في إطار اليوم النسوي الذي نظمته جمعية أطاك المغرب يوم 28 مارس 2026 بالرباط، تحت شعار: “النسوية في قلب النضال ضد النيوليبرالية والاستبداد والعسكرة”، ننشر نص مداخلة أميمة جماد، المناضلة النسوية بالجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء.
شهدت عدة مناطق في المغرب، من فكيك إلى خنيفرة والحوز، مرورًا بالمناطق الصناعية والأحياء الهامشية، تصاعدًا في احتجاجات قادتها النساء أو سجلت حضورًا نسائيًا قويًا، تمحورت حول قضايا ترتبط بشروط العيش الأساسية، من قبيل الماء والصحة والسكن والعمل. وقد عكس هذا الحضور النسائي تحوّلًا في أشكال الفعل الجماعي، حيث برزت النساء في قلب المجال العام بوصفهن فاعلات يحملن مطالب اجتماعية وسياسية متداخلة.
في هذا السياق، اتخذ حضور النساء داخل هذه الديناميات الاحتجاجية طابعًا يتجاوز مجرد المشاركة، بما أعاد صياغة موقعهن داخل الفعل السياسي، وأبرزهن كطرف فاعل في إنتاج الخطاب الاحتجاجي وتوجيهه، انطلاقًا من تجاربهن المعيشة ومواقعهن داخل بنية اجتماعية تُسهم في إنتاج الهشاشة على نحو غير متكافئ.
وترتبط هذه الاحتجاجات بسياق أوسع يتسم باختلالات بنيوية في توزيع الموارد وفي الولوج إلى الحقوق الأساسية، مما يجعل هذه المطالب تعبيرًا واضحًا عن توترات عميقة داخل المجتمع. كما تكشف هذه الديناميات عن وجوه بنيوية ومؤسساتية للعنف، تتجلى في السياسات العمومية، وأنماط تدبير الخدمات، وأشكال اللامساواة التي تؤثر بشكل خاص في النساء.
في هذا الإطار، يبرز تناقض بين الخطابات المتداولة حول «تمكين النساء» وبين التجارب المعيشة التي تكشف حدود هذا المفهوم في صيغته المؤسساتية. وفي المقابل، تعيد هذه الاحتجاجات طرح التمكين بوصفه ممارسة سياسية جماعية ترتبط بإعادة توزيع السلطة وبالقدرة على التأثير في شروط العيش.
تنطلق هذه الورقة من تحليل هذه الديناميات لفهم ما تحمله من دلالات حول تحولات الفعل السياسي، وحول موقع النساء داخل هذه التحولات، في ارتباطها بقضايا الموارد والحقوق والعدالة الاجتماعية.
إعادة تعريف التمكين: من الإدماج إلى استعادة السلطة
في سياق قراءة الوضع الراهن، يتضح أن المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاحتجاجات في مناطق متعددة، قادتها نساء أو عرفت مشاركة نسائية قوية. وتعكس هذه الديناميات واقعًا اجتماعيًا متشابكًا يرتبط بعلاقات القوة، وببنية اجتماعية واقتصادية وسياسية تُسهم في إعادة إنتاج أشكال يومية من العنف ضد النساء.
ويكتسب هذا العنف طابعًا بنيويًا يتجلى في طريقة صياغة السياسات العمومية، وفي أنماط توزيع الموارد، وفي الولوج غير المتكافئ إلى الصحة والتعليم والسكن والعمل والحماية الاجتماعية. ويشكّل هذا الوضع جزءًا من الكيفية التي يُنظَّم بها المجتمع، حيث تتقاطع الاختيارات السياسية مع البنى الاجتماعية في إنتاج أشكال مستمرة من اللامساواة.
ويتعزز هذا الواقع عبر أشكال متعددة من التطبيع مع العنف، حين تُقدَّم معاناة النساء بوصفها أمرًا عاديًا أو ثانويًا أو قابلًا للتبرير. وتُظهر أوضاع العاملات، كما في حالة العاملات الصامدات بمكناس، كيف يُبرَّر الإهمال وسوء المعاملة بخطابات تعيد إنتاج المنطق الاجتماعي نفسه: اعتبار دخل النساء دخلًا ثانويًا، وتحميل الرجال مسؤولية الإعالة، وتوقّع قبول النساء بشروط عمل مجحفة. ويسهم هذا المنطق الاجتماعي الذكوري في ترسيخ البنية ذاتها التي تُبقي كثيرًا من النساء في أوضاع هشّة.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد خطاب حول «تمكين النساء» و«إدماجهن في سوق الشغل»، وهو خطاب يطرح تساؤلات جوهرية حول مضمونه وحدوده. ففي كثير من الحالات، يعكس هذا الخطاب تصورًا يختزل التمكين في الإدماج الاقتصادي، أو في تحسين بعض المؤشرات، أو في دعوة النساء إلى التكيف الفردي مع شروط غير عادلة.
وتقدم الأدبيات النسوية تصورًا مغايرًا للتمكين، يقوم على البعد السياسي للمفهوم. ويرتبط التمكين، في هذا التصور، بقدرة النساء على اتخاذ القرار في حياتهن، وعلى التأثير في الشروط التي تنظمها. ويشمل ذلك الولوج إلى سوق الشغل، مع امتلاك القدرة على مساءلة بنيته: من ينظمه؟ وكيف تُوزَّع الموارد داخله؟ ومن يُقصى منه؟
وفي هذا الإطار، تعرّف الباحثة نيلا كابير التمكين بوصفه عملية ثلاثية الأبعاد تجمع بين الموارد، والقدرة على الفعل، وتحقيق الاختيارات. وتشمل الموارد المال والمعرفة والمهارات والدعم الاجتماعي، بينما تعكس القدرة على الفعل إمكانية تحديد الأهداف واتخاذ قرارات مؤثرة، ويجسد تحقيق الاختيارات ترجمة هذه القدرة إلى نتائج ملموسة في حياة النساء ومحيطهن.
ويحمل هذا التصور بعدًا سياسيًا وهيكليًا واضحًا، إذ يرتبط التمكين بتفكيك علاقات القوة، وتحدي البنى الأبوية، وتعزيز قدرة النساء على التحكم في مسارات حياتهن. كما تبرز، في بعض المقاربات النسوية، ترجمة مفهوم « empowerment » بوصفه « استعادة السلطة » أو « استرجاع القدرة على الفعل »، بدل اختزاله في معنى « الاستقلالية » أو « الأوتونوميا » بمعناها الفردي الضيق. وتحيل هذه الدلالة إلى استرجاع النساء لقدرتهن على التأثير في حياتهن، وجعل أصواتهن مسموعة، وتحديد احتياجاتهن بأنفسهن، والمشاركة في صياغة الشروط التي تنظم وجودهن.
وهكذا ينتقل التمكين، في هذا السياق، من كونه أداة للإدماج إلى كونه مسارًا لإعادة توزيع السلطة، يرتبط بالوعي، والدفاع عن الحقوق، وبناء أشكال من التضامن والفعل الجماعي، بما يسمح بإعادة طرح الأسئلة حول البنية التي تنتج اللامساواة، بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
التمكين بوصفه استعادة للسلطة في الفعل الاحتجاجي
في هذا الإطار، وبوصفي عضوةً في الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء، ساهمتُ في إعداد التقرير السنوي للمرصد المغربي للعنف ضد النساء «عيون نسائية» لسنة 2025، الذي سعى إلى تفكيك واقع سياسي واجتماعي متكامل، تتشكل فيه الاحتجاجات بوصفها تعبيرًا واضحًا عن ضغط شروط العيش وعن اختلالات عميقة في بنية توزيع الموارد.
وتعكس هذه الديناميات ثقل الأوضاع المعيشية، حيث تفرض الضرورة نفسها دافعًا أساسيًا للاحتجاج، في ارتباط وثيق بالإحساس باللاعدالة وبالإقصاء الاجتماعي. وتظهر المطالب التي ترفعها النساء، من الماء والصحة والسكن إلى الحق في الشغل، مدخلًا لفهم أزمة أوسع تتعلق بكيفية تنظيم المجتمع، وباختلال توزيع الثروة، وبالسياسات التي تُسهم في مراكمة الهشاشة في صفوف النساء بشكل خاص.
وتحمل هذه المطالب، في عمقها، مساءلةً صريحةً لمنطق توزيع الموارد، ولدور الدولة في تنظيم الحماية الاجتماعية، ولمسؤولية الاختيارات السياسية في إنتاج هذا الوضع. ومن ثم، يكتسب الاحتجاج دلالته السياسية الواضحة، حيث تتحول المطالب اليومية إلى نقد لنموذج اقتصادي واجتماعي يعيد إنتاج الفوارق، ويُفاقم كلفة الهشاشة بالنسبة إلى النساء.
وتجسد النساء اللواتي خرجن في فكيك وخنيفرة والحوز والمناطق الصناعية، وفي مدن مثل مكناس وطنجة، وكذلك في شتوكة آيت باها، وفي الأحياء التي تعرف تحولات عمرانية قسرية، موقع الفاعل السياسي بكل ما يحمله ذلك من معنى. فهنّ يبنين أشكالًا من التنظيم، ويحتللن الفضاء العام، ويواجهن أشكالًا من التضييق والعنف، ويحوّلن التجارب الفردية إلى مطالب جماعية واضحة ومؤطرة.
وفي هذا السياق، يبرز الاحتجاج النسائي بوصفه إعلانًا عن حضور يعيد رسم حدود الفضاء العام، ويعيد تحديد من يملك الحق في التعبير والتأثير والمشاركة في اتخاذ القرار. كما يكشف عن دينامية جديدة في الفعل السياسي، تنطلق من التجربة اليومية، وتعيد صياغة العلاقة بين المطالب الاجتماعية والبنية السياسية التي تنتجها.
النساء في قلب حراك جيل Z
ما يُقدَّم غالبًا باعتباره عنصرًا مُفجِّرًا، مثل حالات وفاة نساء أثناء الوضع داخل مستشفى عمومي، يطرح نفسه بوصفه مؤشرًا دالًّا على اختلالات عميقة في ضمان الحقوق. فوفاة النساء في سياق يُفترض أن يضمن الحماية والرعاية الصحية تعيد طرح سؤال جوهري حول مدى إعمال الحق في الصحة، كما هو منصوص عليه في المرجعيات الدولية والدستورية، وحول شروط الولوج الفعلي إلى خدمات صحية آمنة ولائقة ومتاحة دون تمييز. ولا ينبغي اختزال هذه الوفيات في أرقام أو مؤشرات، لأنها تطرح دلالات تتجاوز الحدث في ذاته، وتكشف حدودًا فعلية في حماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية.
وتكشف هذه الوفيات حدود المقاربات التي تركز على توفر الخدمات دون مساءلة جودتها واستمراريتها وعدالة توزيعها مجاليًا. كما تُبرز فجوة واضحة بين الاعتراف النظري بالحقوق وإمكانية ممارستها فعليًا، خاصة بالنسبة إلى النساء اللواتي يواجهن وضعيات هشاشة مركبة ترتبط بالنوع الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، والموقع الجغرافي.
وفي هذا الإطار، تُعدّ وفاة النساء أثناء الولادة مؤشرًا على كيفية ترتيب الأولويات داخل السياسات العمومية، وعلى موقع الصحة الإنجابية ضمنها. كما تشير إلى محدودية إدماج مقاربة قائمة على الحقوق في تصميم السياسات وتنفيذها، بما يشمل مبادئ المساواة، وعدم التمييز، والمسؤولية، وقابلية المساءلة.
كما تبرز هذه الوفيات الترابط الوثيق بين الحق في الصحة وباقي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خاصة تلك المرتبطة بالحماية الاجتماعية، والنقل، وظروف العيش. فهذه الأبعاد مجتمعة تحدد إمكانية الولوج إلى الرعاية الصحية في الوقت المناسب وبالشروط الملائمة، وتكشف كيف تتراكم عوامل الهشاشة بما يجعل بعض النساء أكثر عرضة لفقدان حياتهن.
وفي قلب حراك جيل Z، يبرز حضور نسائي يعيد صياغة موقع النساء داخل الفعل السياسي. فالمطالب التي رُفعت بدت، في ظاهرها، بسيطة ومباشرة: الحق في الصحة، والتعليم، والعيش الكريم، والكرامة الإنسانية. غير أن هذه المطالب، في عمقها، تكشف عن مساءلة شاملة لبنية اجتماعية واقتصادية تُسهم في إنتاج الهشاشة على نحو غير متكافئ، وتعيد توزيع المخاطر والأعباء بما يثقل كاهل النساء بشكل خاص.
ويعكس الحضور النسائي في قلب هذا الحراك تحولًا نوعيًا؛ إذ لم تعد النساء يُقدَّمن بوصفهن ضحايا في حاجة إلى التضامن فحسب، بل بوصفهن فاعلات سياسيات يحملن مطالب واضحة وينخرطن في الفعل الاحتجاجي بشكل مباشر. ويعيد هذا التحول تعريف التمكين بوصفه ممارسة يومية للفعل السياسي، حيث لا تواكب النساء الحراك فقط، بل يساهمن في صناعته، وتحديد لغته، وتوجيه مساراته.
كما يكشف هذا الحراك عن بُعد تقاطعي واضح، إذ تنتمي النساء المشاركات إلى مسارات اجتماعية متعددة: طالبات، ومستخدمات، وعاطلات، ونساء من أحياء شعبية، ومن مناطق حضرية وقروية. وتحمل كل واحدة منهن أشكالًا متداخلة من الهشاشة، ترتبط بالنوع الاجتماعي، والوضع الاقتصادي، والموقع الجغرافي، وبأنماط الولوج غير المتكافئ إلى الموارد والخدمات. وداخل الحراك، يمكن أن تتحول هذه الهشاشات من عوامل للإقصاء إلى موارد للفعل، وإلى أرضية لبناء وعي جماعي يعيد ربط التجارب الفردية ببنية أوسع من اللامساواة.
وفي المقابل، رافق هذا الحضور النسائي تصاعدُ أشكال متعددة من العنف، بما يكشف حدود الاستجابة المؤسساتية أمام هذا التحول. فقد وثّقت المعطيات المتاحة اعتقالات طالت نساءً وفتيات، بما في ذلك قاصرات، في سياق يعكس اتساع دائرة الاستهداف. كما برزت حالات صادمة، من بينها توقيف رضيعة رفقة والدها بطريقة عنيفة، بما يثير أسئلة جدية حول احترام الحقوق الأساسية.
كما سُجِّلت إصابات جسدية ناجمة عن تدخلات أمنية عنيفة، رافقها عنف لفظي قائم على النوع الاجتماعي، استهدف النساء في أجسادهن ومظهرهن ولباسهن، بما يحمله ذلك من حمولة رمزية تنطوي على الإهانة والتقليل من الشرعية. وامتدت هذه الممارسات إلى فضاءات الاحتجاز، حيث رُصدت ظروف مهينة شملت الاكتظاظ، وغياب المرافق الأساسية، والحرمان من النوم والطعام، إلى جانب ممارسات ضغط وتخويف من شأنها أن تثني الشابات عن التبليغ.
ولم يقتصر هذا العنف على المحتجات فقط، بل امتد إلى محيطهن العائلي، حيث سُجِّل استهداف أمهات الموقوفين، ومن بينهن امرأة مسنّة تعرضت للعنف أثناء محاولتها الحصول على معلومات حول أحد أقاربها. كما وُثِّقت مشاركة عناصر نسائية ضمن وحدات أمنية بلباس مدني في اعتقال محتجات بعنف. وهذا الحضور النسائي، الذي يُفترض أن يسهم في حماية المتظاهرات، قد يتحول في الممارسة إلى آلية تُضفي على العنف طابعًا من «الحياد»، وتعيد إنتاجه داخل خطاب يوحي باعتماد مقاربة جندرية. وهو ما يطرح إشكالًا حول كيفية توظيف هذه المقاربة داخل الأجهزة الأمنية: هل يتعلق الأمر فعلًا بحماية النساء، أم بإعادة تأطير العنف على نحو يجعله أكثر قابلية للقبول داخل الفضاء العام؟
وعلى المستوى القانوني، يبرز اللجوء إلى مقتضيات من القانون الجنائي في متابعة أشكال من الاحتجاج، عبر تهم من قبيل «التجمهر غير المرخص»، و«العصيان»، و«إهانة موظفين عموميين»، في سياق يُسجَّل فيه الضغط أثناء تحرير المحاضر، بما يثير تساؤلات بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، وصدور أحكام وُصفت في عدد من المتابعات الحقوقية بأنها غير متناسبة مع الأفعال المنسوبة. كما يمتد هذا التضييق إلى التعبير الرقمي، حيث تصبح الآراء والمنشورات موضوعًا للملاحقة، خاصة حين تصدر عن نساء ينتقدن السياسات أو ينددن بالفساد.
وتندرج هذه الممارسات ضمن ما يمكن توصيفه بالعنف السياسي والمؤسساتي، الذي يتقاطع مع بنية اجتماعية أبوية قائمة على تأديب النساء وإقصائهن، وإعادة تحديد حدود المقبول لوجودهن داخل الفضاء العام. فكثيرًا ما تُعامَل النساء المحتجات بوصفهن حالات ينبغي ضبطها، لأن حضورهن يكسر صورة نمطية راسخة تربط النساء بالصمت والانضباط، ويجعل مشاركتهن السياسية في موقع مساءلة للنظام الرمزي القائم.
وفي هذا السياق، تتحول مشاركة النساء في الاحتجاج إلى فعل مزدوج: مطالبة بالحقوق من جهة، والدخول في مواجهة مع منظومة تعيد إنتاج التفاوتات من جهة أخرى. كما يكشف هذا الحضور عن هشاشة المؤسسات، سواء في قدرتها على ضمان الحماية دون تمييز، أو في تعاملها مع أدوار نسائية متحولة تفرض نفسها داخل المجال العام. وبهذا المعنى، يمثل حراك جيل Z تحولًا في أشكال الفعل السياسي، حيث يغدو مجالًا لاستعادة السلطة، وإعادة تعريف موقع النساء بوصفهن فاعلات سياسيات قادرات على إعادة تشكيل الفضاء العام، وفرض أنفسهن كجزء من معادلة القرار.
خاتمة
من فكيك إلى خنيفرة والحوز، مرورًا بالمصانع والأحياء التي تعرف تهجيرًا قسريًا تحت مسميات «إعادة الهيكلة» أو «التأهيل الحضري»، تكشف هذه المواقع، على اختلافها، عن منطق مشترك يعيد ترتيب المجال والموارد على حساب الفئات الأكثر هشاشة، ويدفع بالنساء إلى واجهة المواجهة.
ما يتشكل هنا هو فعل احتجاجي ممتد، ينطلق من الحياة اليومية، ويربط بين قضايا تبدو متفرقة: الأرض، والماء، والسكن، والعمل، والجسد. ويعكس هذا الترابط تنوع المطالب، كما يكشف عن وحدة البنية التي تنتجها، وعن وعي يتبلور تدريجيًا، يربط بين هذه القضايا بوصفها تعبيرًا عن المنظومة نفسها.
ومن منظور نسوي تقاطعي، تندرج هذه النضالات ضمن صراع أوسع حول إعادة توزيع الموارد والسلطة. إنها تضع النساء في مواجهة مع ترتيبات اقتصادية واجتماعية تدفع بكلفة التحولات نحوهن، خاصة في مواقع الهشاشة. وفي المقابل، تطرح هذه النضالات منطقًا آخر، ينطلق من الحق في العيش، ومن الكرامة، ومن أولوية الحياة على منطق الربح.
وفي هذا السياق، تتشكل أشكال جديدة من الوعي والتنظيم، تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية، وتؤسس لتضامنات تنطلق من التجربة المعيشة، وتعيد تعريف ما يُعدّ قضية عامة. وتبرز النسوية هنا بوصفها أفقًا سياسيًا يربط بين هذه النضالات، ويمنحها معنىً جماعيًا، ويفتح إمكان مساءلة البنية التي تعيد إنتاج اللامساواة. فالرهان ليس إدماج النساء داخل بنية قائمة، بل إعادة التفكير في هذه البنية نفسها، بما يفتح أفقًا أوسع للعدالة والكرامة والحرية. ومن هذا المنظور، لا تنفصل الأرض عن الجسد، ولا تنفصل الموارد عن الحق في الحياة، بل تتقاطع جميعها داخل مطلب واحد: استعادة ما يجعل العيش ممكنًا وعادلًا. لذلك، يظل الأفق الذي تحمله هذه النضالات هو أفق الحرية والكرامة والحق في تقرير المصير الجماعي.
الحرية لجميع المعتقلات والمعتقلين.
أميمة جماد، مناضلة نسوية في الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء