عام بعد حراك جيل زد: الانتخابات واجهة لحكم لم يتغير

⑊

انتخابات حُسمت لوحتها قبل الاقتراع

أُسدل الستار، في الساعات الأولى من صباح يوم 24 شتنبر 2026، على انتخابات واجهة الحكم، بالإعلان عن النتائج الأولى التي أفرزت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً. وقد تتغير بعض التفاصيل في النتائج النهائية، لكن ذلك لن يغير كثيراً من دلالتها السياسية العامة: انتقال قيادة المرحلة المقبلة إلى واجهة حزبية جديدة داخل البنية نفسها.

لم تكن هذه النتائج صادمة ولا غير متوقعة. فأي متتبع للشأن السياسي في بلدنا كان يستطيع أن يدرك أن اللوحة التي ستُدار من خلالها المرحلة المقبلة قد رُسمت إلى حد بعيد قبل فتح صناديق الاقتراع. فالمنافسة الانتخابية تمت داخل حدود سياسية، وفي ظل اختيارات استراتيجية جرى تحديد اتجاهاتها مسبقاً. لذلك لم تكن الانتخابات، في جوهرها، مناسبة للتنافس حول برامج انتخابية متباينة أو اختيارات سياسية واقتصادية متعارضة، بقدر ما كانت محطة للإعلان عن الواجهة التي ستتولى تدبير مرحلة جرى إعدادها سلفاً، عنوانها الأبرز المونديال.

ومن هنا لم يكن الحديث عن «حكومة المونديال»، الذي تصدر واجهات الإعلام قبل الانتخابات، مجرد اجتهاد أو توصيف صحفي عابر للحكومة المقبلة. فالمغرب يدخل فعلاً مرحلة ستُعبّأ فيها موارد واستثمارات ضخمة للبنية التحتية والنقل والملاعب وغيرها من الأوراش المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، فيما كان انتقال فوزي لقجع، المسؤول عن تدبير كرة القدم المغربية ورئيس لجنة تنظيم المونديال، إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة قبيل الانتخابات، من أبرز الأحداث السياسية التي سبقت الاقتراع، وحمل في دلالته السياسية مؤشراً واضحاً على طبيعة المرحلة والاختيارات التي ستطبعها.

لذلك فإن السؤال الذي تطرحه نتائج انتخابات 23 شتنبر ليس فقط: من تَصدر الانتخابات؟ وإنما، قبل ذلك، سؤال أكثر جوهرية: ما الذي كان يمكن لهذه الانتخابات أن تغيّره أصلاً؟

 

صندوق الاقتراع: من بقي خارجه؟

إذا كانت نتائج الانتخابات لم تحمل مفاجأة كبيرة، فإن الرقم الأكثر دلالة فيها ربما لا يوجد في عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما في نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38.02 في المائة. وهي نسبة تقل بأكثر من 12 نقطة عن انتخابات 2021، التي بلغت فيها المشاركة 50.35 في المائة، كما أنها تمثل أدنى مستوى للمشاركة في الانتخابات التشريعية منذ 2007.

لكن حتى هذه النسبة تحتاج إلى وضعها في سياقها. فعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية نفسها لم يتجاوز حوالي 15.8 مليون ناخب، في حين تشير المعطيات المنشورة إلى أن عدد المغاربة المؤهلين/ات للتصويت يناهز 26.7  مليون شخص. أي أن المسجلين في اللوائح لا يمثلون سوى نحو 59 في المائة ممن يفترض أنهم مؤهلون للتصويت. وباحتساب نسبة المشاركة على مجموع البالغين سن التصويت، فإن من شاركوا فعلياً في انتخاب البرلمان لا يمثلون سوى حوالي 22.5  في المائة من هذه الكتلة.

وتزداد دلالة هذه الأرقام حين نصل إلى الشباب. فالفئة العمرية بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى 4 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية.

لا يمكن اختزال هذه الأرقام في مجرد «عزوف انتخابي»، وكأن الأمر يتعلق بسلوك فردي لمواطنين فقدوا الاهتمام بالسياسة. فحين لا يشارك سوى أقل من أربعة من كل عشرة مسجلين في اختيار البرلمان، وحين لا يمثل المسجلون أنفسهم سوى جزء من مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت، فإن المسألة تتجاوز سلوك الناخب لتصبح مؤشراً على طبيعة العلاقة القائمة بين المجتمع والمؤسسات المنتخبة. وتزداد المفارقة وضوحاً حين نضع هذه الأرقام على بعد عام واحد من حراك جيل زد، الذي أظهر أن جزءاً من الشباب المغربي ليس بعيداً عن السياسة ولا غير مكترث بالشأن العام، بل قادراً على التعبئة والاحتجاج وطرح مطالب اجتماعية وسياسية خارج القنوات الانتخابية التقليدية. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: لماذا لم يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع؟ بل أيضاً: لماذا لم تستطع الانتخابات، بعد عام من حراك جيل زد، أن تستوعب تلك الطاقة السياسية التي عبّر عنها الشباب في الشارع؟

 

جيل زد خارج الصندوق: في قلب الاحتجاج

جرت الانتخابات ونحن على أبواب تخليد الذكرى الأولى لانطلاق حراك جيل زد، الذي بصم مشهد الاحتجاجات في المغرب السنة الماضية، حيث احتل الشباب الفضاءات، من الديسكورد إلى الساحات العمومية، مطالبين بالصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، ومنتقدين في الوقت نفسه أولويات الإنفاق العمومي المرتبطة بالمنافسات الرياضية الكبرى. وقد كان الحراك، في جزء أساسي منه، تعبيراً عن جيل يمارس السياسة خارج الأحزاب وخارج المؤسسات، ويصوغ مطالبه وأشكال تعبئته بوسائله الخاصة وفي فضاءاته الخاصة.

وإذا كان هذا الجيل قد وجد نفسه خارج البرامج الانتخابية، فإنه يجد نفسه أيضاً خارج الأفق الاقتصادي والاجتماعي الذي ترسمه السياسات القائمة؛ سياسات نيوليبرالية تعمق فقر من هم في الأسفل، وتراكم الثروات في الأعلى، وتدمر المكاسب وتسحق الحقوق وتعلق الأمل في غد كريم. وتكفي أرقام البطالة لتكشف جانباً من هذا الواقع: فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة 37.2 في المائة سنة 2025، مقابل13 في المائة كمعدل وطني.

وهذه النسب لا تعكس فقط صعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وإنما تكشف وضع جيل يجد نفسه أمام سنوات طويلة من الانتظار، والعمل الهش أو البطالة، وضيق إمكانات الاستقلال وبناء المستقبل. جيل يكبر في بلد تُفتح فيه آفاق واسعة أمام المشاريع الكبرى والاستثمارات والأوراش المرتبطة بالمنافسات الدولية، بينما تضيق أمامه أبسط شروط العيش الكريم.

ولعل أحداث سبتة الأخيرة كانت التعبير الأكثر قسوة عن انسداد هذا الأفق وفقدان الأمل الذي يعيشه الشباب. فقد أصبح البحر ملاذاً لعشرات الآلاف ممن اختاروا الهرب والفرار من واقع لم يجدوا فيه ما يكفي من أسباب البقاء والأمل. شباب يغامرون بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى، بينما يُطلب منهم في الضفة التي ولدوا فيها أن ينتظروا، وأن يتكيفوا مع البطالة وضيق الأفق، ثم أن يمارسوا «مواطنتهم» بالتصويت على من سيؤثث واجهة الاستبداد.

الجرار سينطلق… والشعب سيدفع الثمن

الآن وقد أُسدل الستار على الانتخابات، ستُدفع البلاد نحو مرحلة جديدة عنوانها المعلن «حكومة المونديال». وسيكون الجرار، الذي انتقل إلى مقدمة الواجهة، مطالباً بأن يشق الطريق أمام هذه المرحلة بأقصى قوته، أملاً في نيل رضى من عينه لهذه المهمة: مشاريع كبرى، استثمارات ضخمة، أوراش وبنيات تحتية، وتسريع كل ما يجعل المغرب جاهزاً للحدث العالمي. لكن خلف بريق الملاعب والطرق والمشاريع سيظل السؤال الذي حمله حراك جيل زد قائماً: ماذا عن المدرسة  والمستشفى العمومين؟ ماذا عن الشغل والكرامة؟ وأهم سؤال: من قرر هذه المشاريع ومن سيدفع ثمنها ؟

إن استمرار هذا المسار، في ظل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، لن يؤدي إلا إلى تعميق التناقضات الاجتماعية. فبينما تُعبّأ الموارد والإمكانات للأوراش الكبرى، تظل الأغلبية الشعبية تواجه البطالة والهشاشة وتدهور الخدمات العمومية وارتفاع كلفة المعيشة. وما ينتظر شعبنا، والحالة هذه، ليس نهاية الأزمة، بل موجات جديدة من البؤس والتهميش والاحتقان الاجتماعي.

لكن الدرس الأهم الذي تركه حراك جيل زد لا يكمن فقط في حجم الغضب الذي عبّر عنه، وإنما في الإمكانات الكبيرة التي أظهرها الشباب المغربي، وفي قدرته على ابتكار أشكاله وأدواته في النضال، وعلى احتلال فضاءات جديدة وممارسة السياسة خارج القنوات المعتادة . وهذه الطاقة لا ينبغي أن تظل مبعثرة أو أن تُستنزف في موجات احتجاج عابرة. إن التحدي هو أن تلتقي قوة الشباب بقوة باقي النضالات: العمالية والطلابية والشعبية، وأن تتحول هذه الطاقات المتفرقة إلى قوة جماعية منظمة، قادرة على فرض ميزان قوى جديد لصالح من هم في الأسفل، في مواجهة من راكموا الثروة والسلطة في الأعلى.

فالجرار قد ينطلق بأقصى سرعته، وقد تُفتح أمامه كل الطرق، لكنه لن يستطيع أن يلغي الأسئلة التي خرج بها حراك جيل زد إلى الشارع قبل عام.

فمعركة شعبنا ليست في تغيير من يقود الجرار، بل في بناء القوة التي تستطيع تغيير الطريق نفسه، وفرض ميزان قوى جديد لصالح من هم في الأسفل.

 

بقلم: أسماء المنضور

———

المراجع:

  1. وزارة الداخلية المغربية / البوابة الرسمية للمملكة المغربية (Maroc.ma)، الانتخابات التشريعية.. حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، 24 شتنبر 2026.
    النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية 2026
  2. المندوبية السامية للتخطيط – وضعية سوق الشغل في المغرب سنة 2025
    المصدر الرسمي لمعطيات البطالة: 13% وطنياً، و2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة

المندوبية السامية للتخطيط – Situation du marché du travail en 2025

  1. البوابة الرسمية للمملكة المغربية – الانتخابات التشريعية 2026
    المصدر الرسمي لعدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، الذي بلغ 15,801,162 ناخباً، وكذلك لتوزيعهم حسب الأعمار، حيث تمثل الفئة 18–24 سنة نسبة 4% من المسجلين.
    ma – الانتخابات التشريعية: 15,801,162 عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية

 

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة