لن يحمي الحياة والأرض إلا النضال ضد الرأسمالية

منذ أن بدأت الرأسمالية تتطور باستغلالها قوةَ العمل والمعادنَ، واستنزافها كل الطاقات الموجودة في الأرض، جعلت الإنسانية تعيش أزمات متواصلة في كل المجالات: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد وصل هذا المسار إلى الإمبريالية واستعمار البلدان وإبادة شعوبها ونهب ثرواتها.

لذلك لا يمكن فصل ما يشهده كوكبنا اليوم، في القرن الحادي والعشرين، من أزمات بيئية ناتجة عن نظام الملكية الخاصة والإنتاج من أجل الإثراء وتعظيم الأرباح. فالتنافس على مصادر الطاقة في كل بقاع الأرض ونقلها واستخدامها يتفاقم باستمرار على حساب سيادة الشعوب واستقلالها.

أفضى هذا المسار إلى الحرب العالمية الإمبريالية الأولى (1914-1918)، التي خلّفت دماراً واسعاً وأودت بحياة الملايين، فتأسست إثرها عصبة الأمم لضبط التنافس بين القوى الصناعية الكبرى. وفي خضم تلك الحرب، اندلعت ثورة عمالية في روسيا القيصرية عام 1917، فأسّست نظاماً اجتماعياً مناقضاً للرأسمالية. غير أن ذلك لم يمنع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، التي خلّفت بدورها دماراً هائلاً وملايين الضحايا، فتأسست بعدها هيئة الأمم المتحدة.

إن التنافس بين الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى لن يخفف من استغلالها للموارد الطاقية نظراً للمستوى الذي بلغته في الإنتاج من أجل البيع والربح؛ فلن تتنازل عن السيطرة على مناطق المواد الخام، ولن تكفّ عن إغراق الأسواق بمنتجاتها في كل القطاعات، وستعمل على تحويل السكان من مواطنين وصاحبي حقوق إلى مستهلكين تابعين.

وقد جرت هذه المنافسة والحروب المتواصلة على حساب الحياة والأرض، وأفضت إلى أزمات إيكولوجية على جميع المستويات، حتى باتت الكوارث المتعاقبة تضرب كوكبنا في كل الفصول: موجات حر مفرطة وحرائق تمتد على مساحات شاسعة.

 

أولاً: برنامج الأمم المتحدة للبيئة

تُعدّ جمعية الأمم المتحدة للبيئة أعلى هيئة لإصدار القرارات المتعلقة بالقضايا البيئية في العالم، وتضم جميع الدول الأعضاء في المنظمة الأممية. من مهامها: وضع جدول الأعمال البيئي العالمي، وتحديد الاستجابات والسياسات اللازمة للتعامل مع التحديات البيئية الناشئة، ومراجعة السياسات وإجراء الحوارات وتبادل الخبرات، ووضع التوجيهات الاستراتيجية بشأن مستقبل برامجها، فضلاً عن تعزيز الشراكات الرامية إلى تحقيق الأهداف البيئية وتعبئة الموارد.

في هذا السياق، نشر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريره لعام 2025 تحت شعار “بعيداً عن الهدف”، الذي كشف أن العالم يسير نحو تفاقم خطير في التغير المناخي وأضراره. تتراوح توقعات الاحترار العالمي لهذا القرن بين 2.3 و2.5 درجة مئوية، فيما تبلغ التوقعات المبنية على السياسات الراهنة 2.8 درجة مئوية مقارنةً بـ2.6 في تقديرات عام 2024. إن التحسن الطفيف البالغ 0.1 درجة مئوية يُعزى إلى تحديثات منهجية، غير أن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس سيُلغي هذا الكسب. فالدول لم تسعَ بجدية لتحقيق هدف إبقاء الاحترار دون 1.5 درجة مئوية؛ إذ يستلزم ذلك خفض الانبعاثات السنوية بنسبة 35% ثم 55% مقارنةً بمستويات عام 2019 بحلول 2035، وهو ما نصّ عليه اتفاق باريس للمناخ المُبرم عام 2015 (كوب 21). (1)

يعتبر النظام الرأسمالي ومؤسساته المالية والقانونية أن تطوير طاقتَي الرياح والشمس ودعم البلدان النامية وإعادة هيكلة النظام المالي الدولي كفيلة بحل الأزمات البيئية. بيد أن هذه الحلول تظل محكومةً بالملكية الخاصة ذاتها التي أفرزت الأزمة، وهذا مستحيل لأن النظام الرأسمالي هو في جوهره مصدر الأزمات والمشكلات، وقد أكدت ذلك الأزمات المتعددة التي تهدد كوكبنا اليوم.

 

ثانياً: سياسة السدود بالمغرب في السياق الرأسمالي والإمبريالي

 

سياق إنشاء السدود في بلدان الجنوب

شُيِّدت سدود بلدان الجنوب في سنوات الستينيات والسبعينيات إثر إطلاق الإمبريالية العالمية شعار “الثورة الخضراء”، وروّجت لها المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث الزراعية بغاية أيديولوجية تتعلق بتحديث الزراعة في البلدان غير الصناعية التي لم تنل استقلالها الفعلي ولم تفرض سيادتها على ثرواتها الطبيعية، لا سيما الأرض والماء. وهكذا شرعت المؤسسات المالية الدولية -صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما- في إغراق البلدان حديثة الاستقلال في دوامة الديون غير الشرعية، مستفيدةً من الأنظمة السياسية الاستبدادية المتحكمة في الأوضاع. (2)(3)

 

سد وادي المخازن

يقع نهر اللوكوس في شمال المغرب، ويُعدّ من الأنهار الرئيسية بطول يبلغ نحو 100 كيلومتر، وهو ثالث أغزر مجرى مائي في البلاد بتدفق نحو 50 متراً مكعباً في الثانية؛ ينبع من جبال الريف ويعبر القصر الكبير ويصبّ في المحيط الأطلسي عند العرائش.

شُيِّد سد وادي المخازن على نهر اللوكوس قرب القصر الكبير في إقليم العرائش بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وبدأ تشغيله عام 1979. يبلغ ارتفاعه 67 متراً وطوله نحو 500 متر، وتبلغ طاقته التخزينية التصميمية نحو 672 مليون متر مكعب. تُبرر الدولة إنشاءه بجملة من الخدمات الأساسية: ري سهل اللوكوس، وتزويد المدن والقرى المجاورة بمياه الشرب، وحماية المنطقة من الفيضانات، وإنتاج الطاقة الكهرومائية، ودعم القطاع الزراعي وضمان الأمن المائي. (4)(5)

في هذا السياق، استرجعت الدولة المغربية مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة خلال عامَي 1964 و1966 كانت تحت سيطرة المستعمر، قُدِّرت بنحو 600 إلى 728 ألف هكتار. وقد سلّمت نحو 328 ألف هكتار لشركتَي التنمية الفلاحية (سوجيطا) وتدبير الأراضي الفلاحية (صوديا) ومنحت القدر الأكبر للأقلية الرأسمالية المتحكمة في السلطة، مع دعمها من صندوق التنمية الفلاحية تحت شعار “الإصلاح الزراعي” منذ 1972. والمستفيد الأول كان القصر ومحيطه. (6)

 

ملاحظة حول حوض اللوكوس

خصّصت اللجنة التقنية الجهوية للسكر مساحات شاسعة في حوض اللوكوس لزراعة السكر: 6000 هكتار للشمندر السكري و1000 هكتار لقصب السكر، لفائدة شركة “كوسمار” التي تعتمد تقنيات زراعية رأسمالية عالية. في المقابل، يظل الفلاحون والفلاحات الصغار الفقراء محرومين من الأراضي الخصبة والمياه الكافية والقروض المناسبة. وحسب إحصاء شتنبر 2024، بلغ عدد سكان إقليم العرائش 510.017 نسمة، منهم 133.731 بالعرائش و124.701 بالقصر الكبير، من مجموع سكان جهة طنجة-تطوان-الحسيمة البالغ 4 ملايين و30 ألف نسمة. (7)

 

سد الوحدة

أُنشئ سد الوحدة عام 1997 قرب قرية المجاعرة، على بُعد نحو 60 كيلومتراً من فاس و40 من وزان و55 من سيدي قاسم. تقع نحو 90% من حقينته في إقليم تاونات و10% في إقليم وزان، بطاقة تخزينية تبلغ نحو 3800 مليون متر مكعب وجريان منظَّم يصل إلى 1700 مليون متر مكعب سنوياً. تُبرر الدولة إنشاءه بأهداف عدة: التزود المائي، وحماية الغرب من الفيضانات، وسقي نحو 100 ألف هكتار في منطقتَي ورغة وسهل الغرب، وإنتاج الطاقة الكهرومائية، وتزويد الدار البيضاء الكبرى بالكهرباء.

بيد أن السؤال الجوهري يبقى: هل حققت الدولة هذه الأهداف؟ هل استفاد السكان من تنمية حقيقية وحياة كريمة؟ الجواب الواضح أن المستفيد الرئيسي من الطاقة الكهرومائية في الدار البيضاء هو الأقلية الرأسمالية المتحكمة في الاقتصاد، التي تُشرّع في الآن ذاته قوانين لاستغلال الطبقة العاملة استغلالاً مفرطاً.

 

نموذج المنطقة التي شُيِّد عليها سد الوحدة

غمرت حقينة السد نحو 11000 هكتار من أراضي الفلاحين الفقراء، كانت مصدراً رئيسياً لمعيشة نحو 70 قرية في جماعات: كيسان والورتزاغ وتافرانت وتابودة وكلاز ومولاي بوشتى وبوشابل. أُرغمت نحو 15000 أسرة على النزوح بعد أن كانت تعيش على أراضٍ خصبة. وبعد استحواذ الرأسماليين الكبار على أجود الأراضي المسقية، لم يجد الفلاحون والفلاحات الصغار أمامهم إلا العمل أجراءً في الضيعات العصرية بأجور زهيدة وظروف قاسية منذ عام 1997. في الضيعات العصرية [شركة التنمية الفلاحية: 4320 هكتار] و[شركة الشمال الغربي: 400 هكتار]، تحوّل فلاحون صغار إلى عمال زراعيين مُسحوقين.

التعويضات: حصل معظم أرباب الأسر على تعويضات هزيلة احتُسبت بناءً على عدد أشجار الزيتون ومساحة الأرض المستغلة، تراوحت بين 65 و140 مليون سنتيم للمستفيد. أما الأسر غير المالكة للأرض التي كانت تستغلها بالمشاركة والشباب المقيمون مع ذويهم فلم يحظوا بأي تعويض، مما دفعهم إلى الهجرة الاضطرارية والسكن في ضواحي المدن القريبة. كما قضت هذه العملية على الأسواق الأسبوعية القروية النشيطة التي كانت قائمة حتى عام 1996.

 

مشاكل نهر سبو: التلوث والفيضانات

يُعدّ نهر سبو الذي ينبع من جبال الأطلس المتوسط ويحيط بمدينتَي فاس والقنيطرة من أهم مصادر المياه السطحية في المغرب، ويزود عدداً كبيراً من المدن بمياه الشرب. بيد أنه يعاني من تلوث حاد: يُصرف فيه نحو 80 مليون متر مكعب من المياه العادمة، و70% من التلوث مصدره أنشطة إنتاج زيت الزيتون. يتلقى النهر يومياً أزيد من 800 ألف طن من النفايات تشمل المواد العضوية والكيماوية والمنزلية والطبية والصناعية، مما أفضى إلى انعدام الأكسجين في أعماقه والقضاء على كائنات حية عديدة.

تضم منطقة نهر سبو أزيد من 100 نقطة مهددة بالفيضانات. وفي عام 2010، غمرت مياه الفيضانات نحو 135000 هكتار في سهل الغرب. ويُعدّ سد الوحدة من أكبر السدود في أفريقيا بخزينة مائية تبلغ نحو 3.8 مليار متر مكعب سنوياً. (8)(9)

 

ثالثاً: البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا أمام تداعيات الاحتباس الحراري

رصد علماء المناخ تسارعاً ملحوظاً في ارتفاع درجة حرارة الأرض: بنسبة 0.2 درجة مئوية ما بين 1970 و2015، وبنسبة 0.35 ما بين 2015 و2025، بزيادة تفوق 70%. ويُنبّه العالم الألماني ستيفان رامستورف إلى أن المسؤولين عن السياسات العالمية أخفقوا في التفاعل مع الدراسات العلمية. وقد تجاوز ارتفاع مستوى سطح البحر 91.2 سنتيمتراً في بعض المناطق، مما يهدد بغمر نحو 37% من الأراضي وتعريض نحو 132 مليون شخص لمخاطر جسيمة. (10)

يتمتع شمال أفريقيا بأهمية حضارية وتاريخية بالغة؛ ومنذ بروز الرأسمالية الصناعية واستخدام الفحم الحجري وصهر المعادن، بدأت المنطقة تتأثر بالتحولات المناخية نظراً لموقعها الجغرافي. فقد شهدت كوارث متكررة جراء الغازات المنبعثة من الصناعات الكبرى التي عمّقتها المنافسة الإمبريالية من أجل تحقيق أرباح باهظة بأقل تكلفة، مما أفضى إلى تدمير الأغلفة الصخرية والمائية والجوية للكوكب.

وإذا استحضرنا ما شهده العقد الثاني من هذا القرن من عواصف ضربت ضفتَي البحر المتوسط، أمكننا فهم ما حدث في أواخر 2025 وبداية 2026 في شمال المغرب.

 

نماذج إقليمية

مدينة درنة شرق ليبيا: في 10 شتنبر 2023، ضربت عاصفة “دانيال” مدينة درنة فأفضت فيضاناتها إلى انهيار سدَّين (سد درنة وسد المنصور) وتدفق نحو 39 مليون متر مكعب من المياه. أودت الكارثة بحياة أزيد من 5300 شخص وترك 8500 في عداد المفقودين، ونزح نحو 45 ألف شخص؛ أي قرابة 8% من سكان المدينة البالغ عددهم 200 ألف نسمة. مُسحت ربع أحياء المدينة، وأُعلن عن نحو 70% من شرق ليبيا مناطق منكوبة. (11)(12)

مقاطعة فالنسيا الإسبانية: في 29 أكتوبر 2024، اجتاح إعصار “دانا” المصحوب بأمطار غزيرة منطقة فالنسيا، فأسفرت الفيضانات الطوفانية عن وفاة أزيد من 240 شخصاً وشلّت معظم الخدمات ودمّرت البنية التحتية. بلغت خسائر الكارثة نحو 22 مليار يورو. وتنشأ هذه الأنظمة الجوية المدمّرة حين تنفصل جيوب الهواء البارد عن التيارات النفاثة القطبية وتستقر فوق البحر المتوسط الدافئ؛ إذ سجّلت المنطقة هطولاً بلغ 180 ملليمتراً في 6 ساعات، وتوسّعت رقعة الهطول بنسبة 56%. (13)(14)

 

رابعاً: فيضانات المغرب 2024-2026

شهد المغرب فيضانات متعددة في مناطق مختلفة، أبرزها: طاطا بالجنوب الشرقي، وآسفي بساحل المحيط، والقصر الكبير والحسيمة وشفشاون بالشمال، وسيدي سليمان ومشرع بلقصيري وسيدي قاسم والقنيطرة بالغرب.

 

مدينة طاطا

في 19 أكتوبر 2024، شهد إقليم طاطا فيضانات أسفرت عن جرف حافلة في وادٍ عند مدخل المدينة وسقوط ضحايا في صفوف الركاب، وتدمير منازل وخسائر مادية جسيمة في قطاعات الماء والكهرباء والاتصالات والطرق، مما ألحق أضراراً بالغة بالفلاحين والرعاة ومربي المواشي.

 

مدينة آسفي

في 14 دجنبر 2025، ضربت آسفيَ فيضانات جراء تساقطات بلغت بين 44 و66 ملليمتراً في 24 ساعة. اقتحمت المياه سوقاً شعبية وفضاء للخزف وعدداً من المنازل، وأودت بحياة أزيد من 40 شخصاً. كشفت الكارثة هشاشة البنية التحتية في المدينة القديمة، لا سيما شبكة تصريف مياه الأمطار.

 

مدينة القصر الكبير

في أواخر يناير 2026، عانت المدينة من فيضانات طوفانية حين بلغت حقينة سد وادي المخازن 156%، فاضطرت الدولة إلى فتح بواباته. تسبّب ذلك في ارتفاع قياسي في صبيب الوادي واجتياح المدينة والمناطق المجاورة. أُجلي أزيد من 70% من السكان، وتكبّد الفقراء -لا سيما الفلاحون ومربو المواشي والتجار الصغار والحرفيون- خسائر جسيمة.

 

سبع سنوات من الجفاف ثم فيضانات طوفانية

سجّل حوض اللوكوس خلال السنوات 2018-2024 عجزاً متواصلاً في التساقطات المطرية، بلغ في السنة الهيدرولوجية 2024-2025 نسبة 16.3% مقارنةً بالمعدل الاعتيادي، وأدى إلى عجز في الواردات المائية للسدود تراوح بين 10% و69%. غير أن التساقطات الأخيرة رفعت مخزون سدود الحوض إلى مليار و764 مليون متر مكعب بتاريخ 8 مارس 2026 (92.35%) مقابل 44.9% في الفترة ذاتها من السنة الماضية.

من المستفيد من المياه في المغرب؟ لا شك أن الطبقة الرأسمالية المتحكمة في الأموال والأراضي الخصبة ومصادر المياه ستجني الفائدة الكبرى؛ وهي أقلية مرتبطة بالأسواق الإمبريالية العالمية وساهرة على تزويدها بالمنتجات الفلاحية في إطار سياسة التبعية منذ الاستقلال الشكلي. أما سد الوحدة فقد بلغت حقينته 80.5%، وجرى تصريف الفائض نحو سهل الغرب: سيدي قاسم وبلقصيري والقنيطرة وسيدي سليمان.

 

خسائر كوارث الفيضانات 2025-2026

شهد المغرب تقلبات جوية بسبب عاصفتَين أُطلق عليهما “مارتا” و”ليوناردو”، تجاوزت فيهما كميات الأمطار 110 ملليمترات في بعض المناطق، وغطّت الثلوج أزيد من 50 ألف كيلومتر مربع. في أقل من أسبوعين في أواخر يناير 2026، استقبلت السدود المغربية نحو 6.5 مليارات متر مكعب؛ فامتلأت أزيد من 30 سداً بنسبة 80% و11 سداً بنسبة 100%، مما اضطر الدولة إلى تصريف الفوائض. وفي شهرَي يناير وفبراير 2026، أُجلي أزيد من 188 ألف شخص من أربعة أقاليم، وسقط 4 قتلى وفُقد آخر، وغمرت المياه أزيد من 110 ألف هكتار من الأراضي الزراعية.

 

خامساً: مقترحات للحدّ من مخاطر الفيضانات

 

قبل الكوارث

– ضرورة سيادة السكان على أراضيهم ومياههم عبر تدبير ديمقراطي مباشر، يجعل مشاريع السدود مصدر رخاء لا مصدر مآسٍ.

– ربط السدود بقنوات فيما بينها لتدبير الموارد المائية وتجنّب أزمتَي الجفاف الحاد والفيضانات الطوفانية، عبر نقل كميات مهمة من المياه بين الأحواض.

– تقوية الجماعات والبلديات المحلية مالياً وبشرياً وقانونياً للمساهمة الفعلية في التدبير الديمقراطي للشأن المحلي.

– التدبير الديمقراطي للمياه لفائدة السيادة الغذائية بدلاً من الزراعة التصديرية.

– الصيانة المستمرة للسدود ومعالجة مشكل الأوحال في الأنهار والأودية لصون الطاقة التخزينية الحقيقية.

– تشييد سدود تلية صغيرة لحجز المياه لفائدة سكان القرى وللتخفيف عن السدود الكبرى، وهو أجدى من اللجوء إلى تحلية مياه البحر المكلفة في بلد غارق في الديون غير الشرعية.

– تطبيق سياسات تتماشى مع التحولات المناخية مستخلَصة من تجارب منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا.

 

بعد الكوارث

– إنشاء صندوق وطني فعّال لفائدة المناطق المنكوبة والسكان الفقراء ضحايا الكوارث، يُعلي من شأن الإنسان وكرامته ويكفل تعويضاً عادلاً وسريعاً، بديلاً عن الصندوق الحالي المبهم المهام الذي يقتصر على البنية التحتية.

– تدبير الإجلاء وفق سياسات اجتماعية واقتصادية حقيقية، مع التساؤل: هل يمكن تحقيق ذلك في ظل دولة رأسمالية قائمة على الاستغلال والاستبداد؟

 

سادساً: السياسات الحكومية لدعم ضحايا الفيضانات

وضعت الدولة برنامجاً يرتكز على أربعة محاور: إعادة الإسكان ودعم فقدان الدخل؛ إعادة تأهيل المنازل والمحلات التجارية المتضررة؛ إعادة بناء المنازل المنهارة؛ والتدخلات الميدانية الاستعجالية. رُصد له ما مجموعه حوالي 775 مليون درهم (84 مليون دولار)، إضافةً إلى 225 مليون درهم للاستعجالات الميدانية، و300 مليون درهم لمساعدة المزارعين ومربي الماشية، وحوالي 17 مليار درهم (نحو 185 مليون دولار) لإعادة تأهيل البنية التحتية. (15)

 

الإعلان عن المناطق المنكوبة

إن الإعلان عن منطقة “منكوبة” يمنح الدولة صلاحيات استثنائية للتدخل السريع وتفعيل ضوابط قانونية ومالية لضمان حماية السكان وتسريع الإغاثة والتعويض خارج الإجراءات الاعتيادية.

إثر زلزال الحوز (8 شتنبر 2023)، صنّفت الدولة ستة أقاليم منكوبة: الحوز وتارودانت وشيشاوة ومراكش وورزازات وأزيلال. أسفر الزلزال عن 2946 وفاة و6125 إصابة وأزيد من 59 ألف مسكن متضرر ونحو 3 ملايين متضرر. تضمّن عدد الجريدة الرسمية 7240 الصادر في 19 أكتوبر 2023 قرار رئيس الحكومة رقم 3.58.23 المؤرخ في 13 أكتوبر 2023، المُحدِّد للجماعات المنكوبة: تارودانت (57 جماعة)، الحوز (40)، شيشاوة (32)، ورزازات (17)، مراكش (13)، أزيلال (10)؛ أي 169 جماعة في 3 جهات.

أنشأت الدولة وكالةً للإشراف على إعادة البناء بميزانية نحو 12 مليار دولار على مدى 5 سنوات. يُلزم الإعلان عن الكارثة بتفعيل القانون 110-14 الصادر عام 2020، الذي يُعرّف الكارثة بأنها كل حادث يتسبب في أضرار مباشرة بفعل قوة طبيعية غير عادية أو فعل عنيف من الإنسان، شريطة الفجائية وعدم التوقع وعجز التدابير الاعتيادية عن الوقاية. يُعلن عن الكارثة بقرار إداري يُنشر في الجريدة الرسمية في أجل لا يتجاوز 3 أشهر من وقوعها.

السؤال الجوهري: من يستطيع من المغاربة تأمين ممتلكاته ضد الكوارث؟ وما حجم التعويضات الفعلية؟

 

خاتمة: من أجل نضال بيئي واجتماعي متكامل

تكمن الخلاصة الجوهرية في ربط النضال ضد التلوث وحماية البيئة بالنضال الاجتماعي وحقوق الطبقة العاملة الذي تضطلع به النقابات، وبالنضال من أجل الديمقراطية الحقيقية وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية، وهو ما تتولاه الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية. كل ذلك ضروري لفرض ميزان قوى لفائدة الأغلبية الساحقة من الكادحين والكادحات المغاربة. ولن تتحقق الديمقراطية الحقيقية الجذرية دون انتخاب مجلس وطني تأسيسي أو جمعية تأسيسية لصياغة دستور ديمقراطي يضمن السيادة الشعبية ويحمي البلاد والكوكب من الدمار المناخي وينصف ضحاياه.

 

المصادر والمراجع

(1) https://www.unep.org/ar/resources/tqryr-fjwt-alanbathat-lam-2025

(2) https://ecss.com.eg/36343/

(3) https://rosaluxna.org/wp-content/uploads/2026/04/seed-research-web.pdf

(4) https://www.youtube.com/watch?v=CR6kLvOkPaw

(5) https://www.youtube.com/watch?v=t5oEucs2P_Y

(6) https://attacmaroc.org/سياسة-السدود-بالمغرب

(7) https://filaha.ma/حوض-اللوكوس

(8) https://taounate.net/archives/2161

(9) https://www.environnement.gov.ma/arabe/PDFs/sessions_cne/2007/Sebou.pdf

(10) الحوار المتمدن، العدد 8308، 10 أبريل 2025

(11) https://www.youtube.com/watch?v=FWsjanUoKSI

(12) https://www.alquds.co.uk/أول-إحصائية-رسمية-ليبيا

13)) https://www.youtube.com/watch?v=mqT9SDqUwcA

(14) https://meteofrance.com/actualites-et-dossiers/actualites/inondations-en-espagne-valence-touchee-par-des-pluies

(15) https://www.maroc.ma/ar/الأخبار/الحكومة-تضع-برنامجا-لدعم-الأسر

 

بقلم: الحيحي – أطاك المغرب

 

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة