أطاك المغرب
إحالات:
[i] انظر(ي) مقابلة مع جلبير الاشقر حول كتابه “العرب والمحرقة النازية”: https://2cm.es/1nopZ+
[ii] انظر(ي) : https://2cm.es/1noqp+
[iii] انظر(ي) : https://2cm.es/1noqS+