العدوان العسكري على فنزويلا …  حسب رأي فرانك غوديشو

يرى المؤرخ المتخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، فرانك غوديشو، أن العدوان العسكري على فنزويلا يعكس ملامح إمبراطورية آخذة في الانحدار، لكنها في الوقت نفسه باتت أكثر شراسة وخطورة من أي وقت مضى.

فرانك غوديشو Franck Gaudichaud  وغي زوركيندن    Guy Zurkinden

بحسب غوديشو، فإن الهجوم الأمريكي على فنزويلا يهدف أساسًا إلى السيطرة على ثرواتها النفطية الهائلة، إضافة إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية. ويؤكد أستاذ التاريخ والدراسات اللاتينية المعاصرة بجامعة تولوز أن دونالد ترامب يسعى إلى وضع فنزويلا تحت شكل جديد من الوصاية الاستعمارية، مع احتمال التوصل إلى تفاهمات مع جزء من جهاز الدولة التشافيزي.

وفي ظل خضوع معظم القوى الغربية الكبرى للسياسات الإمبريالية العدوانية لترامب، يدعو غوديشو إلى تكثيف التضامن الدولي مع شعوب أمريكا اللاتينية. وفي هذا السياق، أجاب عن أسئلة صحيفة Le Courrier .

هل يشكل الهجوم على فنزويلا منعطفًا حاسمًا؟

يمثل هذا العدوان انتهاكًا صارخًا لكافة القوانين والأعراف الدولية، بل وحتى للدستور الأمريكي نفسه، إذ لم يُستشر مجلس الشيوخ. وهو يندرج ضمن سلسلة طويلة من التدخلات العسكرية الأمريكية في القارة منذ إعلان مبدأ مونرو عام 1823، مثل غزو بنما عام 1989. غير أن استهداف فنزويلا، إحدى أهم دول أمريكا الجنوبية، يعكس مستوى غير مسبوق من الهوس الإمبريالي في سياسات ترامب.

ما دوافع هذا الهجوم؟

من خلال اعتقال نيكولاس مادورو، يسعى ترامب إلى إعادة إحكام السيطرة على فنزويلا، واضعًا نصب عينيه احتياطاتها النفطية التي تُعد الأكبر عالميًا. وبحسب الاقتصادي غابرييل زوكمان Gabriel Zucman ، يمكن لعائدات استغلال هذه الثروة أن تتراوح بين 100 و150 مليار دولار سنويًا.

كما يهدف ترامب إلى فرض الهيمنة والانضباط على كامل القارة اللاتينية، التي ينظر إليها باعتبارها «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة، ومواجهة التوسع الصيني فيها. ولهذا السبب، وجه تهديدات مباشرة أو غير مباشرة إلى دول مثل كولومبيا وكوبا والمكسيك، بل وحتى إلى البرازيل.

ولا يمكن فصل هذه السياسة عن الاعتبارات الداخلية الأمريكية؛ فترامب يواجه أزمات اقتصادية وفضائح سياسية، أبرزها الجدل المتعلق بعلاقته بجيفري إبستين Jeffrey Epstein ، في وقت تقترب فيه انتخابات التجديد النصفي. وتوفر المغامرة العسكرية، في هذا السياق، وسيلة فعالة لصرف الأنظار.

هل يمكن لترامب أن “حكم” فنزويلا؟

تجدر الإشارة إلى أن الجيش الفنزويلي يمتلك منظومات دفاع جوي متطورة وفرتها روسيا والصين، ما يجعل سهولة تنفيذ الضربة الأمريكية موضع تساؤل. وقد يكون ذلك مؤشرًا على تواطؤ أو اختراق داخل جزء من الجهاز العسكري أو الأمني، وربما حتى شراء ذمم بعض القيادات.

أما موقف ديلسي رودريغيز Delcy Rodriguez، الرئيسة المؤقتة حاليًا، فلا يزال غامضًا. فقد بدأت برفض الوصاية الأمريكية والمطالبة بعودة مادورو، ثم أعلنت لاحقًا استعدادها للتعاون «باحترام» مع واشنطن. في المرحلة الراهنة، أقصى دونالد ترامب ماريا كورينا ماتشادو والمعارضة المحافظة عن المشهد. فهل يفتح هذا التوجّه الباب أمام إنشاء نظام انتقالي يُبقي على جزء من جهاز الدولة المرتبط بالمادورية، لكن تحت رعاية وحماية ترامب؟ ثم ما طبيعة ردود فعل القوات المسلحة، وكيف ستتصرّف القاعدة الشعبية للشافيزية إزاء مثل هذا السيناريو؟

ما السيناريوهات الأخرى؟

هل ما زال بالإمكان بلورة حركة مقاومة وطنية وشعبية في وجه الضغوط التي يمارسها ترامب؟ في الظرف الراهن، يبدو أن جهاز الدولة يصطفّ بأكمله خلف ديلسي رودريغيز، فيما يسعى جزء من المسؤولين المدنيين والعسكريين بالأساس إلى صون مصالحه الخاصة.
وفي المقابل، لا نلحظ تعبئة قوية من الطبقات الشعبية ولا من صفوف القوات المسلحة البوليفارية، كتلك التي مكّنت عام 2002 من إفشال الانقلاب على هوغو شافيز. إذ إن القاعدة الاجتماعية للمادورية قد انكمشت إلى حدّ كبير بفعل الانهيار الاقتصادي وتفاقم النزعة الاستبدادية.

رهانات تتجاوز فنزويلا

نعم، بالفعل. ففي مسعاه إلى ترسيخ هيمنته على أميركا اللاتينية، يعمل دونالد ترامب على تدعيم المحور الرجعي القائم في المنطقة، والذي يضمّ خافيير ميلي في الأرجنتين، ودانيال نوبوا في الإكوادور، وناييب بوكيلي في السلفادور، على أن ينضم إليهم قريبًا كلّ من خوسيه أنطونيو كاست في تشيلي وناصري أسفورا في هندوراس. وفي المقابل، تواجه الحكومات التقدمية في المنطقة ضغوطًا متزايدة وخانقة. وتبدو التحديات أكثر حدّة في كل من كولومبيا والبرازيل، حيث من المقرر إجراء انتخابات رئاسية خلال هذا العام. كذلك، لا يمكن الاستهانة بالتهديدات الموجّهة إلى كوبا، إذ يشكّل إسقاط نظام كاسترو هاجسًا دائمًا لوزير الخارجية ماركو روبيو، كما أن أي تغيير للنظام في فنزويلا سيحرم الجزيرة من أحد أبرز حلفائها الاستراتيجيين.

من أين يمكن أن تنبع المقاومة؟

ما تزال حكومات ذات توجهات تقدمية تتولى السلطة في دول محورية مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا، وقد عبّرت جميعها عن إدانتها للهجوم الأميركي. وإلى جانب ذلك، تزخر القارة بحركات اجتماعية ويسارية حيوية وفاعلة. غير أنّ هذه القوى تقف اليوم أمام امتحان تاريخي يتمثّل في إعادة بلورة مشروع مناهض للإمبريالية، في سياق يتسم بصعود اليمين المتطرف، وبالحاجة إلى ابتكار بدائل فعلية للنموذج الاستخراجي الذي خلّف أضرارًا عميقة في أرجاء القارة.

ضربة جديدة للقانون الدولي

نعم، بالفعل. يمثّل الهجوم على فنزويلا حلقة إضافية في مسار تفكك النظام الدولي. فقد مهّدت الإبادة الجماعية في غزة الطريق لعالم تُرتكب فيه الجرائم ضد المدنيين بلا أي محاسبة. ومن خلال هذا العدوان، يكرّس ترامب منطق القوة والعنف كوسيلة لإدارة العلاقات الدولية، بما يفسح المجال أمام صعود قوى توسعية أخرى مثل الصين وروسيا. إننا مقبلون على مرحلة بالغة الخطورة.

هل تمثل التظاهرات التضامنية بارقة أمل؟

رغم أهمية المظاهرات الشعبية الداعمة لفنزويلا في عدة دول، إلا أنها لا تزال غير كافية. معظم الحكومات الغربية، وعلى رأسها حكومة إيمانويل ماكرون، رضخت لسياسات ترامب. لا مخرج سوى تعبئة شعبية واسعة من القاعدة، تتجاوز الخلافات السياسية لبناء تحالفات عريضة تفرض حق الشعوب في تقرير مصيرها. من دون ذلك، ستكون العواقب وخيمة، وقد لا تتوقف طموحات ترامب عند فنزويلا، بل تمتد إلى دول أخرى في أمريكا اللاتينية، وربما إلى غرينلاند، في محاولة أخيرة لفرض مصالح إمبراطورية متراجعة، لكنها لا تزال الأقوى عسكريًا وصناعيًا، والأكثر خطورة.

المصدر:  هنا

ترجمة وحيد عسري

 

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة