نظّمت “اللجنة الوطنية لدعم عاملات وعمال سيكوم-سيكوميك” قافلة وطنية يوم الأحد 15 فبراير بمكناس، وعرفت هذه المحطة النضالية حضورًا عدديًا محترمًا تكوَّن من هيئات سياسية ونقابية، ومدنية وحقوقية وطلابية. تجمعٌ لقوى اليسار قلّما رأيناه خلال السنوات الأخيرة حول معركة نساء ورجال المعمل المغلق بمكناس “سيكوم-سيكوميك”. هذه خمس ملاحظات على هامش مشاركة نضالية.
معركة نسائية أساسية
هذه المعركة التي انطلقت سنة 2013، وانفجرت منذ 2017، تقودها النساء. فمن بين 560 عاملًا/ة تمثل النساء نسبة 95 في المائة (460 عاملة و60 عاملًا). وهي عنوان لقطاع النسيج الذي استنزف قوةً عمالية نسائية لمدة 60 سنة بالمراكز الصناعية التاريخية لهذه الصناعة (الدار البيضاء، فاس، مكناس، سلا)، واليوم يرمي ما تبقى من العاملات في الشارع.
قطاع النسيج الذي تحوّل، وما يزال يزدهر – عكس الفكرة السائدة – بسبب تحوّل نمط الإنتاج وطلبيات الأسواق المستورِدة. تحوّلات جرفت عددًا كبيرًا من العاملات من معامل كبرى منظَّمة تتميّز بعمل نقابي ممكن نسبيًا، إلى وحدات غير مهيكلة فاقدة لشروط الكرامة. ولعلّ ضحايا مأساة طنجة في فبراير 2021 عنوانٌ مأساوي لهذا التحول، الذي ذهب ضحيته 28 عاملًا من بينهم 22 عاملة.
هذا التحول لم يُزحزح العائلات الرأسمالية والبرجوازية الكبرى في القطاع، والتي لا تتوانى في طرد العاملات، بل تزداد قوةً من خلال شراكات تصديرية مع الرأسمال الدولي. وفي الآن نفسه، تتحول نفس “العائلات الحاكمة” في النسيج إلى قطاعات أخرى كالعقار والسياحة.
هذه معركة بطولية صامدة بفضل تضحيات العاملات اللواتي صمدن أمام مختلف أشكال العنف المادي والرمزي. وهنا ننتظر تفاعلًا وتحركًا وتعبئةً من الحركة النسائية مع هذه المعركة العمالية الخالصة.
معركة عمالية وجودية
معركة “سيكوم” هي “نكون أو لا نكون” بالنسبة للطبقة العاملة في مغرب اليوم. بمكناس يوجد آخر اعتصام عمالي. بمكناس يوجد أكبر تجمع عمالي ميداني. بمكناس وقعت أكبر عملية طرد ونهب للعمال خلال العشرين سنة الأخيرة. بمكناس لا يُلعب بمصير 560 عاملًا/ة فقط، بل بمصير الطبقة العاملة المغربية كلها.
إن انهزم العمال بمكناس، فعمال المغرب كلهم سينهزمون. ما يقع في مكناس يهم كل النقابيين والعمال والعاملات، بل يهم كل المغاربة. لقد تم الدوس والاستخفاف بما تبقى من قانون الشغل. لقد تم نهب أموال صندوق الضمان الاجتماعي من طرف المشغِّل. لقد تم استعمال المال العام من أجل إغناء الباطرون وتفقير وطرد العمال. لذلك وجب علينا توجيه اهتمامنا بما يقع بمكناس، وبذلك المعتصم المهم.
معركة جهوية حيوية
بمكناس يدور أحد فصول معارك العولمة الليبرالية. في جغرافيا العولمة الحاكمة يوجد فقط أقطاب حضرية تتميز بالتواصل مع المركز الإمبريالي. في إطار التوزيع الجديد للعمل، المراكز “الصناعية الخفيفة” اليوم بالمغرب محدَّدة من طرف الرأسمال العالمي. وهذه المراكز هي طنجة، القنيطرة، والدار البيضاء. مراكش وأكادير مراكز لاقتصاد سياحي موجه للأجانب. باقي المغرب خارج هذه الخريطة العالمية للتصنيع والخدمات وإنتاج “القيمة”.
مكناس – كما عدد من المدن بالمغرب – ضحية لهذا الاختيار الإمبريالي الذي أشر عليه المخزن محليًا. لا صناعات خارج المراكز الصناعية على طول المحيط الأطلسي، ويبقى لشغيلة المدن الأخرى قطاعٌ خدماتي هش لا يوفر مناصب شغل بما يكفي. أحد مؤشرات ذلك هجرة شباب وشابات مكناس إلى مدن الشمال والوسط لإيجاد فرص شغل.
ما علاقة “سيكوم-سيكوميك” بكل هذا؟ يتضح جليًا أن الدولة لم تعد مهتمة بوجود صناعات خارج مدن المحيط، ولا تريد حتى أن تحترم حقوق الشغيلة. إن معركة “سيكوم” تهم ساكنة مكناس كلها، وتطرح أسئلة حول مصير المدينة: أي مستقبل لتنمية المدينة؟ أي شغل لأبنائها وبناتها؟ أي موقع للمدينة ونواحيها في التنمية داخل إحدى الجهات الغنية بالثروات الفلاحية والمعدنية والمائية والبشرية؟ لعل جزءًا من الأجوبة يوجد بمعتصم “سيكوم”…”
معركة الديمقراطية النقابية
أحد عناوين معركة “سيكوم” هو الديمقراطية داخل الهيئات النقابية. نحن أمام معركة عمالية مهمة أصبحت محط اهتمام الدولة بمختلف أجهزتها. عرفت تدخل مؤسسات منتخبة من أجل إعادة إطلاق المعمل سنة 2017، من خلال ضخ المال العام في الشركة (4 ملايين درهم).
وفي المقابل، هناك تخاذل من النقابة المحلية الحاضنة – نظريًا – لهذه المعركة. وصل الأمر إلى حد المتابعات القضائية والتشهير بالعمال والعاملات بالمعمل. صراحة، سمعت مرارًا وتكرارًا عن تخاذل النقابات المركزية في معارك مشابهة، لكنني لم أر هذا المستوى من التواطؤ الضمني مع السلطة والرأسمال.
اليوم النقابات – ومنها الكدش – كما باقي المركزيات، أمام سؤال حقيقي: لماذا تصلح النقابات اليوم؟ هل للدفاع عن سلطة الرأسمال والدولة أم عن العمال؟ وإن كانت هناك خلافات شخصية أو اختلافات في وجهات النظر، أيُعقل أن تشارك نقابة أو بعض أعضائها في تجريم العمال والمساعدة على رميهم في السجن؟ ننتظر جوابًا من المكتب التنفيذي للكدش، والذي طلبت منه اللجنة الوطنية لقاءً مستعجلًا.
معركة في مواجهة الاستبداد
أكيد أن معركة “سيكوم” هي أيضًا ضد الاستبداد السياسي. سيقول البعض إن هذا الملف ذو مطلب عمالي ونقابي صرف. أكيد أن هذا هو الجزء الأول من الملف. لكن اليوم نحن أمام استمرار القضية وتحولها من نزاع شغل إلى محاكمات جنحية لا تنتهي.
المعركة تعرف اعتداءات متتالية على العمال والعاملات بالمعتصم من طرف “بلطجية” مسخَّرة من طرف المشغِّل السابق، دون تدخل السلطات الأمنية والمحلية، رغم تواجدها الدائم بالمعتصم. الحياد السلبي للدولة في الملف يثير تساؤلات كبرى أيضًا، إذ يمكن للدولة حل الملف بجرة قلم وبقرار سيادي، والكرة في ملعب رئيس الحكومة.
لكن ماذا يمكن أن ننتظر من باطرون ورأسمالي كبير جدًا؟ أكيد سيحمي أصدقاءه الرأسماليين الكبار، ملاك الشركة… حتى يثبت العكس.
تحية عالية للجنة الوطنية المسانِدة لهذه المعركة الجوهرية في مغرب النضال.
تحية الصمود والإجلال للجنة المحلية.
لدينا فرصة للمساهمة في أن ينتصر هؤلاء الناس وتنتزع العاملات حقوقهن كاملة. يجب علينا مساندتهن بكل قوة (ماديًا، إعلاميًا، سياسيًا ونقابيًا). أما من يعتبر نفسه “يسارًا” وهو اليوم متخلّف – ليس كأشخاص، بل أتحدث عن التنظيمات – عن هذه المعركة، فلا مكان له في يسار ميداني، مشتَبِك وغير مهادن مع الاستبداد.
وفي الأخير، فإن انتصار هذه المعركة الصعبة يمر أيضًا عبر ترك الكلمة الأخيرة للعاملات والعمال في معركتهن. يجب أن يكنّ ويكونوا دائمًا في الصفوف الأمامية. وهن وهم قادرات وقادرون أكثر من أي أحد على قيادة معاركهم، وقد أكدن وأكدوا ذلك منذ 2021.
ص. مناضل من جمعية أطاك