الرئيسية / ملفات دراسية / الاتفاقات الاستعمارية / العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية
اتقفاقات التبادل الحر
العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية

العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية

 

العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية

الجزء الثاني

بقلم عمر أزيكي ولوسيل دوماس*

سلسلة نزع التقنين وملائمة القوانين التنظيمية والتشريعات

تتمثل إحدى النقاط الهامة في جيل الاتفاقات المسماة “شاملة ومعمقة” في الوصول إلى أكبر مستوى من التقارب مع البلدان المجاورة للاتحاد الأوروبي، ولا سيما من حيث التشريع والقوانين التنظيمية التي وجب “ملاءمتها مع المكاسب الأوروبية”. وكون هذه “المكاسب” قد أضرت بأوروبا وسببت لها أزمة دون أن تكون قادرة – أو حريصة – على الخروج منها، وكونها أخضعت اقتصادات جنوب أوروبا بالخصوص وأدخلت سكانها في دوامة الهشاشة والبطالة البنيوية، وكون خدماتهم العمومية تفككت كما تفككت المكاسب الاجتماعية التي حققها الأجراء منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بنضالاتهم، وباختصار كون هذه “المكاسب” ليست جذابة للشعوب الأخرى، فهذا ما لا يبدو أنه يحرك التكنوقراطيين في بروكسل.

ومع ذلك، فقد رافقوا بلدان جنوب المتوسط في إطار الشراكة الأوروبية المتوسطية واتفاقيات التبادل الحر في ورش واسع من الإصلاحات التشريعية والقوانين التنظيمية، مما أدى الى إلغاء جميع آليات الحماية التي وضعتها الحكومات خلال الستينيات والسبعينات من القرن الماضي. فقد تم إعادة تكييف آليات الرقابة على معدل الصرف وميثاق الاستثمار ومدونة الشغل والتجارة والتأمين والمقاولات العمومية والضرائب بشكل عميق لإتاحة الفرصة للرأسمال الأوروبي لولوج السوق المغربية، ومقاولاته، وأراضيه، ويده العاملة. وقد ازدهرت المناطق الحرة، وهي مناطق لا يطبق فيها القانون المغربي، في كل مكان.

ويخشى أيضا من أن تطبق التوجيهات الأوروبية الجديدة تلقائيا في البلدان الشريكة، في إطار ملاءمة القوانين التنظيمية والتشريعات، دون أن تخضع لمفاوضات جديدة أو للتصويت في البرلمان، كما لو كان الأمر يتعلق بمسالة إدارية بسيطة وشكلية. غير أن القوانين والتشريعات تعكس في الواقع حالة البلدان، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، ولكن أيضا تاريخها وثقافتها. كل هذا يجري جرفه باسم قوانين السوق وسلطة القطاع المالي.

المستتبعات على التشغيل

وعدت اتفاقات التبادل الحر بخلق العديد من فرص العمل. ولا يمكن إنكار مستتبعاتها على التشغيل. ولكن ليس بالضرورة في الاتجاه المعلن عنها.

أدت الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب إلى إجراء إصلاحات كبرى لقوانين الشغل مع اصدار مدونة جديدة للشغل بالمغرب في سنة 2004 مرتكزة على المرونة وعلى هشاشة التشغيل. ويمثل تعميم العقود محددة المدة والتعاقد من الباطن أشيع أشكال هذه المرونة. ويجب أن يضاف إلى ذلك عدم مراعاة تشريعات الشغل من حيث ظروف العمل، وساعات العمل، والأجور، والتصريح في صندوق الضمان الاجتماعي، أو الاعتراف بالحق النقابي.

ومن ناحية أخرى، فإن انفتاح البلد على الاستثمار الأجنبي ودخول العديد من الشركات متعددة الجنسيات لم يحسن وضعية التشغيل. فقد سجلت المندوبية السامية للتخطيط أن “وضع سوق الشغل في سنة 2016 ظل يتسم باستمرار انخفاض معدلات النشاط والشغل”. ويستمر معدل البطالة في الارتفاع، إذ يبلغ حاليا 15,7 % في الوسط الحضري (الربع الأول من سنة 2017) ولا يمكن إيجاد فرص عمل لتعويض الزيادة في عدد السكان في سن العمل، التي تبلغ نحو 1,5 % سنويا.

ومع التفكيك التدريجي للحقوق الجمركية على المنتجات الصناعية بين عامي 2000 و2012، انخفض التشغيل الصناعي في المغرب بشكل مطرد كل عام منذ سنة 2009، حيث لا يمكن للمقاولات المحلية أن تتنافس مع دخول المنتجات الأوروبية المدعومة ودون حماية جمركية. أما بالنسبة للمزارعين الصغار، فلم يعد بوسعهم البقاء على قيد الحياة في مواجهة منافسة المنتجات الأوروبية وتوسع نطاق الفلاحة الصناعية والتجارية. وفي المناطق القروية في سنة 2016 وحدها، دمر 000 163 منصب شغل غير مدفوعة الأجر (أي معظمها مزارع صغيرة). إن توسع العمل المأجور الزراعي في المناطق الفلاحية الموجهة نحو التصدير (سوس ماسة والغرب وبركان) لا يزال بعيدا عن تعويض تدمير الزراعة المعاشية، سواء من حيث التشغيل أو من حيث الإنتاج، لكون هذا النوع من الفلاحة، المرتكز على المضاربة، لا يوفر شيئا تقريبا للاستهلاك المحلي.

أدت اتفاقات التبادل الحر والسياسات المطبقة في إطار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب إلى تدمير جزء من النسيج الصناعي والزراعي للبلد، ومن المقاولات الصغيرة والمزارعين الصغار الذين ينتجون للسوق الوطني أو المحلي. واليوم، فإن الإنتاج موجه أساسا نحو التصدير، وفي الوقت نفسه هناك صعود متزايد لقطاع الخدمات في الاقتصاد، وهو يرتبط جزئيا بتحرير تجارة الخدمات وتوسيعها.

مستتبعات اتفاقات التبادل الحر على النساء

تشكل النساء جزءا كبيرا من القوى العاملة في المناطق الحرة الصناعية (خاصة في قطاع النسيج)، والزراعة الكثيفة التصديرية (الفراولة والحوامض والطماطم) وقطاع الخدمات (مراكز الاتصال).

وعندما يشتغلن في القطاعات الأخرى، فيوجد معظمهن في وظائف أقل مهارة وأقل أجرا وأكثر مرونة، وأجورهن غالبا ما تكون أقل من أجور الرجال. وتكون الوظائف التي تشتغل فيها في غاية الهشاشة (العمل الزراعي الموسمي، ووظائف بدون عقود أو عقود محددة الأجل)، ويمكن أن تكون فيها وتائر العمل جهنمية، وتزداد مدة العمل تبعا للمحاصيل أو دفاتر الطلبات. وتضاف الى شدة العمل الذي في كثير من الأحيان تنقصه المكننة ويتسم بطابع التكرار، ظروف نقل الى العمل غير لائقة وغير مريحة (الشاحنات والجرارات والبيكوب والحافلات المهترئة) والتي تسبب في حوادث متكررة. وأخيرا، ومن بين آفات عمل الإناث نجد التحرش الجنسي. وفي جميع القطاعات، تتعرض النساء لهذا الشكل من الهيمنة العنيفة والتمييزية. وهذا هو السبب في أن إدماج المرأة في سوق الشغل الناجم عن اتفاقات التبادل الحر (فروع الإنتاج المنقولة أو التعاقد من الباطن أو الزراعة التصديرية) ليس تحررا للنساء. وتتكامل الرأسمالية والنظام الأبوي كما يتكامل العنف الطبقي والعنف الجنسي لضمان أقصى استغلال للقوة العاملة النسائية.

وبالإضافة إلى ذلك، كان لتحرير الخدمات العمومية وخصخصتها آثار سلبية للغاية على النساء. وأحد المجالات الأكثر كارثية هو الصحة. والواقع أنه اعتبارا من سنة 1999، يتعين على المستشفيات أن تمول نفسها بنفسها من عائداتها الخاصة، وأصبحت الخدمات الصحية المجانية مؤدى عنها. وأدى هذا القرار على الفور إلى زيادة وفيات الأمهات والرضع. واندلعت احتجاجات في مناطق عديدة من البلاد، وتعبأت النساء على نطاق واسع، كما حدث في طاطا في سنة 2005، وتراجع المغرب في مؤشر التنمية البشرية ليحتل رتبة 130 من مجموع 188 بلدا في سنة 2009. وفي نهاية 2008، قرر المغرب إعادة مجانية الولادة والولادة القيصرية. ولكن للأسف، هذان هما الاستثناءان الوحيدان، ولا تزال الحالة الصحية للمغاربة محفوفة بالهشاشة. ويضطر الكثيرون منهم إلى استخدام القروض الصغرى لتغطية تكاليف الاستشفاء والرعاية الصحية والنفقات المدرسية للأطفال ويجدون أنفسهم في دوامة من الديون لم يعد بإمكانهم الخروج منها.

وبصفة عامة، كان لتحرير وخصخصة الخدمات العمومية، الذي دعت إليه المؤسسات المالية الدولية والبرامج الإرشادية الوطنية التي جرى بها العمل في إطار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، أثر في احتداد حالة تدهورها، ولم يكن وصول الناس إلى الخدمات الأساسية أبدا أولوية النظام المغربي.

تنقل الأفراد: تبادل في اتجاه واحد

وبينما تؤكد الشراكة الأورو- متوسطية أنها تريد جعل البحر الأبيض المتوسط “منطقة سلام وازدهار مشتركين”، و “الحوار بين الشعوب والثقافات”، فإن الاتحاد الأوروبي ليس له أولوية أخرى سوى إغلاق حدوده الخارجية، وكبح حرية تنقل الأفراد، والاستعانة بشركائها في الجنوب والشرق لمراقبة تدفق المهاجرين. فالحواجز المتعددة وأجهزة الرصد التي أرسيت تجعل من الصعوبة بمكان عبور الحدود أكثر فأكثر. ولا يزال عدد الوفيات في البحر الأبيض المتوسط في ازدياد، ليصل إلى قرابة 000 10 شخص في الفترة 2014-2016 وحدها. أما بالنسبة للذين عبروا حدود الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانوني، فقد انتقل عددهم من 72500 في سنة 2012 إلى 107000 شخص في سنة 2013 و265378 شخص في سنة 2016. هذه الأجهزة هي حتما غير فعالة عندما يفر الناس من القنابل والبطالة وعدم وجود آفاق. وكلما أغلقت إحدى الطرق، فتح طريق آخر ووجدت طرق جديدة. وهكذا أصبح المغرب متخصصا في صنع وثائق مزورة من جميع الأنواع، وجوازات السفر، وبطاقات الهوية، وبطاقات الإقامة أصلية ومختلسة أو مزيفة.

وتشمل اتفاقات التبادل الحر التي وقعت بالفعل أو تلك المسماة شاملة ومعمقة التي يجري التفاوض بشأنها حاليا، بشكل منهجي فصلا عن “حرية تنقل الأفراد” الذي يتعلق فقط بفئة صغيرة من الأشخاص المتميزين ورجال الأعمال والفنانين والمثقفين الذين لهم امكانية الحصول على تأشيرة في حين لا يمكن للمواطنين الآخرين السفر خارج بلادهم. ولذلك فإن حرية التنقل لا تتعلق إلا بالسلع والرساميل. ويفرض على العمال البقاء في المكان الذي يريده فيهم الرأسمال، في بلدهم، بحيث تقوم المقاولات بنقل فروع إنتاجها أو استغلالهم بأجور منخفضة في بلدانها الأصلية، في أوروبا، عن طريق الحصص وفقا لحاجياتها لليد العاملة غير القانونية وذلك لضمان مزيد من الاستغلال. ونتيجة لذلك، يمكن للمقاولات أن تبحث عن اليد العاملة حيثما تريد، ولكنها تحظر على العمال أن يتنقلوا بكل بحرية في السوق الدولية للعمل. هذا هو واقع التبادل الحر.

والأخطر من ذلك أن هذه العقبات التي تعوق حرية التنقل تشكل خطرا على حقوق أساسية أخرى، ولا سيما حق اللجوء. إن الكارثة الإنسانية التي تميز هجرة السوريين الهاربين من جحيم القنابل تتحدث عن نفسها. إن التدبير الكارثي لهذا الملف من قبل السلطات الأوروبية معروفة للجميع، وتسبب في حركة متزايدة من العصيان المدني وتضامن المواطنين.

واتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق في كل هذا؟

قدمنا هنا بعض العناصر لفهم تحديات وأخطار ما يسمى باتفاقات “التبادل الحر” التي تشمل جميع الأنشطة الاقتصادية، وتؤثر على التشريعات وتشمل مجالات بعيدة في القانون التجاري. وليست المعايير الصحية والسلامة الصحية، والملكية الفكرية، والتنمية المستدامة، وحماية الاستثمار، سوى بعض الموضوعات التي كانت ضمن قائمة الجولة الثالثة من المفاوضات بصدد هذا الاتفاق. وكانت هذه المعلومات ستبقى غير معروفة لو لم يكن هناك تسرب، لأن المفاوضات المتعلقة باتفاقات التبادل الحر محاطة بسرية غامضة لا تسمح بأي نقاش عمومي موثق حقا حول هذه المسألة. كل شيء يحدث في جلسة مغلقة حيث يتم استبعاد البرلمانيين ووسائل الإعلام والرأي العام، في حين يتم إعطاء قسط كبير من المعلومات للمقاولات والبنوك.

ضغطت الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب، وهي نقابة أرباب العمل المغاربة، من أجل تقييم أولي قبل المضي قدما في سيرورة التبادل الحر. وربما كان ذلك وراء تجميد المفاوضات بين المغرب والاتحاد الأوروبي منذ أبريل 2014، لكن صندوق النقد الدولي يضغط بشكل خاص كي تستأنف هذه المفاوضات في أقرب وقت ممكن. وإن كانت المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وتونس بخصوص اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق تسير على ما يرام، فإن الشكوك التي تحوم على سيرورة مشروع الشراكة عبر الأطلسي بعد انسحاب الولايات المتحدة، لا يسهل تقدما سريعا لهذا الملف. لكن لا يجب علينا التسرع بخلاصة أن التبادل الحر أصبح غير مرغوبا فيه. فهذه الاتفاقات تشكل في الحقيقة دعامات فعلية لفرض إصلاحات تسمح بفتح حدود بلدان شريكة لمطامح القطاع المالي ورجال الأعمال على المستوى العالمي. فلا شيء في موازين القوى العالمي الحالي يوحي بأن عنف اتفاقات التبادل الحر سيتضاءل. وبالتالي، علينا أن نبقى يقظين يما فيه الكفاية.

إن معركتنا الأولى هي معركة الديمقراطية، ومعركة النقاش العمومي. فقد أصبحت المقاولات تحل أكثر فأكثر محل الشعوب والدول لاتخاذ القرارات مكانهم. وهي بصدد وضع تشريعات دولية تتجاوز أجهزة منظمة الأمم المتحدة والدول وذلك من أجل حماية حرية أنشطتها واستثماراتها.

المعركة الثانية هي معركة السيادة. يجب أن نرفض الاتفاقات وخطط العمل التي كتبها الخبراء الأوروبيون، غير المتوازنة تماما على صعيدي الشكل والمضمون والموقعة بدون دراسات شاملة لتأثيراتها. إن الجانب الأكثر إثارة للقلق في اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق هو بالتأكيد الجزء المتعلق بملاءمة التشريعات التي قد تؤدي إلى التحول التلقائي من التشريعات الأوروبية إلى التشريع المغربي. ولكن ما هو أبعد من ذلك، هو امتداد المناطق الحرة، والمقاولة من الباطن، والتوجه التصديري الزراعي وما تفترضه من فرط استغلال لليد العاملة وتدمير للنسيج الاقتصادي المحلي، وخاصة المزارعين الصغار.

ويشكل عام، ستأثر نتيجة هذه المفاوضات على حياتنا اليومية. وتتعرض الخدمات العمومية، بما في ذلك قطاع الصحة، الذي تم تفكيكه إلى حد كبير، للخطر على حساب الفئات الأكثر فقرا. وتبتعد نماذج الإنتاج والاستهلاك عن الحاجيات الحقيقية للسكان وتقاليدهم، وتعمق التبعية. وليست مسألة التبادل الحر مسألة اختصاصيين. فهي تهمنا لكونها تهدد اقتصادنا وتعرض للخطر حصول الجميع على الحقوق الأساسية وتعرض للخطر حياة الأفراد الذين يأتون للبحث عن استقبال أو لجوء أو حماية. في أمريكا اللاتينية، أوقفت الشعوب المشروع الأمريكي لمنطقة التبادل الحر على مستوى بلدان القارة الأمريكية. ونحن، بوصفنا شعوب البحر الأبيض المتوسط، يجب أن نهزم هذه الاتفاقات الاستعمارية المفروضة.

————–

*عمر أزيكي عضو أطاك المغرب والجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي (الاتحاد المغربي للشغل)

*لوسيل دوما: عضو أطاك المغرب

النص هو تعريب قام به عمر أزيكي من الأصل الفرنسي الذي نشر في مجلة بدائل الجنوب Alternatives du Sud في شتنبر 2017 في ملف خاص حول اتفاقات التبادل الحر من وجهات نظر الجنوب. أنظر الرابط

https://www.cetri.be/Accords-de-libre-echange-cinquante

الجزء الأول على الرابط التالي

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube