لحظة الكان وسؤال الشباب: ما الذي تخفيه الفرجة؟

«الأزمة تكمن على وجه التحديد في أن القديم يحتضر،

والجديد لم يولد بعد؛

وفي هذا الفراغ تظهر مجموعة كبيرة من الأعراض المرضية.»

أنطونيو غرامشي

 

تقدّم لحظة تنظيم كأس إفريقيا للأمم (CAN) في المغرب، في الخطاب الرسمي والإعلامي، بوصفها حدثًا رياضيًا جامعًا وفرصة وطنية للاحتفال، ولإبراز صورة بلد “صاعد” قادر على احتضان التظاهرات الكبرى والانخراط في منطق التنافس الإقليمي والدولي. غير أن هذه اللحظة الاحتفالية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والاجتماعي الذي يعيش فيه الشباب المغربي اليوم، وهو سياق يتسم بانسداد الأفق، وبطالة بنيوية، وهشاشة معمّمة، وتضييق متواصل على الحريات، إلى جانب تنامي أشكال القمع المادي والمعنوي.

هذا الوضع ليس نتيجة فشل عرضي أو سوء تدبير ظرفي، بل هو ثمرة اختيارات سياسية واقتصادية واضحة وواعية، تقوم على توجيه الموارد العمومية نحو استثمارات كبرى تخدم مصالح أقلية محدودة، وفتح البلاد في وجه المستثمرين الأجانب ليعيثوا نهبًا في ثروات الأرض والبحر والجو، مقابل تهميش ممنهج لحاجات الأغلبية الشعبية، وفي مقدمتها التشغيل، والتعليم، والخدمات العمومية. في هذا السياق، يصبح الكان جزءًا من منطق أوسع: منطق التنمية الاستعراضية التي تراكم الصورة والفرجة، بينما ترفض معالجة جذور الأزمة الاجتماعية التي تطبع وضع الشباب.

 

الشباب كذوات مركّبة داخل بنية إقصائية

لا يعيش الشباب في المغرب انفصامًا بين حب كرة القدم والانخراط في الاحتجاج، ولا ينقسمون بين “شباب الفرجة” و“شباب النضال”. هذا التقسيم الاختزالي يخفي طبيعة المشكلة، ويُحمّل الشباب مسؤولية وضع لم يختاروه. فالشاب/ة الذي يهتف في المدرج ويتابع المباريات بشغف، هو نفسه الذي يعاني البطالة أو الشغل الهش، ويصطدم بغلاء المعيشة، ويختبر القمع حين يعبّر عن رأيه أو يشارك في احتجاج.

إن تعدد اهتمامات الشباب ليس تناقضًا أخلاقيًا، بل تعبير عن تجربة معيشة داخل بنية اجتماعية–اقتصادية تُغلق الأفق. فالدولة التي تستثمر في الملاعب والبنيات المرافقة للتظاهرات الكبرى، هي نفسها التي تقلّص الاستثمار في التعليم العمومي، وتُعمّم الهشاشة في الشغل، وتحوّل الشباب إلى جيش احتياطي من اليد العاملة، قابل للاستغلال والإقصاء في الآن نفسه.

 

كرة القدم كثقافة شعبية في سياق الإقصاء

تشكّل كرة القدم في المغرب، كما في كثير من المجتمعات، أكثر من مجرد رياضة. إنها ثقافة شعبية كاملة، ولغة مشتركة، وفضاء رمزي لإنتاج الانتماء في مجتمع تتقلص فيه الفضاءات العمومية، ويُضيَّق فيه على التنظيم السياسي والاجتماعي. المدرج ليس مكانًا محايدًا، بل فضاء يتعلّم فيه الشباب العمل الجماعي، والانضباط الذاتي، والهتاف، وتوحيد الجسد والصوت، والتضامن، بل والمقاومة والمواجهة أيضًا.

هذه العناصر لا يمكن فصلها عن التجربة السياسية، حتى وإن لم تتخذ دائمًا شكل خطاب صريح. فالمدرج، في سياق الإقصاء الاجتماعي والسياسي، يصبح أحد المجالات القليلة التي يُسمح فيها بتجربة القوة الجماعية وبناء الإحساس بالوجود.

 

الهيمنة والاحتواء: الدولة واستثمار الثقافة

يساعد مفهوم الهيمنة كما صاغه أنطونيو غرامشي على فهم هذا التداخل بين الثقافة والسياسة. فالسلطة لا تحكم فقط بالقمع المباشر، بل أيضًا عبر تنظيم الثقافة وتوجيه الاهتمامات وإنتاج القبول الاجتماعي. في هذا الإطار، تُوظَّف التظاهرات الرياضية الكبرى كآلية للاحتواء الرمزي: تُضَخ الموارد العمومية في مشاريع ذات طابع استعراضي، تُنتج لحظات فرح جماعي، دون المساس بالبنية الاقتصادية التي تُراكم الثروة لدى أقلية وتُعمّق التفاوتات الطبقية والمجالية.

غير أن هذا الاحتواء يظل محدودًا وهشًا، لأن الثقافة ليست مجالًا خاضعًا بالكامل للضبط. فالمدرجات، بما تحمله من طاقة جماعية وتنظيم ذاتي، تظل قابلة للتحول من فضاء فرجة إلى فضاء تعبير، ومن أداة احتواء إلى مجال مقاومة رمزية.

 

من الاحتفاء إلى القمع: حين تفلت المدرجات

يتجلى هذا التناقض بوضوح في العلاقة المتوترة بين الدولة والمدرجات. فالمدرج مرغوب فيه حين يُنتج صورة احتفالية قابلة للتسويق داخليًا وخارجيًا، لكنه يصبح مصدر قلق حين يتحول إلى فضاء للهتاف النقدي أو التعبير السياسي. عندها، تنتقل الدولة من منطق الاحتفاء بالشباب إلى منطق الضبط والقمع: منع، متابعات، تجريم، وتشديد أمني.

هذا المنطق هو ما يميز علاقة الدولة بحركات الألتراس، ويكشف حقيقة أساسية: المشكل ليس في الشباب ولا في كرة القدم، بل في الخوف من تحوّل الثقافة والرياضة إلى حقل صراع سياسي.

 

جيل زيد: وعي يتشكل ضد الاختيارات السائدة

جاءت نضالات جيل زيد كتعبير عن وعي يتشكّل داخل هذه الشروط نفسها جيل نشأ في زمن العولمة الرقمية، وتشرّب ثقافة الصورة، والموسيقى، لكنه اصطدم بواقع  تحكمه نفس السياسات النيوليبرالية التي تُهمّش الشباب، وتُقصيهم من الثروة والقرار. هذا الجيل لا ينتظر حلولًا تقنية، بل يطرح، بوعي أو بدونه، سؤال الاختيارات الكبرى التي أنتجت هذا الوضع، ويعبّر عن رفضه بوسائل جديدة، خارج القوالب التقليدية.

 

الكان كمرآة للاختيارات الطبقية

في هذا السياق، لا يشكّل الكان حلًا لأزمة الشباب، بل مرآة مكبّرة للاختيارات الطبقية التي تحكم السياسات العمومية. فالملاعب الحديثة لا تعوّض غياب الشغل اللائق، ولا تحل أزمة التعليم، ولا تفتح أفق الحرية. والفرجة، مهما كانت كثافتها، لا تستطيع إخفاء واقع الإقصاء الاجتماعي.

الشباب يدركون ذلك جيدًا؛ وهم لا يرفضون الفرح، بل يرفضون أن يكون الفرح غطاءً لاستمرار نفس السياسات التي تسرق مستقبلهم.

 

الثقافة والمدرجات كحقل صراع يجب خوضه

تكشف هذه اللحظة أن الثقافة، بما فيها الرياضة، ليست هامشًا للصراع الاجتماعي، بل أحد ميادينه الأساسية. والمدرجات، بما تحمله من طاقة شبابية، ليست فضاءات محايدة، بل مجالات يجب خوض الصراع فيها. فترك هذا الحقل للسلطة يعني القبول بتحويل الثقافة إلى أداة احتواء، بينما مجابهة الدولة فيه تعني الدفاع عن حق الشباب في التعبير، والهتاف، وبناء المعنى الجماعي.

إن وضع الشباب في المغرب ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لاختيارات وسياسات وجّهت الموارد العمومية لخدمة مصالح أقلية، وراكمت التهميش والإقصاء لدى الأغلبية. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الصراع الاجتماعي عن الصراع الثقافي. فالمدرجات ليست مجرد أماكن للفرجة، بل فضاءات تعبّر فيها الأجيال الجديدة عن وجودها، وغضبها، وحقها في الحياة.

إن مجابهة الدولة لا تمر فقط عبر الشارع والمؤسسات، بل أيضًا عبر الصراع على الثقافة، وعلى المدرجات، وعلى كل الفضاءات التي يحاول النظام ضبطها وإخضاعها. فهناك، حيث يهتف الشباب، يتجدد السؤال السياسي الحقيقي: أين تُراكم الثروة؟ ولصالح من؟

 

بقلم: أسماء المنضور عضوة جمعية أطاك المغرب.

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة