الرئيسية / ملفات دراسية / الاتفاقات الاستعمارية / العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية الجزء الأول

العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية الجزء الأول

العلاقات الأورو- متوسطية واتفاقيات التبادل الحر الأوروبية المغربية: سياسات استعمارية

الجزء الأول

 

بقلم/ عمر أزيكي ولوسيل دوماس*

لم يكن المغرب قط فاعلا رئيسيا في التجارة الدولية، إلا أنه في أراضيه، بالضبط في مدينة مراكش، جرى اعتماد الاتفاق المؤسس لمنظمة التجارة العالمية في 15 أبريل 1994. ودخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير 1995.

شكل إنشاء منظمة التجارة العالمية تقدما هائلا على الصعيد العالمي في تنفيذ سياسات نزع التقنين التي تشكل أساس النيو- ليبرالية الحديثة: حرية تداول السلع والبضائع، وحماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، ونزع التقنين وخصخصة المؤسسات والخدمات العمومية، وولوج الصفقات العمومية، وآليات حماية الاستثمار، إلخ. جميع ما تضمنه اتفاقيات التبادل الحر ومعاهدات الاستثمار الثنائية، كان بالفعل موجودا في نصوص منظمة التجارة العالمية ومرفقاتها. وبهذا تكون النيو- ليبرالية قد ربحت معركة هامة من شأنها أن تعزز التعميم القسري لنموذجها في جميع أنحاء العالم. وكان المغرب من أوائل الدول الموقعة على هذا الاتفاق.

وكانت 1995 هي السنة التي تم فيها التوقيع أيضا على إعلان برشلونة الذي وضع أسس إقامة شراكة أورو- متوسطية. وكانت أهداف هذه السيرورة، التي جرى التعبير عنها في التصريحات الحماسية غداة انطلاقها، هي خلق ​​منطقة على صعيد البحر الأبيض المتوسط مفعمة بالسلم والأمن والازدهار المشترك والحوار والتبادل. لكن سرعان ما ستتداعى هذه الخطابات أمام استمرار العدوان الإسرائيلي على فلسطين، والحرب العراقية الثانية، وآلاف الوفيات في البحر الأبيض المتوسط ​​على طول طرق الهجرة. وفي سنة 2005، سيتم الاحتفال على نحو محتشم وسيء بذكرى مرور عشر سنوات على توقيع اتفاقية برشلونة، ولن تكون هناك أية قمة للاحتفال بالذكرى العشرين. ومن الصعب أن نرى كيف كان يمكن أن يحدث خلاف ذلك، لأن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن أبدا من وضع سياسة خارجية مشتركة، ولا سيما فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن المشروع في حد ذاته فشل. ففي الواقع، وخارج الخطابات الطنانة، هناك أهداف أخرى في صميم الشراكة الأوروبية المتوسطية وهي:

  • إنشاء منطقة للتجارة الحرة.
  • التقليل من أهمية الخطر الذي تشكله دولة إسرائيل في المنطقة.
  • تعزيز حدود أوروبا.

وعلى صعيد هذه النقاط الثلاث، كان النجاح باهرا.

ونضيف أيضا أنه عندما اندلعت الانتفاضات الشعبية في عام 2011 في عديد من بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، والتي أطاحت بديكتاتوريين، كان القلق قويا في أوساط الاتحاد الأوروبي ومجموعة الثماني الكبار، وتعبؤوا جميعا لمنع أي إعادة نظر في الخيارات السياسية والاقتصادية المرتكزة على التجارة الحرة، ونظام الديون، واقتصاد السوق، وللحيلولة دون تدفق كان متوقعا للمهاجرين. وبداية من شهر دجنبر من العام نفسه، تم إطلاق مشاريع اتفاقات تبادل حر شاملة ومعمقة، وجرى توقيعها بالفعل مع بعض دول أوروبا الشرقية، وما تزال المفاوضات حولها جارية مع تونس والمغرب.

والواقع أن الأمر لا يتعلق بإنشاء منطقة شاسعة من التجارة الحرة بين جميع بلدان شمال اسكندنافيا إلى حدود السودان، ومن أذربيجان إلى المغرب، بين شركاء متساويين. يتم التفاوض على اتفاقيات التبادل الحر بين الاتحاد الأوروبي من جهة وكل واحد من البلدان الشريكة المعنية في علاقة غير متماثلة وغير متوازنة تماما. انها ليست اتفاقية متعددة الاطراف ولكنها سلسلة من الاتفاقيات الثنائية بين الكتلة الاوربية وكل دولة على حدة في جوارها. فالشركاء ليسوا متساوين لا في وزن اقتصادهم ولا في قدرتهم على الاستفادة من فتح الأسواق ولا في وزنهم السياسي. ومن الواضح أن الأمر يتعلق بمشروع أوروبي لأوروبا يسعى إلى تشكيل “دائرة من الدول الخاضعة (كذا!)، والتي يمكن للاتحاد الأوروبي أن يقيم معها علاقات وثيقة، على أساس التعاون، وتتمحور أساسا على ثلاثة أهداف: الاستعانة بشركاء من الخارج لتدبير تدفقات الهجرة، وتطوير جميع الإصلاحات التي تضمن مناخا ملائما للأعمال، وإنشاء منطقة للتبادل الحر [1]“.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه عندما توسع الاتحاد الأوروبي من 15 إلى 25 عضوا، ثم إلى 28 عضوا، لم تكن اتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط محط مفاوضات جديدة في الوقت الذي تقوى فيه حجم الشريك الأوروبي ووزنه الاقتصادي إزاء كل بلد على حدة. بل بالعكس، ستتوسع هذه السيرورة التي انطلقت مع السيرورة الأورو- متوسطية إلى البلدان الواقعة خارج الحدود الشرقية للاتحاد. وتشمل هذه المنطقة الجديدة، التي تدار تحت اسم سياسة الجوار الأوروبية، البلدان التالية: الجزائر وأرمينيا وأذربيجان وبيلاروس ومصر وجورجيا وإسرائيل والأردن ولبنان وليبيا ومولدوفا والمغرب وفلسطين وسوريا، وتونس، وأوكرانيا. ولما جرى وضع هذا الإطار العام، يتم تنفيذ سياسة الجوار الأوروبي وفق مفاوضات ثنائية بين الاتحاد الأوروبي من جهة وكل واحد من البلدان الشريكة المعنية.

وينبغي التأكيد على أن هذه السياسة الاستعمارية الجديدة التي وضعها الاتحاد الأوروبي في إطار سياسة الجوار الأوروبية لا تشمل فقط برامج التبادل الحر التجارية، بل تشمل أيضا القضايا السياسية والأمنية والخصخصة ونقل فروع الإنتاج، والتغلغل في قطاع الخدمات، وحرية تداول الرساميل، وحقوق الملكية الفكرية. فما تشمله هذه الاتفاقات إذن واسع جدا: التجارة، والبنية التحتية، والنقل، والبيئة، والتعاون العلمي والتقني، ومكافحة المخدرات، والهجرة، وتعزيز المرأة، والتبادل بين الشباب (في حين أن الحدود تغلق أكثر فأكثر في وجههم!). ويخلص الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أندرياس مارشيتي Andréas Marchetti إلى أن الاتحاد الأوروبي “يقدم للدول المجاورة حق التدخل (كذا!) بشكل كبير في صياغة خطط العمل الوطنية”. وهذا يعكس منطق الاستعباد الذي يتم فيه إدراج علاقات الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه![2]

اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي

بدأ المغرب سيرورة تحرير التجارة الخارجية على نطاق واسع منذ منتصف الثمانينات على إثر توصيات المؤسسات المالية الدولية في إطار برنامج التقويم الهيكلي. وانضم إلى الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (غات) في سنة 1987 ثم إلى منظمة التجارة العالمية في سنة 1995. ومنذ ذلك الحين، وقع على اتفاقات للتجارة الحرة مع 56 بلدا: 28 بلدا أعضاء الاتحاد الأوروبي بموجب الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والمغرب (1996)؛ وسويسرا والنرويج وأيسلندا في إطار الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة (2000)، ومع كل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية (2006)، ومع 18 دولة من دول الجامعة العربية في إطار اتفاق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (1998)، ومع كل تونس ومصر والأردن على حدة ثم يضاف إليهم فلسطين ولبنان في إطار اتفاق أغادير (2007). ويتمثل طموح المغرب الآن في توسيع نطاق هذه السيرورة لتشمل بقية القارة الأفريقية حيث وقع اتفاقا تجاريا واستثماريا تفضيليا في عام 2008 مع الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا. ويتفاوض حاليا حول الإنشاء التدريجي لمناطق التجارة الحرة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا والمجموعة الاقتصادية والنقدية لدول وسط أفريقيا. وفي الوقت نفسه، يوقع على معاهدات استثمار ثنائية مع بعض من هذه البلدان لحماية الاستثمارات الضخمة التي يقوم بها في القارة.

هذا هو السياق الذي وقعت فيه اتفاقية التبادل الحر بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في عام 1996، ويجري حاليا إعادة التفاوض بشأنها تحت اسم اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق. واستنادا الى المعلومات القليلة المتداولة ولكن أيضا الى نصوص نفس الاتفاقات الأخرى التي وقعت مع مولدوفا وجورجيا وأوكرانيا، فهذه الاتفاقات الجديدة هي بالفعل شاملة وتعمق مجمل النقط التي تضمنتها الاتفاقات السابقة مع التركيز بشكل خاص على ملائمة التشريعات والقوانين لجعل الشركاء يستفيدون من “المكاسب الأوروبية”. ومن الواضح تماما، كما يتجلى في تجربة اليونان، أن المكاسب ستكون لصالح المقاولات الكبيرة والبنوك على حساب حقوق الشعوب. لذا نحن نركز في هذا النص على هذه الاتفاقية وحدها، لأن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للمغرب. ففي سنة 2015، شكل الاتحاد الأوروبي 63,7% من سوق العرض المغربي، والممون الرئيسي للمغرب مع حصة سوق تبلغ 53,4%.

تدهور العجز التجاري

يتسم الميزان التجاري المغربي بعجز هيكلي. وقبل عام 2000، وهو تاريخ دخول اتفاق التبادل الحر بين الاتحاد الأوروبي والمغرب حيز التنفيذ، بلغ العجز التجاري الإجمالي 5,59% من الناتج الداخلي الخام. وفي 2014 بلغ 12,36%. وفي نفس السنة، بلغت نسبة العجز التجاري المرتبط بالمبادلات في إطار اتفاقيات التبادل الحر نحو 34,3 % من إجمالي العجز التجاري. وشكل الرصيد التجاري مع الاتحاد الأوروبي في إطار اتفاقات التبادل الحر 73% من العجز الإجمالي لاتفاقات التبادل الحر.

إن تحليل توزيع التجارة الخارجية حسب المنتجات قد يقود الى خلاصات مغلوطة لكونه يتضمن مجمل مناطق البلد والمناطق الحرة التي تنشأ فيها مقاولات أجنبية تستورد وتصدر دون أن تترك أثرا في البلد. وعلى الرغم من ذلك، يمكننا أن نستخلص بعض الاستنتاجات المثيرة للاهتمام من هذا التوزيع.

يهيمن على الواردات بموجب اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي ثلاث مجموعات من المنتجات: 33% للمنتجات نصف المصنعة (المواد الكيميائية والبلاستيك والكرتون)، و25% للمنتجات الصناعية الجاهزة (العربات الصناعية والآلات والمعدات)، و22% للمنتجات الجاهزة للاستهلاك (السيارات والأقمشة والخيوط). وتتركز الصادرات على المنتجات الجاهزة للاستهلاك (السيارات والملابس)، 31% منها تصنعها الى حد كبير المقاولات الأجنبية[3] في المناطق الحرة، ثم منتجات الفلاحة والبحر (29%) والفوسفات ومشتقاته (20%).

وتعتمد سيرورة الإنتاج في البلد اعتمادا كبيرا على المدخلات الصناعية والتكنولوجية المستوردة. ويؤدي ذلك إلى انخفاض القيمة المضافة للصادرات، ولا سيما ما يتعلق بأنشطة نقل فروع الإنتاج إلى الخارج والمقاولة من الباطن. ولذلك فإن المغرب هو جزء من مجموعة البلدان الأوائل المصدرة التي تستورد على نطاق عالمي المنتجات النهائية وتصدر المواد الخام أو المواد الخام ذات القيمة المضافة المنخفضة. وبالنسبة للمنتجات المصنعة، يتركز النشاط في المناطق الحرة التي تعفى فيها الشركات التي تنقل أنشطتها أو المقاولات من الباطن من الرسوم الجمركية وعلى جميع الضرائب أو جزء منها.

ولتدهور معدلات التبادل التجاري تأثير خاص على الميزان التجاري الزراعي. حيث في الواقع، تمكن المغرب حتى سنة 2012 من ضمان فائض نسبي في الميزان التجاري الزراعي، لكنه منذ ذلك الحين، يعاني من عجز.

احتدت تبعية المغرب الغذائية بالنسبة للمنتجات الثلاث التي تشكل أساس النظام الغذائي للسكان: القمح والسكر والزيوت. أما متوسط ​​قيمة الصادرات من المنتجات الزراعية الرئيسية الثلاث، الطماطم، والحوامض والخضروات، فلا يغطي متوسط قيمة ​​استيراد القمح وحده خلال السنوات الخمس الأخيرة 2011-2015.

وتستثني اتفاقية التبادل الحر بين الاتحاد الأوروبي والمغرب القطاع الزراعي الذي يخضع لاتفاقيات منفصلة تحمي الإنتاج الأوروبي وتزيد من العقبات أمام الصادرات الزراعية المغربية. وعلى الرغم من الانفتاح على بعض البلدان الأفريقية أو الخليجية أو الصينية، إلا أن المغرب لا يزال غير قادر على فتح أسواق جديدة لتخفيف الضغوط الأوروبية على تسويق منتجاته الزراعية.

العجز في العائدات الجمركية وعجز ميزان الأداءات

تهدف اتفاقيات التبادل الحر إلى إلغاء جميع التعريفات الجمركية (وهذا ما تم بالنسبة للمنتجات الصناعية، وسيتم ذلك أيضا بالنسبة لمعظم المنتجات الزراعية مع نهاية هذا العام، حيث بقيت قائمة واحدة تخضع للرسوم الجمركية من أصل القوائم الثلاث المتضمنة في الاتفاق). ويؤثر تفكيك الحقوق الجمركية هذا على عائدات الضرائب، حيث شكلت رسوم الاستيراد نسبة 12% من إجمالي الإيرادات الضريبية في سنة 2004، مقابل 8% في سنة 2011، و4% في سنة 2014.

أما ميزان الأداءات، فقد تعمق عجزه بدءا من 2007-2008 (الأزمة العالمية) حيث انتقل من 0,1% إلى 5% من الناتج الداخلي الخام ليصل إلى 9,5% في سنة 2012. ومنذ ذلك الحين، بدأ يتراجع هذا العجز، حيث انتقل من 7,9% في سنة 2013 إلى 5,7% في سنة 2014، ليصل إلى 2,2% في سنة 2015، ويعود ذلك أساسا إلى انخفاض أسعار النفط.

تعميق التبعية

يتبين إذن أن اتفاقيات التبادل الحر الموقعة مع الاتحاد الأوروبي تعمق العجز الهيكلي في المغرب وتبعيته اللذان يعودان إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية. وتمثل هذه الاتفاقيات أداة جديدة لنقل الثروة من المغرب إلى الشمال، وهي الى جانب آلية المديونية، التي سمحت في المغرب كما في بلدان الجنوب الأخرى بفرض برامج التقويم الهيكلي، تشكلان وجهان للسيطرة الإمبريالية على البلدان التابعة. إن السياسات التي أملتها اتفاقيات التبادل الحر هذه، وبشكل عام اتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في إطار سياسة الجوار الأوروبية، حلت مكان برامج التقويم الهيكلي في الثمانينيات والتسعينيات وأعادت تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عميق.

منذ أوائل الستينيات، كانت التنمية الاقتصادية للمغرب تستند أساسا إلى الزراعة. وكانت الأولويات هي تزويد الأسواق الأوروبية بنفس المنتجات الزراعية الأولية التي كان الاستعمار الفرنسي ينتجها سابقا (الحوامض والخضر والحبوب وما إلى ذلك)، وكذلك منتجات البحر وبعض المنتجات المنجمية، ولا سيما الفوسفاط. وقد منعت السيطرة الاستعمارية التصنيع في المغرب وأعاقت تنمية البلد. ولم يشكل الاستقلال قطيعة مع ذلك، حيث حسم نظام الحسن الثاني بكل عنف استمرار التبعية للمراكز الأوروبية، وبنى ديكتاتورية استمرت نحو أربعين عاما. وفي نهاية المطاف، ظل المغرب بلدا متخلفا، وتعمقت تبعيته على جميع المستويات، المالية والتكنولوجية والصناعية والغذائية والتجارية، إلخ. كما زاد خضوعه للمؤسسات المالية الدولية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) التي خصصت له اعتمادات ضخمة بدءا من أواسط الستينات في الوقت الذي كان فيه النظام يعمم القمع. واستضاف المغرب المؤتمر التأسيسي لمنظمة التجارة العالمية (1995) التي كرست الانفتاح الليبرالي الذي بدأه بالفعل برنامج التقويم الهيكلي في بداية الثمانينات. ومع الأزمة العالمية (2007-2008)، عزز هذا الثالوث (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية) إملاءاته النيو- ليبرالية التي تهدف إلى تحسين ظروف الاستثمار التي تطالب بها الشركات متعددة الجنسيات، ومرافقة الرأسمال المحلي الكبير شريك الرأسمال الأجنبي لتخفيف ضعف قدرته التنافسية في إطار والعولمة واشتداد المنافسة في السوق الدولية والمحلية. وانصب التركيز على حوافز التصدير والاستثمار من خلال توفير البنيات التحتية والعقارات والإعفاءات الضريبية وخصخصة المقاولات والخدمات العمومية وإنشاء مناطق حرة وتوفير يد عاملة رخيصة ومرنة وخاضعة. وستتطلب هذه السياسات تمويلا هائلا بينما يتسع “العجز المزدوج” (عجز الميزانية وعجز ميزان الأداءات). ومن ثم ارتفاع نسبة الدين العمومي الإجمالي من 59,4% من الناتج المحلي الخام سنة 2010 إلى 81,8% في سنة 2016. وستكون تكاليف تسديده على حساب الميزانيات الاجتماعية مع تعميم تدابير التقشف. وتشهد التعبئات الاجتماعية الكبرى التي يشهدها المغرب منذ فبراير 2011، والتي تكثفت في الأشهر الأخيرة مع اندلاع حركة احتجاج اجتماعية واسعة في منطقة الريف في شمال البلاد، على الآثار العنيفة لهذه التدابير على الفئات الشعبية والأجراء، وعلى تناقضات نموذج التنمية متمركز على الخارج الذي دعت إليه مؤسسات بريتون وودز Bretton Woods ومنظمة التجارة العالمية.

إن آخر القرارات التي اتخذتها الدولة المغربية تسير في هذا الاتجاه. يتعلق الأمر أولا، بضمان استقلالية البنك المركزي المغربي، بنك المغرب، عن أي رقابة من قبل البرلمان (الهيئة التشريعية) أو الحكومة. مما سيمنحه من الآن فصاعدا سلطة تقديرية كاملة لتحديد السياسة النقدية للبلد. وثانيا، بتحرير معدل الصرف الذي سيحدده من الآن فصاعدا قانون العرض والطلب في أسواق العملات الدولية، مما يلغي هامش الأمان الذي كان قائما حتى الآن. إنهما الأداتان الرئيسيتان للسياسة المالية اللتان أصبحتا منذ الآن خارجة عن رقابة الدولة.

تدهور البيئة

توضح السياسات البيئية في المغرب هذا التناقض بين منطق اتفاقيات التبادل الحر والدفاع عن البيئة. وهي تخضع لنفس أهداف الاستحواذ على الثروات. وتستند خطط الاستثمار القطاعية إلى أولوية ضمان الأرباح التي يحققها كبار الرأسماليين الأجانب والمحليين في الزراعة الصناعية، واستخراج الموارد الطبيعية من التربة وباطن الأرض والبحر والسماء. ولا تطرح التغيرات المناخية سوى للدفع بمشاريع “التنمية الخضراء” التي تشكل أوراشا جديدة للرأسمال الخاص. وتعطى الأولوية لبناء بنيات تحتية ومشاريع ضخمة التي قد تتحول إلى “فيلة بيضاء” (غير مجدية). وتدعم هذه المشاريع استثمارات عمومية تزيد من المديونية العمومية وما ينتج عن ذلك من تقشف، في غياب أي دراسة لجدواها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. إن تحليل آثار اتفاقيات التبادل الحر على تدهور الظروف البيئية هو أمر ملح يتجلى في صعود النضالات البيئية في المغرب في السنوات الأخيرة. فمطالب العدالة الاجتماعية تترافق مع تلك المتعلقة بالعدالة البيئية.

حماية الملكية الفكرية

لا شك في أن مسألة الملكية الفكرية ترتبط ارتباطا مباشرا بسياسة حماية المستثمرين التي وضعت بالتوازي مع تنفيذ السياسات النيو- ليبرالية. وعلى الصعيد العالمي، كانت حقوق الملكية الفكرية موجودة تقريبا منذ التسعينيات. غير أن اتفاق بشأن جوانب حقوق الملكية الفكرية ADPIC اعتمد في سنة 1994 في إطار منظمة التجارة العالمية، وهناك فصل مكرس لهذه المسألة تتضمنه بشكل منهجي اتفاقات التجارة الحرة الموقعة منذ ذلك التاريخ. ومنذ سنة 1994، ازدادت حقوق الملكية الفكرية زيادة هائلة وبلغت الآن مئات المليارات من الدولارات في جميع أنحاء العالم.

ويمكن تبيان أحد مؤشرات تبعية المغرب فيما يخض التكنولوجيا والمعرفة في حقيقة أن الغالبية العظمى من حقوق الملكية الفكرية التي يؤدي ثمنها المغرب تغطيها براءات الاختراع الأجنبية. هذا التسليع التجاري للمعرفة لصالح الشركات متعددة الجنسيات (وخاصة الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات في البذور والمبيدات، وشركات الأدوية الكبيرة، وطبعا هذا العملاق الجديد الذي تم إنشاؤه مؤخرا بعد الاندماج بين شركتي مونسانتو Monsanto وباير Bayer) يترجم بوضوح أيضا من خلال ترحيل كبير للعملات نحو الخارج، حيث بلغ بالنسبة للمغرب 111 مليون دولار أمريكي في سنة 2014، بانخفاض طفيف عن سنة 2015 (معطيات البنك العالمي).

وتكمن إحدى النقاط الحساسة في هذا الملف في مسألة الأدوية الجنيسة. والواقع أن اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية أدخلت شرط الحصرية clause d’exclusivité الذي يمنح حق ملكية براءات الاختراع للاحتكارات الصيدلانية. ويريد الاتحاد الأوروبي إدراج نفس الشروط في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق ALECA، فضلا عن تمديد مدة حماية البراءات من 20 إلى 30 سنة، مما يهدد لسنوات طويلة إمكانية حصول الفقراء على الأدوية الجنسية. وهذا ما يفسر كون الائتلاف الوحيد الذي تشكل حتى الآن في المغرب داخل المجتمع المدني لمعارضة مفاوضات اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق بادر بتأسيسه القطاع الطبي والصيدلاني. وهو لا يزال خجولا جدا لأنه يقتصر على المطالبة باستبعاد الأدوية من مفاوضات ALECA.

ويواجه المغرب أيضا تعقيدا لقواعد المنشأ الخاصة بمختلف اتفاقات التبادل الحر الموقعة، التي تشمل العديد من النظم القانونية التي تتنافس أو تتداخل أو تتقاطع، مما يجعل تدبيرها معقدا ومكلفا. وفي هذه النقطة مرة أخرى، لا يسعى المغرب إلى حماية إنتاجه، أو المطالبة مع بلدان أخرى مثل جنوب أفريقيا أو الهند، على سبيل المثال، لتخفيف الضغط بموجب حقوق الملكية الفكرية. ولا تهدف الإصلاحات التي أجريت في العقد الماضي سوى إلى ملائمة قوانينه مع المعايير العالمية وشروط اتفاقات التبادل الحر التي وقعها، لصالح الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين[4].

الرابط الأصلي للمقال

نسخة للتحميل

نسخة للقراءة

يتبع

————–

*عمر أزيكي عضو أطاك المغرب والجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي (الاتحاد المغربي للشغل)

*لوسيل دوما: عضو أطاك المغرب

[1] – الآلية الأوروبية للجوار والشراكة، وورقة الاستراتيجية الإقليمية (2007-2013) والبرنامج الإرشادي الإقليمي (2007-2013) للشراكة الأوروبية المتوسطية.

[2] – أندرياس مارشيتي، سياسة الجوار الأوروبية: تأثير الرئاسة الألمانية على وضع سياسة استراتيجية. مدكرة رقم 45 لمركز التسجيل ومراجعة النماذج الإدارية. يوليوز 2007.

https://www.ifri.org/sites/default/files/atoms/files/ndc45marchetti.pdf

[3] – وهكذا، بالنسبة لقطاع الملابس، تمثل إعادة التصدير وفق نظام السماح المؤقت دون سداد رسوم جمركية بالنسبة للملابس الجاهزة 45 في المائة من إجمالي المبيعات في الخارج.

[4] – أنظر موقع المكتب الوطني للمليكة الصناعية والتجارية  http://www.ompic.org.ma

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube