باسم السكرتارية الوطنية لجمعية أطاك المغرب، يسعدني أن أرحب بكم وبكن جميعا في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الثامن للجمعية.
أتقدم بجزيل الشكر لكل من لبّى دعوتنا وشاركنا هذه اللحظة النضالية.
ينعقد هذا المؤتمر في سياق يتسم بتعاظم تشابك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية، لكنه يشهد، في المقابل، تصاعدًا متواصلًا لمقاومات الشعوب في مختلف أنحاء العالم. ومن هنا تبرز مسؤولية القوى المناضلة التقدمية والديمقراطية في الانخراط إلى جانب هذه المقاومات، والإسهام في تعزيز تلاقيها، وتوسيع آفاقها، وبناء التقاطعات بين مختلف النضالات العمالية والشعبية والنسوية والبيئية والديمقراطية، في أفق مشروع تحرري جامع.
فعلى الصعيد الدولي، لم يعد النظام الرأسمالي يعيش أزمة عابرة، بل أزمة بنيوية متعددة الأبعاد: اقتصادية واجتماعية وبيئية ومناخية وسياسية ومالية، تتجلى في تعمق المديونية، وتصاعد الحروب والنزعات العسكرية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتفاقم الهجرات القسرية، وتسارع الكوارث المناخية.
ولأن الرأسمالية في مرحلتها النيوليبرالية لم تعد قادرة على تجاوز تناقضاتها البنيوية، فإنها تلجأ إلى تعميق سياسات التقشف، وتوسيع مجالات التراكم عبر خصخصة الخدمات العمومية ونهب الموارد الطبيعية، وإخضاع الشعوب لآليات المديونية، وتصعيد الحروب والعسكرة، وتغذية صعود اليمين المتطرف والفاشية، وتعزيز النزعات السلطوية والعنصرية، بما في ذلك تجريم الهجرة وتشديد السياسات المعادية للمهاجرين والمهاجرات، وتجريم أشكال التضامن مع الشعوب المناضلة، وقمع الحريات العامة والمقاومات الاجتماعية، في محاولة لإعادة إنتاج هيمنتها ونقل كلفة أزمتها إلى الشعوب.
وتتمثل أخطر تجليات هذه المرحلة في حرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، بدعم سياسي وعسكري ومالي مباشر من الامبريالية الأمريكية وحلفائها من الامبرياليات الغربية الأخرى، بالتوازي مع استمرار العدوان والتدمير بحق الشعب اللبناني، وتصاعد محاولات خنق الشعب الإيراني واستهداف سيادته، في إطار مشروع المحور الامبريالي-الصهيوني الرامي إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتعميم الحروب، وزعزعة استقرار المنطقة، واستعباد شعوبها ونهب ثرواتها وتدمير بيئتها.
ومن هذه المنصة، نجدد موقف جمعية أطاك المغرب الثابت: تضامننا الكامل مع الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة من أجل التحرير والعودة وتقرير المصير، ورفضنا المبدئي لكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، باعتباره جزءًا من منظومة الهيمنة الإمبريالية التي نناضل ضدها.
غير أن هذا الواقع، على قسوته، لم ينجح في كسر إرادة الشعوب، إذ يشهد العالم أيضا اتساعا متواصلًا للمقاومات الشعبية، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا وأوروبا، دفاعًا عن الحقوق، وعن الأرض، وعن الثروات، وعن البيئة، وعن الديمقراطية، وعن السيادة الشعبية.
أما في المغرب، فتواصل الدولة تكريس الاختيارات النيوليبرالية نفسها التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية منذ عقود، من خلال تعميق المديونية، وتوسيع مقتضيات اتفاقات التبادل الحر غير المتكافئة، وتعزيز تبعية الاقتصاد الوطني للأسواق ورؤوس الأموال الأجنبية، مقابل مزيد من الإعفاءات والامتيازات الممنوحة للرأسمال الكبير. كما تُوجَّه موارد مالية ضخمة، جزء مهم منها ممول بالاقتراض، نحو مشاريع وبنيات تحتية مرتبطة باحتضان كأس العالم لكرة القدم، في وقت تتراجع فيه الاستثمارات العمومية الموجهة إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وتتفاقم الحاجيات الأساسية للفئات الشعبية.
وقد أفضت هذه الاختيارات إلى ارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة، واتساع البطالة والهشاشة، وتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية، واستمرار استنزاف الموارد الطبيعية، وتفاقم التبعية الغذائية والتكنولوجية والمالية، وتزايد هشاشة الاقتصاد الوطني أمام التقلبات الخارجية، فضلًا عن اشتداد آثار الأزمة المناخية، من جفاف وفيضانات وظواهر مناخية متطرفة، على الفئات الشعبية، ولا سيما في المناطق القروية، التي تتحمل العبء الأكبر لندرة المياه، وتدهور المنظومات البيئية، في ظل غياب سياسات عمومية عادلة قادرة على حماية السكان وتعزيز قدرتهم على التكيف.
وفي الوقت نفسه، يتصاعد التضييق على الحريات العامة، وتتواصل محاكمة ومتابعة النشطاء والمناضلات والمناضلين، والصحافيين/ات، والمدونين/ات، ومناهضي/ات التطبيع، في ظل نظام استبدادي يزداد تغولًا وتعجرفًا، ويكرس الإفلات من المحاسبة، ويتيح استفحال الفساد والريع ونهب الثروات العمومية، ويفرض تمرير مخططات تستهدف ما تبقى من الحقوق والمكتسبات الاجتماعية والاقتصادية للشعب المغربي، بما يؤكد الترابط العضوي بين الاستبداد السياسي والاختيارات النيوليبرالية والتبعية.
وفي السياق نفسه، تتواصل سياسة التضييق على الحق في التنظيم، عبر امتناع الدولة عن تسليم وصولات الإيداع القانوني لعدد متزايد من الجمعيات، ومن بينها جمعية أطاك المغرب، بما يجعل هذا الإجراء أداة من أدوات الخنق الاستبدادي للفضاء المدني المستقل، والحد من أدواره في التأطير والدفاع عن الحقوق والحريات، وإضعاف دينامية الحركات الاجتماعية والشعبية.
إن هذه الأوضاع تجعل من بناء مقاومات اجتماعية وشعبية واسعة مهمة مركزية، وتجعل من تعزيز التضامن بين مختلف مكونات الحركة الاجتماعية والديمقراطية ضرورة موضوعية، وليس مجرد اختيار سياسي.
ومن هذا المنطلق، اخترنا لمؤتمرنا هذا شعار:
“معًا لتعزيز المقاومات دفاعًا عن السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية والبيئية.”
ولم يكن هذا الشعار مجرد عنوان للمؤتمر، بل هو تعبير عن إيمان سياسي ونضالي بكون حجم التحديات التي تواجهها شعوبنا اليوم يفرض توحيد الجهود، وتعزيز مختلف أشكال المقاومة العمالية والشعبية، في سبيل بناء ميزان قوى من الأسفل قادر على مواجهة سياسات الاستغلال الرأسمالي والاستبداد والصهيونية والامبريالية.
لقد حرصت الجمعية، خلال الولاية المنصرمة، رغم الإكراهات التنظيمية والمالية، ورغم استمرار حرمانها من حقها القانوني في تجديد وصل الإيداع، على مواصلة اسهامها في التثقيف الشعبي، ومناهضة المديونية، والدفاع عن العدالة الاجتماعية والبيئية، والانخراط في النضالات الميدانية، وتعزيز حضورها داخل الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية، بما يخدم بناء التضامن بين الشعوب اقليما وأمميا.
إننا ندرك أن نضالات الشعوب تجري اليوم في ظل ميزان قوى دولي مختل، ما تزال تهيمن عليه قوى الإمبريالية والصهيونية والثورة المضادة والرجعية. وهو ما يزيد من حجم التحديات التي تواجه الحركات الاجتماعية والتنظيمات التقدمية والديمقراطية، وقد يغذي مشاعر الإحباط واليأس، ويضعف الثقة في إمكانية التغيير. غير أن تجربة السيرورة الثورية لشعوب المنطقة الناطقة بالعربية، بما راكمته من انتفاضات وموجات نضالية، وما تعرضت له من ثورات مضادة وحروب وتدخلات إمبريالية، تؤكد أن اختلال موازين القوى ليس قدرا أبديا، وأن الشعوب، مهما بلغت الانتكاسات، قادرة على استعادة زمام المبادرة متى راكمت تنظيمها ووحدت نضالاتها وعززت تضامنها. ومن هنا تزداد الحاجة إلى توسيع دوائر التعاون والتنسيق، وتعزيز التضامن الأممي، وبناء الجبهات الاجتماعية، وتعميق الارتباط بالحركات الشعبية، وتطوير أشكال العمل المشترك دفاعًا عن الحقوق والحريات، وعن السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية والبيئية.
الرفيقات والرفاق،
إن حضوركم اليوم إلى جانبنا يعكس وحدة الانشغال ووحدة الأفق التحرري. واغتنم هذه المناسبة لأعبر، باسم جمعية أطاك المغرب، عن بالغ امتناننا لكل الهيئات والتنظيمات الشريكة في النضال التي فتحت لنا مقراتها وفضاءاتها لاحتضان اجتماعاتنا وأنشطتنا، في وقت حُرمت فيه جمعيتنا من أبسط شروط الاشتغال الطبيعي بفعل استمرار سياسة التضييق والخنق الإداري. ولولا هذا التضامن العملي والمبدئي، لما كان بالإمكان إنجاز جانب مهم من أنشطة الجمعية خلال السنوات الماضية.
ولأن قائمة هذه الهيئات طويلة، فإننا نكتفي بتوجيه الشكر الجماعي إليها جميعًا، معتبرين ما قدمته ليس مجرد دعم لوجستي، بل فعلًا نضاليًا نبيلًا، وتجسيدًا حيًا لقيم التضامن والتكامل بين مكونات الحركة الاجتماعية والديمقراطية، بما يخدم القضايا المشتركة لشعبنا ويعزز قدرة قواه المناضلة على مواصلة النضال.
عاشت نضالات الشعوب وتضامنها الأممي.
الرباط يوم الجمعة 10 يوليوز 2026