كأس إفريقيا 2025 لكرة القدم في المغرب: كيف تستعمل Total Energies كرة القدم لتبييض جرائمها في إفريقيا؟

بينما تحتفل الملاعب المغربية بأضواء كأس الأمم الإفريقية 2025، تتصدر شركة Total Energies المشهد. ليس فقط بصفتها راعي البطولة، بل أيضًا كواحدة من أكبر شركات الطاقة العالمية تلويثا بيئيًا. ففي الوقت الذي تُسوَّق فيه الشركة على أنها داعم للرياضة، تكشف البيانات عن أن أنشطتها النفطية والغازية تسهم بشكل كبير في تلوث البيئة وانبعاث الغازات الدفيئة على الصعيد العالمي، سواء من عمليات الانتاج والبيع المباشرة أو من الوقود الأحفوري. هذه الاستراتيجية، التي يصفها كثيرون بـ”تبييض السمعة عبر الرياضة”، تعكس محاولة Total Energies استخدام قوة كرة القدم الرمزية لإعادة تشكيل صورتها العامة، وسط احتجاجات وانتقادات واسعة من منظمات بيئية وحقوقية في إفريقيا وحول العالم، نتيجة تأثير مشاريعها على المياه، والأراضي، والنظم البيئية المحلية. وفي حين يتابع الملايين المباريات بحماس، يبقى حجم التأثير البيئي ساطعا لشركة تُتهم بإلحاق أضرار جسيمة بالمجتمعات الطبيعية والإنسانية، وراء أضواء كرة القدم، في القارة؟

كرة القدم كواجهة للنفوذ وغسل السمعة

لم يعد حضور شركة Total Energies في إفريقيا مقتصرًا على آبار النفط وخطوط الأنابيب ومزارع الطاقة الشمسية والرياح، بل امتد بقوة إلى ملاعب كرة القدم، حيث تحوّلت الشركة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز رعاة البطولات والمسابقات الكروية في القارة. هذا التوسع الرياضي، الذي يبدو في ظاهره دعمًا للرياضة والتنمية والشباب، يُنظر إليه من قبل منظمات بيئية وحقوقية على أنه استراتيجية واعية لتبييض صورة الشركة وصرف الأنظار عن سجلها الملوّث ونزع الأراضي وانتهاك حقوق المجتمعات المحلية[1]. تعتمد Total Energies على قوة كرة القدم الرمزية، التي توحّد ملايين الأفارقة وتثير مشاعر الفخر والفرح الجماعي، لإعادة تشكيل صورتها في الوعي العام، ليس كشركة نفطية ملوّثة، بل كشريك في” التنمية” و”داعِم للرياضة الإفريقية”.

يأتي هذا الحضور المكثف في وقت تواجه فيه الشركة انتقادات حادة بسبب مشاريعها النفطية والطاقية في عدة دول إفريقية، حيث تُتهم بتدمير البيئة عبر تلويث المياه والتربة وتهجير آلاف السكان. يصف المناضلون البيئيون هذا النهج بغسل رياضي[2] (sportswashing) وغسل بيئي (greenwashing)، إذ بينما ترفع شعارات “التنمية المستدامة” خلال البطولات، تستمر الشركة في استثماراتها الكبرى في الوقود الأحفوري، ما يجعل الخطاب البيئي منفصلًا عن واقع أنشطتها. إضافة إلى ذلك، لا يقتصر النفوذ على دعم الرياضة المالي ، بل يمتد إلى احتلال الفضاء الإعلامي والرمزي لكرة القدم، حيث تملأ شعارات الشركة الملاعب وتتكرر أسماؤها في التغطيات التلفزيونية، ما يحول اللعبة إلى أداة علاقات عامة تمنحها حضورًا إيجابيًا متجذرًا في الذاكرة الجماعية، ويثير إشكالات أخلاقية حول فصل الدعم الرياضي عن مصادر الأموال.

إن هذا الأسلوب لا يمثل دعمًا بريئًا لكرة القدم، بل وسيلة لإخفاء آثار نموذج اقتصادي ملوّث، يعزز نفوذ الشركة السياسي والاجتماعي ويحوّل الرياضة إلى جزء من منظومة نفوذ متكاملة، بينما تتحمل المجتمعات المحلية الكلفة البيئية والاجتماعية بعيدًا عن أضواء الملاعب.

الوقود الأحفوري في إفريقيا: الوجه المظلم لأنشطة  Total Energies

تنشط شركة Total Energies  في عدة دول إفريقية، من بينها موزمبيق وأوغندا وتنزانيا وجنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو، ويواكب هذا الحضور الواسع جدل متزايد بسبب ما يثيره من مخاطر بيئية واجتماعية ومتابعات قضائية واحتجاجات محلية.

في موزمبيق، أثار مشروع الغاز الطبيعي انتقادات واسعة بعد توقفه إثر هجوم مسلح سنة 2021، وهو ما خلّف تداعيات إنسانية خطيرة. وقد رُفعت شكاوى جنائية في فرنسا تتهم الشركة بالتقصير أو التواطؤ في انتهاكات جسيمة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد مسؤوليتها عن حماية السكان[3].

في أوغندا وتنزانيا، واجهت مشاريع استخراج النفط وخط أنابيب شرق إفريقيا (EACOP) اعتراضات قانونية وبيئية كبيرة، بعد تعرض أكثر من 100 ألف شخص من المجتمعات المحلية لمخاطر جسيمة في أوغندا[4].

أما في جنوب إفريقيا، فقد ألغت محكمة عليا تصريحًا بيئيًا مُنح للشركة وشريكها بسبب قصور دراسة الأثر البيئي، خاصة في ما يتعلق بمخاطر تسرب النفط وتغيّر المناخ، وهو ما أثار مخاوف بشأن تهديد النظم البيئية البحرية والمجتمعات الساحلية[5].

تعزز هذه الانتقادات تقارير عن تلوث بيئي وصحي في مناطق أخرى. في جمهورية الكونغو، أشارت تحقيقات إلى احتمال تلوث المياه والبيئة المحيطة بمنشآت تابعة للشركة، مع تسجيل أمراض يُشتبه في ارتباطها بذلك. كما حذّرت منظمات بيئية من التقليل من مخاطر تسرب النفط على السواحل الإفريقية.

تندرج هذه القضايا ضمن مخاطر أوسع لصناعة الوقود الأحفوري عالميًا[6]، إذ أن التلوث الناتج عنها يهدد صحة وسبل عيش ملايين الأشخاص، ما يطرح تساؤلات حول استمرار هذه المشاريع وتداعياتها العابرة للحدود.

استنزاف الموارد المغربية: استراتيجية Total Energies المكثفة

تحظى شركةTotal Energies  بحضور قوي ومتعدد الأبعاد في المغرب، يمتد من أنشطة الوقود التقليدي إلى مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، ما يجعلها أحد أبرز المستثمرين الأجانب في القطاع الطاقي الوطني. فمنذ دخولها السوق المغربية سنة 1927[7]، رسخت الشركة موقعها عبر شبكة واسعة لتسويق وتوزيع الوقود والزيوت والغاز المسال، تضم أكثر من 390 محطة خدمة موزعة على مختلف جهات البلاد، إلى جانب منشآت صناعية تشمل مصنعًا لخلط زيوت التشحيم، ومصانع لتعبئة الغاز، ومستودعات نفطية مملوكة أو مشتركة. ويعمل لديها اليوم أكثر من 1400 موظف، ما يعكس استمرارية حضورها الاقتصادي والبشري داخل البلد.

في السنوات الأخيرة، وسّعت Total Energies مجال تدخلها في المغرب ليشمل الطاقات المتجددة، في انسجام مع الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي وتعزيز التوجه التصديري نحو أوروبا. يبرز هذا المنحى أولًا من خلال مشاركة الشركة في مشروع Xlinks Morocco–UK Power Project، أحد أضخم مشاريع الربط الكهربائي الدولي في العالم. ففي أواخر سنة 2023، استثمرت Total Energies نحو 20 مليون جنيه إسترليني للحصول على حصة أقلية في هذا المشروع، الذي يهدف إلى إنشاء محطات شمسية وريحية بقدرة إجمالية تقارب 3.6 غيغاواط جنوب المغرب، ونقل الكهرباء المنتجة مباشرة إلى المملكة المتحدة عبر كابل بحري يمتد لحوالي 3800 كيلومتر، مع توقع تغطية نحو 8% من الطلب الكهربائي البريطاني[8].

تَعمق هذا التوجه لاحقًا عبر مشروع Chbika  بجهة كلميم–واد نون، بهدف تطوير قدرات إنتاجية تصل إلى 1 غيغاواط من الطاقة الشمسية والريحية، تُستخدم لإنتاج الهيدروجين الأخضر من مياه البحر المحلاة، وتحويله إلى نحو 200 ألف طن سنويًا من الأمونيا الخضراء المخصصة أساسًا للتصدير نحو السوق الأوروبية[9].

غير أن هذا التوسع، رغم تقديمه في إطار ” التحول الطاقي” و”الاستدامة”، يثير تساؤلات بيئية واجتماعية متزايدة. فمشاريع مثل Chbika  تتطلب مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية، ما قد يؤدي إلى فقدان المواطن الطبيعية واضطراب التنوع البيولوجي، فضلًا عن استهلاك كميات كبيرة من المياه في منطقة تعاني أصلًا من ندرتها[10]. أما مشروع  Xlinks، فيطرح بدوره مخاطر على النظم البيئية البحرية نتيجة مد الكابل البحري، إضافة إلى تأثيرات محتملة على المجتمعات المحلية المرتبطة باستخدام الأراضي والبنى التحتية.[11]

إن استمرار Total Energies في الاستثمار المكثف في الوقود الأحفوري عالميًا يجعل من خطابها حول الطاقة النظيفة جزئيًا وانتقائيًا، حيث لا يلغي انتقالها نحو الشمس والرياح والهيدروجين مساهمتها الإجمالية في الانبعاثات الكربونية. كما يثير تعاونها الوثيق مع الدولة المغربية نقاشًا حول شروط احترام البيئة، ومدى صرامة التقييمات والرقابة المفروضة على مشاريع كبرى ذات آثار طويلة الأمد على الأرض والبحر والموارد الطبيعية.[12]

يعكس حضور Total Energies في المغرب مفارقة واضحة: شركة ذات تاريخ طويل في الوقود الأحفوري، تستثمر بقوة في الطاقات المتجددة والبنية التحتية الخضراء، لكنها في الوقت نفسها تسبب كوارث بيئية واجتماعية حقيقية. وبين الوعود بـ “التنمية المستدامة” ومخاطر التوسع الصناعي واسع النطاق، يبقى السؤال مفتوحًا حول من يستفيد فعليًا من هذه المشاريع، ومن يتحمل كلفتها البيئية على المدى البعيد.

خلف الواجهة: أرباح قياسية وتكلفة مناخية باهظة

أعلنت شركة Total Energies عن تحقيق أرباح صافية بلغت 21.4 مليار دولار خلال عام 2023. وفي الوقت نفسه، نظّمت منظمات، من بينها StopTotal وReclaim Finance وCARE France و350.org France، تحركًا احتجاجيًا سلط الضوء على الثمن البيئي والإنساني المرتفع لأنشطة الشركة في مختلف أنحاء العالم[13].

تعكس هذه الأرباح الاستثنائية استمرار استفادة الشركة من ارتفاع أسعار الطاقة، ضمن نموذج اقتصادي يقوم أساسًا على التوسع في الوقود الأحفوري. إذ تشغّل Total Energies أو تطور ما لا يقل عن ” 17 قنبلة كربونية ” [14]، وترتبط إجمالًا بـ 33 مشروعًا من هذا النوع[15]، وهي مشاريع تتعارض بشكل مباشر مع هدف حصر الاحترار العالمي في حدود 1.5 درجة مئوية، وفق ما تؤكده تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ووكالة الطاقة الدولية.

استعادة كرة القدم من قبضة الرأسمال

في ضوء كل ما سبق، يتبيّن أن رعاية Total Energies لكرة القدم الإفريقية ليست فعلًا معزولًا أو بريئًا، بل جزء من منظومة أوسع تُوظَّف فيها الرياضة لتلميع نموذج اقتصادي يقوم على الربح، حتى وإن كان ذلك على حساب البيئة وحقوق المجتمعات الفقيرة. فحين تتحول الملاعب إلى واجهات دعائية لشركات متهمة بتلويث الأرض والماء وتهجير السكان، تفقد كرة القدم أحد أهم أدوارها التاريخية كفضاء شعبي للتعبير والفرح الجماعي، وتُختزل في أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الاقتصادية.

إن الدفاع عن كرة القدم، بوصفها رياضة الفقراء ولسان حال الشعوب، يقتضي مساءلة مصادر تمويلها ورفض إخضاعها لمنطق “المال مقابل الصمت”. فالدعم الحقيقي للرياضة لا يكون عبر رعاية تحمل أسماء شركات ملوِّثة، بل عبر سياسات عمومية عادلة، وتمويل يضع مصلحة المجتمعات المحلية، والشباب، والبيئة في الصدارة. ومن دون هذا الوعي النقدي، ستظل كرة القدم تُستغل كقناع أخضر يغطي أوجه الظلم البيئي والاجتماعي، بينما يدفع الفقراء ثمنًا مضاعفًا: مرة في أراضيهم ومواردهم، ومرة في اختطاف مساحتهم الرمزية الأخيرة للفرح.

“فإما أن تبقى كرة القدم مساحة للفقراء والشعوب، أو تتحول نهائيًا إلى واجهة ناعمة لرأسمال يدمّر الأرض ثم يحتفل فوقها.”

بقلم: وحيد عسري

إحالات:

[1]  توتال راعي لكأس أفريقيا: “كرة القدم تستخدم كستار للاستغلال”، https://2cm.es/1gKVC+

[2]  غسل الرياضة: كيف ترعى شركات التعدين والطاقة رياضاتك المفضلة بهد ف تنظيف صورتها، https://2cm.es/1gKAZ+

[3]  شركة Total Energies متهمة بالتواطؤ في جرائم حرب في موزمبيق، https://2cm.es/1gK88+

[4]  “توتال إنرجيز” تقرر مراجعة عمليات شراء أراض لمشاريع بإفريقيا، https://2cm.es/1lEur+

[5]  محكمة بجنوب أفريقيا تلغي ترخيص “توتال” و”شل” في كيب الغربية ، https://2cm.es/1lEve+

[6] الانبعاثات المتراكمة منذ اتفاق باريس لخمس شركات كبرى تعمل في مجال الوقود الأحفوري، منها  Total Energies، ستتسبب في أضرار اقتصادية تزيد قيمتها عن 5 تريليونات دولار، https://2cm.es/1gLUR+

[7]  موقع الشركة على الأنترنت،  https://2cm.es/1gJYV+

[8]  توتال إنرجيز تستحوذ على حصة أقلية في مشروع Xlinks للطاقة بين المغرب والمملكة المتحدة ، https://2cm.es/1gK12+

[9]  الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر: TE H2 و CIP و A.P. Møller Capital تتعاون في مشروع ضخم في المملكة المغربية، https://2cm.es/1gJ-a+

[10]  علي أموزاي ووفاء حديوي ، ” المغرب: الهيدروجين الأخضر، أو طليُ النيوكولونيالية بالأخضر؟ ” ، شبكة سيادة، https://2cm.es/1lEnu+

[11]  نفس المرجع.

[12]  توتال إنرجيز أمام المحكمة: محاكمة تاريخية بشأن الغسل البيئي ، https://2cm.es/1gK43+

[13]  انتصار تاريخي! توتال مدانة بتهمة التضليل البيئي، https://2cm.es/1lExH+

[14] هي مشاريع استخراج الوقود الأحفوري الضخمة ( الفحم والغاز والنفط)التي تطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، https://2cm.es/1gJen+

[15]  26 أكتوبر 2023 ، كونبسيون ألفاريز Concepcion Alvarez،  https://2cm.es/1gJfQ+

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة