لماذا نحتاج إلى أطاك المغرب اليوم؟

في زمن تتعمق فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويزداد فيه الغلاء، وتتراجع الخدمات العمومية، وتتسع الفوارق الاجتماعية، يجد الشباب أنفسهم أمام أسئلة كبرى: لماذا يحدث كل هذا؟ وهل توجد بدائل؟ وكيف يمكن مواجهة سياسات تُفاقم التهميش والاستغلال؟

منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، اختارت أطاك المغرب أن تكون جزءًا من هذا الجواب. فمنذ تأسيسها سنة 2000، جعلت من مقاومة السياسات النيوليبرالية، والدفاع عن السيادة الشعبية، والعدالة الاجتماعية والبيئية، محورًا لمشروعها النضالي، انطلاقًا من قناعة بأن عالمًا آخر ممكن، وأن بناءه يمر عبر التنظيم الجماعي والوعي النقدي.

اختارت جمعية أطاك المغرب، منذ تأسيسها، أن تكون فضاءً للتثقيف الشعبي وبناء الوعي النقدي والعمل الجماعي. فمن خلال التكوين والنقاش وإنتاج المعرفة وتبسيطها ودعم نضالات الحركات الاجتماعية، تسعى إلى ربط مختلف معارك العدالة الاجتماعية والبيئية والنسوية والسيادة الشعبية، انطلاقًا من إيمانها بأن مواجهة السياسات النيوليبرالية لا تكون إلا بتنظيم جماعي واعٍ، وبناء بدائل تخدم مصالح الشعوب.

وعلى امتداد مسيرتها، انخرطت جمعية أطاك المغرب في معارك متعددة، من أجل إلغاء الديون غير المشروعة، والدفاع عن الخدمات العمومية، والسيادة الغذائية، والعدالة المناخية، وحقوق النساء، وحقوق العمال والعاملات، وحرية الشعوب في تقرير مصيرها. كما جعلت من التضامن مع نضالات الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، جزءًا أساسيًا من التزامها الأممي.

ولعل ما يجعل هذه القضايا أكثر إلحاحًا اليوم هو أنها تمس الحياة اليومية للمغاربة. فارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات العمومية، وتفكيك الحماية الاجتماعية، وتنامي البطالة والهشاشة، واستمرار السياسات التي تعمق التفاوتات الاجتماعية، كلها مؤشرات على أن الأزمة ليست ظرفية، بل نتيجة لاختيارات اقتصادية وسياسية تخدم مصالح الأقلية على حساب الأغلبية.

ويعيش الشباب هذه الأوضاع بشكل مباشر. فالكثير منهم يواجه البطالة أو العمل الهش، وصعوبة الولوج إلى السكن، وتراجع جودة التعليم وانسداد الأفق. وفي ظل هذا الواقع، قد يبدو الإحباط خيارًا سهلًا، لكن أطاك تؤمن بأن التغيير يبدأ حين يتحول الرفض إلى تنظيم، والغضب إلى فعل جماعي.

لذلك لا تقتصر أنشطة الجمعية على إصدار المواقف أو تنظيم الندوات، بل تعمل على فتح فضاءات للنقاش والتكوين والتثقيف الشعبي، وإنتاج المعرفة النقدية، وربط مختلف النضالات الاجتماعية. فهي ترى أن الدفاع عن المدرسة العمومية مرتبط بالدفاع عن الصحة العمومية، وأن النضال النسوي لا ينفصل عن مقاومة الاستغلال الاقتصادي، وأن العدالة البيئية لا يمكن تحقيقها دون عدالة اجتماعية، وأن السيادة الشعبية تمر عبر تمكين الشعوب من التحكم في خياراتها الاقتصادية والسياسية.

كما تؤمن أطاك المغرب بأن الشباب ليسوا مجرد جمهور يجب مخاطبته، بل قوة أساسية في بناء البدائل. ولذلك تحرص على إشراكهم في التكوين، وإنتاج المحتوى الإعلامي، وتنظيم الحملات، والمساهمة في النقاشات الفكرية والسياسية، انطلاقًا من قناعة بأن تجديد الحركات الاجتماعية لا يتحقق إلا بانخراط أجيال جديدة من الشباب والنساء في النضال الجماعي.

ويأتي المؤتمر الوطني الثامن لأطاك المغرب في سياق تتصاعد فيه التحديات التي تواجه الحركات الاجتماعية، وتتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المقاومات، وتطوير أدوات العمل، وتجديد الرؤية السياسية والتنظيمية للجمعية. فالمؤتمر ليس محطة تنظيمية فحسب، بل لحظة جماعية لتقييم التجربة، واستخلاص الدروس، ورسم آفاق العمل خلال المرحلة المقبلة.

وانطلاقًا من شعاره معًا لتعزيز المقاومات دفاعًا عن السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية والبيئية، يجسد المؤتمر قناعة أساسية لدى  جمعية أطاك المغرب: أن مواجهة السياسات النيوليبرالية لا يمكن أن تكون معركة معزولة، بل تتطلب توحيد النضالات، وتقوية الحركات الاجتماعية، والانفتاح على الأجيال الجديدة، وبناء بدائل ديمقراطية تنطلق من حاجات الشعوب وتدافع عن مصالحها.

بعد خمسة وعشرين عامًا من النضال، ما تزال الأسئلة التي طرحتها جمعية أطاك المغرب في بداياتها مطروحة بإلحاح، وربما أكثر من أي وقت مضى. ولهذا، يبقى الرهان اليوم هو نفسه: تعزيز المقاومات، وتوسيع فضاءات التثقيف الشعبي، وبناء ميزان قوى اجتماعي قادر على فرض بدائل تحقق السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية والبيئية.

 

 بقلم: أسماء المنضور

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة