بعض خصوصيات قضايا السيادة الغذائية والبيئية في السياق الحالي لمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط/المنطقة العربية

 

ننشر كلمة عمر أزيكي الكاتب العام لجمعية أطاك المغرب، التي ألقاها خلال الجلسة العامة الثامنة ضمن أشغال المؤتمر المناهض للفاشية ومن أجل سيادة الشعوب المنعقد ببورتو أليغري في البرازيل من 26 الى 29 مارس 2026.  عنوان هذه الجلسة: “النضال ضد إنكار تغير المناخ ومن أجل الإصلاح الزراعي في سياق الأزمة البيئية”. يسلّط عمر أزيكي الضوء على بعض خصوصيات قضايا السيادة الغذائية والبيئية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط/المنطقة العربية، في سياق يتسم بالحروب والاعتداءات الإمبريالية، وكذلك بالإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني التي تتسبب فيها الحكومة النيوفاشية الصهيونية بدعم نشط من واشنطن وتواطؤ أوروبا وعدة حكومات عربية. كما يشير إلى التحديات التي تواجهها الشعوب، خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى الأرض والماء والموارد الطبيعية، إضافة إلى محدودية السياسات الزراعية السائدة.

ويدعو إلى بناء حركة واسعة ضد الفاشية والإمبريالية، وإلى تضامن جديد بين الشعوب، من أجل تغيير شامل وجذري، نسوي واشتراكي-بيئي.

———-

أود أولاً أن أشكر منظمي/ات هذا المؤتمر، خاصة رفاقنا ورفيقاتنا في البرازيل، الذين أتاحوا لنا فرصة التواجد هنا بينكم لمناقشة وتبادل تجاربنا حول النضال ضد الفاشية والإمبريالية.

أنا نقابي في القطاع الزراعي، وأساهم بشكل خاص في تنظيم العاملات والعمال الزراعيين في قطاع الزراعة الموجهة للتصدير.

كنت أنشط في نقابة منضوية ضمن حركة نهج المزارعين الدولية (لافيا كامبسينا) والتي نسّقنا معها عديد من الأنشطة. وابتداءً من يوليوز 2017، أطلقنا شبكة شمال إفريقيا للسيادة الغذائية، التي تُعرف الآن باسم شبكة “سيادة” من أجل سيادة الشعوب على الغذاء والموارد، وهي اليوم حاضرة عبر عدة منظمات في عدد من بلدان المنطقة الناطقة بالعربية.

كما أنني أشارك في هذا المؤتمر ككاتب عام جمعية أطاك المغرب، وهي عضو في الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية CADTM، ونتقاسم جزءًا من مهام السكرتارية الدولية لهذه الشبكة مع لجنة CADTM ببلجيكا.

أنا قادم من المغرب، وهو بلد من القارة الإفريقية المعروفة بكونها من أكثر المناطق تضررا من التغير المناخي، رغم أن انبعاثاتها من غازات الدفيئة ضعيفة جدا. كما تشهد هذه القارة حركة واسعة للاستيلاء على الأراضي من قبل الشركات متعددة الجنسيات والقوى الكبرى في الشمال.

وأنا أيضا عضو في تنسيقية شبكة CADTM في إفريقيا، التي تضم حوالي عشرين منظمة في نحو خمسة عشر بلدًا، وهي ممثلة معنا في هذا المؤتمر بوفد مهم.

يقع المغرب في شمال إفريقيا المرتبط بشكل وثيق، لأسباب تاريخية ولغوية، بالمنطقة المسماة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أو بشكل أوسع المنطقة العربية. هذه المنطقة من القارة تتأثر مباشرة بما يحدث في الشرق الأوسط، الذي يشكل نواة الرأسمالية الأحفورية العالمية ويضم احتياطيات كبيرة من الطاقة الأحفورية، خاصة النفط. ولهذا السبب، تعد هذه المنطقة أيضا في قلب الحروب الإمبريالية.

إن الإبادة الصهيونية في غزة، بتداعياتها الجيوسياسية وامتداداتها العالمية، تحدد الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي في هذه المنطقة.

كما أن الاعتداءات الإمبريالية الجارية ضد إيران وتدمير البنى التحتية النفطية تؤدي إلى انبعاث سحب سامة للغاية، مما يعرّض السكان للخطر ويلوثهم.

وتؤدي هذه الحروب إلى تدمير الأراضي الزراعية، وهي مصادر أساسية للتغذية، وكذلك الموارد المائية. كما يُستخدم تدمير المياه الصالحة للشرب كأداة حرب وحشية في منطقة تُعد من بين المناطق الأكثر جفافا في العالم. ومن ثم، يصبح من الصعب جدا الحديث عن المسألة الزراعية والسيادة الغذائية في هذه البلدان التي تعيش حالة حرب (فلسطين، لبنان، العراق، اليمن، سوريا، السودان، ليبيا)، حيث يفر السكان في موجات هجرة جماعية ويعانون من مجاعات خطيرة للغاية غالبا ما يتم التقليل من شأنها.

أما البلدان التي يُفترض أنها تتمتع بنوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي، مثل المغرب ومصر وتونس، فهي تعاني من تبعية غذائية حادة، مرتبطة بسياسات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي التي تُفقِر صغار المزارعين.

لقد خاضت شعوب المنطقة نضالات ضد هذه السياسات الليبرالية التبعية، وانخرطت في انتفاضات منذ سنة 2011 فيما يُعرف بـ “الربيع العربي”، مطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة. وكان الخبز أيضا مطلبا مركزيا في هذه التحركات.

لسوء الحظ نمر اليوم من طور من الثورة المضادة، التي تعمقت خاصة منذ أزمة كوفيد-19 سنة 2020، والتي يتمثل الفاعلون الرئيسيون فيها في:

  • الحركة الصهيونية الإسرائيلية، العدو الرئيسي للشعوب ورأس حربة الاستراتيجية الإمبريالية للولايات المتحدة، التي تسعى إلى القضاء على نضال الشعب الفلسطيني، رمز حركات التحرر في المنطقة.
  • الامبرياليات المختلفة (الولايات المتحدة، أوروبا الشمالية، روسيا، الصين) ومنطق تدخلاتها المتنوعة.
  • ممالك الخليجية، حصون الثورة المضادة.
  • الأنظمة الاستبدادية التي تقمع الحريات وتجهز على المكتسبات الديمقراطية.
  • المؤسسات المالية الدولية، من خلال سياساتها النيوليبرالية ودعمها للأنظمة الاستبدادية وانحيازها للأهداف الإمبريالية.
  • الحركات الرجعية، بما في ذلك الحركات الأصولية الإسلامية. ونود هنا تقديم توضيح: نحن لا نعارض الإسلام كدين، بل نعارض توظيفه كمشروع سياسي للمجتمع. نحن ندافع عن حرية التدين وحرية التفكير للجميع. ونرفض الإسلاموية كمشروع سياسي للمجتمع، خاصة في شكلها المؤسسي كما هو الحال في إيران. ندعم نضالات الشعوب ضد كل أشكال الاضطهاد. كما نرفض بشدة الإسلاموفوبيا، خاصة حينما تُستخدم في خطاب اليمين المتطرف لتأجيج الخلط بين الإسلام والإسلاموية، وبين الاسلام ومعاداة السامية، أو بين الإسلام والإرهاب. نعبر عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني في مواجهة الاعتداءات الخارجية، وفي نضالاته من أجل العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية. لكننا في الوقت نفسه نقف ضد النظام الثيوقراطي للملالي.

تضاف التداعيات المؤلمة لهذه الثورة المضادة إلى تلك الناجمة عن الأزمة العالمية للرأسمالية وحروبها. وتعاني الطبقة العاملة وصغار المزارعين والطبقات الشعبية من ارتفاع عام في أسعار المواد الغذائية والخدمات، في حين تنخفض المداخيل بشكل حاد وترتفع البطالة، خاصة بين الشباب والنساء.

تواصل الشعوب نضالاتها على الرغم من غياب آفاق سياسية واضحة. كما توجد أيضا تعبئات في الأرياف في بعض البلدان (مصر، تونس، المغرب…)، لكن بخلاف قارات أخرى، تتميز المنطقة العربية بضعف وتشتت حركات المزارعين، التي تجد صعوبة في التنظيم على الصعيدين الوطني والإقليمي.

ويهيمن داخل الصف اليساري التيارات الاجتماعية-الليبرالية، بينما تواجه تيارات اليسار الجذري صعوبات كبيرة.

في هذا السياق العام، يكمن التحدي الكبير اليوم في بناء وإعادة بناء حركة قوية لاستعادة أراضينا، سواء تلك التي دمرتها الحروب أو التي استولت عليها الشركات متعددة الجنسيات ورأس المال الكبير، وكذلك مواردنا المائية.

إن أزمتنا الغذائية والبيئية مرتبطة بأزمة الرأسمالية على المستوى العالمي، وهو ما يطرح تحديات كبرى أمام جميع حركات النضال.

نأمل اليوم أن يشكل مؤتمر بورتو أليغري ضد الفاشية ومن أجل سيادة الشعوب نقطة انطلاق لحركة واسعة ضد الفاشية والإمبريالية، ومن أجل تضامن جديد بين الشعوب، قائم على إعادة صياغة مطالبها في مجال السيادة.

كما نأمل أن يشكل منعطفا لإعادة بناء أممية الشعوب، وتوسيع نضالاتها ضد الأزمات متعددة الأبعاد للرأسمالية، من أجل تحقيق تحول شامل وجذري، نسوي واشتراكي-بيئي.

 

بقلم: عمر أزيكي

28 مارس 2026

 

 

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة