الرئيسية / ملفات دراسية / الديون / السودان: الشعب تحت رحمة الديون

السودان: الشعب تحت رحمة الديون

قبل الخوض في الحديث عن المديونية وأثارها الكارثية على الشعب في السودان، بكونها آلية جديدة لاستعمار الشعوب، لابد لنا أن نقف لحظة سريعة على ماضي السودان ونرى كيف عمل المستعمر على وأد مشروع تحديث السودان، وبعد خروجه كيف عمل على تقييد البلد بأغلال المديونية كآلية لتكريس التبعية.

بداية التقسيم الطبقي في المجتمع السوداني

يبدو أن تاريخ السودان يختزل جزءا هاما من تاريخ بقية بلدان إفريقيا، وأحيانا يتماهى ذكر السودان مع إفريقيا في مجملها، للبلد جذور ضاربة في عمق التاريخ البشري، لما قدمه طيلة قرون من تنوع في الثقافات والحضارات المتعاقبة  على ضفاف نهر النيل الأزرق وبلاد النوبة منذ عقود.

في هذه الفترة كانت الصراعات محتدة بين مماليك وإمارات عشائرية هنا وهناك، إلى أن قام  الغزو التركي- المصري للبلاد، كمحاولة أولى لمركزة القرار السياسي في يد حفنة من الرأسماليين ووضع أولى أسس وركائز التصنيع من أجل بناء دولة حديثة قابلة للنهب.

خلال هذه المرحلة تم ربط الاقتصاد السوداني الهش بالسوق العالمية عن طريق تصدير المنتجات إلى الخارج (منتوجات زراعية وحيوانية والعاج وريش النعام…)، بالإضافة كذلك إلى رفع قيمة الضرائب.

استفادت شريحة من التجار والوسطاء من هذا الوضع مقابل حياة البؤس والعذاب للغالبية من الفقراء. نالت السودان استقلالها – الأول –  بعد مقاومة شرسة للاستعمار سنة 1885.

ظل الاستقرار هشا والدولة شبه مفككة إلى حين قدوم الجيوش البريطانية والمصرية الخديوية لاحتلال البلد مجددا سنة 1898، أي بعد استقلال مؤقت دام زهاء 13 سنة.

ساهمت الإمبريالية البريطانية في تحديث شمال البلد وبعض من أطرافه الغنية بالموارد، سيرا على نهج المصريين والأتراك سابقا، لكن هذه المرة بشكل أكثر تطورا وأشد مركزة، بعد إدخال الآلات وتشييد المشاريع والمنشئات الضخمة من طرق وسكك حديدية وموانئ وتطوير نظام الري واستصلاح آلاف الهكتارات من الأراضي وحتى تملكها بالقوة (زراعة القطن الذي شكل 60% من الصادرات ) وغيرها من الإجراءات الضرورية لتهريب الثروة إلى الخارج بتعاون تام مع البرجوازية المصرية وجهاز دولتها الخاضع كليا لبريطانيا، إلى أن حظي السودان باستقلاله (الشكلي) في 1 يناير سنة 1956.

خرجت السودان من القبضة الاستعمارية المباشرة للإمبريالية، لكنها ظلت مرتهنة كليا لأسيادها الحكام ورجال الأعمال الأغنياء المصريين والغربيين مدة طويلة بفعل تغيرات وتحولات سياسية محلية ودولية (الانقلابات العسكرية، الانتفاضات الجماهيرية، الأزمة العالمية…).

بدأ حكام السودان في السعي نحو جلب رؤوس الأموال الغربية والعربية للاستثمار في الاقتصاد الوطني، بعد عقد اتفاقية استخراج البترول في الجنوب مع شركة شيفرون الأمريكية وصياغة قوانين لتشجيع الاستثمار الأجنبي، كان هذا في عهد الرئيس النميري.

المديونية في السودان من ديكتاتور إلى أخر

أفلس النميري في مسعاه لتشجيع رؤوس الأموال والاستثمارات الغربية للنهوض بالاقتصاد، رغم مساندة الامبريالية الفرنسية له، بل لم تستند الاستثمارات إلى مشروعات مدروسة لتساهم في دعم الإنتاج ( التنمية ) والبنيات التحتية، مثل مشروع النسيج أو مشروع قناة جونقلي التي تأثرت بالحرب بشكل مباشر، علاوة أن الإنتاج الصناعي لم ينمو سوى بنسبة 1.3% خلال عقد السبعينات، حيث سجل تراجعا حادا بنسبة 4.2% مقارنة بفترة الستينيات حيث حقق حينها 5.5% .

وتراجعت مساهمة الصناعة الوطنية في الناتج الإجمالي الوطني من 9% في سنة 1971 إلى 8.2%  في 1980. هذا وارتفع تضخم العجز في الميزان التجاري بـ 10 مرات لتحقق السودان رقما قياسيا في وارداتها التي تضاعفت ثلاثة مرات مقارنة بصادراتها. ليدخل البلد في مصاف الدول التي تعيش على المعونة في وقت مبكرا جدا، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية راعية هذه المعونات.

أمام اشتداد الأزمة عمل النظام الديكتاتوري على رهن البلد للمؤسسات المالية للخروج من محنته على حساب قوت الشعب، حين بلغت القروض السنوية لصندوق النقد الدولي ما يناهز 300 مليون دولار مابين سنة 1979 – 1982.  تطور مجمل الدين الخارجي سنة 1978 إلى 3.6 مليار دولار، وارتفع إلى 5 مليار في سنة 1982.

خلف هذا الوضع أثارا كارثية مابين سنة 1970- 1982 حيث ارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة 800%. وازداد عدد الفقراء والعاطلين عن الشغل، في هذه الفترة عرفت السودان هزات اجتماعية عمالية وطلابية.

fdd

 

ازداد الوضع قتامة بعد انقلاب الجنرال عمر البشير الذي فشل هو الأخر في تدبير أزمة الاقتصاد السوداني، حيث لجأ إلى سياسة شد الحزام والتضحية بالقطاع العام عبر خصخصته لانقاد نظامه المأزوم، عندما سجلت كوارث حقيقية هزت الاقتصاد السوداني بانخفاض الصادرات من 550 مليون دولار سنة 1989 إلى 210 مليون دولار في سنة 1994، وبلغت حدة التضخم مستوى قياسي وصل إلى 150% وارتفعت الأسعار بنسبة 1500%، وتراجع الحد الأدنى للأجور من 40 دولار إلى 12 دولار في الشهر الواحد.

في سنة 1993 واصلت الديكتاتورية في رهن البلد للمؤسسات المالية الدولية بعد أن ارتفعت ديون السودان الخارجية بشكل مهول.

ديون مقيتة وغير شرعية ترهن البلد للمؤسسات المالية العالمية

أصبحت السودان عاجزة تماما عن سداد ما بذمتها من الديون المتراكمة لأسيادها المانحين في أوربا وبعض البنوك في البلدان العربية.

للحفاظ على ديكتاتورية العسكر وضع البشير كل مقدرات البلد وخيراته بين يدي رؤوس الأموال والمستثمرين الأجانب ورجال الأعمال المحليين ورهن السودان للبنوك والصناديق المالية الدولية.

تبلغ قيمة أصل الدين حوالي 12 مليار دولار، وارتفعت مديونية السودان الخارجية بنسب كبيرة جدا فاقت كل التوقعات، حيث قفزت خدمة الدين (حصة الدين الأصلي + الفوائد) من 20 مليار دولار سنة 2000 إلى 30 مليار دولار سنة 2007، لتصل إلى 41.4 مليار دولار سنة 2011 أي حوالي 64.8% من الناتج الداخلي الخام، إلى أن بلغت  43.7 مليار دولار سنة 2012 ثم انتقلت خدمة الدين في مجملها إلى 45 مليار دولار في 2013  أي 96.7 % من الناتج الداخلي الخام حسب صندوق النقد الدولي.

ccc

 

و يستحوذ نادي باريس وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والبنك الإسلامي للتنمية (وبنوك عربية وأفريقية أخرى) على مجمل الديون الخارجية للسودان بحيث أصدرت وزارة المالية تقريرا قدرت فيه مديونية صندوق النقد الدولي بحوالي 38% ودين البنك العالمي ب 33% من إجمالي حجم المديونية الخارجية.

الامبريالية:  لا تعفي أحدا عن السداد

أمام هول تراكم الديون وعجز السودان عن الأداء، طلبت هذه الأخيرة من بعض الدائنين إعفائها من السداد، والحصول على مساعدات لتخفيف أعباء الديون، في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون “الهيبك” التي أطلقها كل من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

مبادرة مكبلة بمجموعة من الشروط القاسية والمجحفة، لا تستطيع دولة فقيرة مثل السودان الالتزام بها، كما أن شروط المبادرة الاقتصادية والسياسية غير متوفرة في بلد مزقته الحرب الأهلية على مدار عقود (بلغ الانفاق العسكري في السنوات 2004- 2009حوالي 10 مليارات دولار وقد وجهت في الصراع الحربي الدائر في دارفور)، ما يعني أنه لا مفر من أداء الديون، هذا دون التنازلات السياسية التي تطالب بها الولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص اتفاق السلام “نيفاشا” و مشكلة دارفور وكردفان و النيل الأزرق.

وتتخذ المؤسسات الإمبريالية من جرائم عسكر السودان ذريعة لعدم الاستجابة لمطالب تخفيف أعباء الدين الخارجي، كما وضح ذلك رئيس بعثة صندوق النقد الدولي للسودان سنة 2013 ادوارد جميل بشكل لا لبس فيه: “سيكون من شبه المستحيل بالنسبة للسودان إعفاء ديونه حتى إذا أوفى بكافة المتطلبات الفنية والاقتصادية، والسبب في ذلك هو أن الأمر مرتبط بقضايا سياسية تتطلب جهودا في العلاقات العامة مع الدول الأعضاء في نادي باريس”.

يتم ربط منح الدعم وتقديم المساعدات، بالتزامات وقيود تماثل ما يمليه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فيما يخص التحكم في الشؤون الداخلية للبلدان الدائنة.

تقوم مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون “الهيبيك”على أساس تخفيف عبئ الديون من أجل الرفع من نسبة النمو، وهو أمر مستحيل تماما فمثلا السودان حتى لو التزمت بكافة الشروط الفنية المطلوبة إلا أنه يتوجب عليها إقناع كافة الدول الأعضاء في نادي باريس بدون استثناء، وفي حالة رفض دولة واحدة فإن الإعفاء لن يتم.

كما جاء على لسان رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى السودان: “أية صفقة لإعفاء ديون السودان تتطلب الموافقة بالإجماع من قبل 55 بلدا الأعضاء في نادي باريس وهو أمر غير وارد الحدوث”.

مع كل هذا القدر من انبطاح النظام العسكري لأسياده الغربيين لم يحقق أي مسعى تفاوضي مهم لإعفائه من الديون أو أي تنازل مادي من جانبهم، فالرأسماليون يطالبون بالمزيد من نهب الشعوب لا إعفائها من السداد وأداء ما بذمة حكامها من مليارات.

بعد فشل البشير توجه إلى الداخل هذه المرة ليس من أجل تعبئة الكادحين من أجل رفض السداد وتحسين الوضع المعيشي وإنما من أجل تصريف الأزمة على حساب الشعب باعتماد برامج إصلاح تقشفية خطيرة تزيد الوضع تدهورا وانحدارا في اتجاه الهاوية.

نحو برامج الإصلاح

بعد فشل المخططات الثلاثية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والزيت والسكر، دخلت السودان مؤخرا في تطبيق برنامج اقتصادي خماسي بإملاء من صندوق النقد الدولي، لتحسين مردود الاقتصاد في ظروف صعبة جدا، حيث فقدت السودان موارد مالية نفطية مهمة بعد انفصال الجنوب (ثلاثة أرباع احتياطي النفط ونصف الإيرادات المالية)، تستند الخطة الخمسية إلى حزمة من الإجراءات التقشفية، بخفض التشغيل في المؤسسات العامة و تخفيض الأجور  وخوصصة القطاعات العامة والرفع من الضرائب… وغيرها، أي خفض النفقات العمومية وتملص الدولة من التزاماتها تجاه الشعب لصالح الرأسمال.

الشعب تحت رحمة المؤسسات المالية العالمية

حل السودان في المرتبة 171 من بين 186 بلدا في مؤشر التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنة 2012، مؤشر يعكس مدى تدهور الوضع المعيشي للسكان بفعل أمالي صندوق النقد الدولي الذي يوصي بتقليص النفقات ورفع الدعم عن الوقود وغيره من الإجراءات التقشفية، كما يوصى الصندوق لتخفيف آثار سياساته الكارثية باتخاذ تدابير لدعم الفئات المعوزة مثل صندوق الزكاة الذي تستفيد منه 4.5 مليون أسرة.

حوالي 75% من سكان السودان فقراء، (26.5% من سكان المدن و57.6 % من سكان الريف) يعيش منهم 15 مليون شخص تحت خط عتبة الفقر، يمتهن غالبيتهم حرف يدوية بسيطة لا تكفي لسد ضروريات الحياة من الماء والتغذية والسكن.

هذا وتغطي الخدمات الصحية حوالي 40% من السكان الفقراء فقط، وهو رقم مخيف تماما. يعيش خمس سكان البلاد على المساعدات الأجنبية، ويتفاقم الوضع أكثر كلما استعرت الحروب الداخلية في المناطق المتنازع عليها، ويعيش حوالي 2.2 مليون سوداني كلاجئين داخل وطنهم بسبب النزاعات المسلحة في دارفود و كردفان وغيرها.

في سنة 2010 بلغ معدل الوفيات الرضع 71 وفاة لكل 1000 مولود حي، حسب نشرة صندوق النقد الدولي في 18 يوليوز 2011.

وتصل نسبة الأمية في السودان إلى 31.8%، بحيث أن 27% من الفئات العمرية مابين (10- 19) غير متمدرسة ويبلغ عددهم الإجمالي 2 مليون طفل 80% يقطنون الريف، أما الأمية في صفوف الإناث مابين سن (24- 10) فتصل إلى 45 %  بالمناطق الريفية، أما معدل البطالة فقد وصل سنة 2010 إلى40% .

أرقام ومعطيات تعكس ما وصل إليه الوضع المعيشي في السودان بعد تراكم المديونية وسياسة شد الحزام التي يتبعها البشير الذي يحظى بالدعم و الرضا التام من الامبريالية.

من أجل إلغاء ديون السودان و كل الدول الفقيرة:

 تعمل دول الشمال الرأسمالية على تهريب ثروات البلدان الإفريقية في اتجاه السوق والبنوك البرجوازية، عملية نهب تتم تحت يافطة الديون والمساعدات والاستثمارات عن طريق شركات عابرة للقارات، تستنزف هذه المؤسسات العملاقة خيرات البلدان المتخلفة اقتصاديا بمساعدة ديكتاتوريات عسكرية تم تنصيبها لهذا الغرض، وهو حال السودان وغيرها.

فلا تنمية حقيقية للسودان أو لغيره من البلدان الإفريقية الغارقة في كماشة الديون غير رفض الأداء بدل استجداء الإعفاء من المؤسسات المالية العالمية المجرمة في حق الشعوب.

 

الهوامش:

  • الأمين عبد الباقي دراسة حول الإصلاح الزراعي في مشروع الجزيرة، منشور سنة 2011 على موقع com
  • إجلال رأفت، انعكاس قيام دولة الجنوب على الوضع في السودان وعلى دول الجوار، منشور بتاريخ :10 فبراير 2011 على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياساتorg . Dohainstitute
  • السودان تدعو بريطانيا إلى شطب ديون بقيمة 43 مليار دولار منشور على موقع أخبار الخليج
  • حسام الحملاوي، السودان: الجنوب والشمال والثورة، منشور على موقع revsoc
  • النقد الدولي : السودان لن يستطيع إعفاء ديونه الخارجية، منشور بتاريخ 10 أبريل 2013 على موقع com.sudantribune
  • البنك المركزي السوداني : الديون الخارجية للسودان بلغت 29.3 مليار دولار بنهاية العام الماضي منشور بتاريخ 17 أبريل سنة 2008 على موقع people
  • أبوبكر عثمان: ديون السودان الخارجية .. الدبلوماسية مقابل العفومنشور بتاريخ   6 يوليوز 2013 على موقع .net
  • 40 مليار متأخرات الديون : 45 مليار دولار ديون السودان منشور بتاريخ 4 سبتمر سنة 2014 على موقع التغيير صحيفة الكترونية سودانية
  • ماهر أبو جوخ: تفاصيل برنامج الإصلاح منشور بتاريخ 19 سبتمبر 2013 على موقع السوداني.
  • السودان يعلن عن تنفيذ برنامج خماسي إصلاحي للاقتصاد . منشور بتاريخ 12 أكتوبر سنة 2014 على موقع الطريق السوداني.
  • الناجي محمد حامد: أثار برامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي على سوق العمل. منشور على موقع التنوير المعرفي.

 

  • السودان معلومات أساسية منشور بتاريخ 26 يونيو 2012 على موقع الجزيرة نت.
  • إنعام عمر ديون السودان الخارجية..تقاطعات السياسة والحسابات
  • عبد الحليم عيسى، ورشة دارفور : ورقة التداعيات الاقتصادية للحرب.
  • التقرير القطري رقم 14/364 الصادر عن صندوق النقد الدولي ديسمبر 2014.
  • علي يسري، في أصل المسألة السودانية، منشور بموقع الاشتراكيون الثوريون.

** الرسومات المبيانية: عمل خاص

علي أزناك

أطاك المغرب

مجموعة كلميم والنواحي

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube