تكسير الأحجار بأولاد الرامي: تقرير حول الآثار والنزاع القضائي

تقرير مفصل حول الآثار البيئية والاجتماعية والنزاع القضائي المرتبط بمشروع محطة تكسير الأحجار بدوار أولاد الرامي

  1.  تقديم عام عن المنطقة

في قلب المجال القروي التابع لجماعة سيدي عيسى بن سليمان بإقليم قلعة السراغنة، يتموقع دوار أولاد الرامي كأحد التجمعات السكنية التي تتميز بخصوصيات ديموغرافية وبيئية دقيقة، تجعل من أي تدخل استثماري غير مدروس مصدر قلق حقيقي للساكنة المحلية.

فعلى المستوى الديموغرافي، يعرف الدوار كثافة سكانية تبلغ حوالي 3000 نسمة، يغلب عليها الطابع العائلي الممتد، حيث ترتبط غالبية الأسر بالأرض ارتباطًا مباشرًا كمصدر أساسي للعيش. وتُسجل نسبة مهمة من الأطفال والشباب، مقابل حضور معتبر لفئة المسنين، ما يعكس بنية اجتماعية هشة تحتاج إلى الاستقرار البيئي والاقتصادي لضمان استمراريتها. كما يعتمد السكان بشكل رئيسي على الفلاحة المعيشية وتربية الماشية، في ظل محدودية البدائل الاقتصادية، وهو ما يجعل أي تهديد للمجال الطبيعي تهديدًا مباشرًا لسبل عيشهم.

  1. الخصوصيات البيئية للمجال

أما من الناحية البيئية، فيتميز دوار أولاد الرامي بوجود موارد طبيعية محدودة لكنها حيوية، وفي مقدمتها الواد لخضر الذي يشكل شريانًا بيئيًا أساسيًا بالمنطقة. فهذا الوادي لا يقتصر دوره على تصريف المياه خلال فترات التساقطات، بل يساهم أيضًا في تغذية الفرشة المائية التي تعتمد عليها الساكنة في الشرب والسقي، كما يوفر توازنًا إيكولوجيًا دقيقًا يساعد على استقرار التربة والغطاء النباتي. وإلى جانب ذلك، تنتشر بالمنطقة أراضٍ فلاحية تستغل في زراعة الحبوب والأشجار المثمرة، خصوصًا الزيتون، ما يعزز الطابع الفلاحي للمجال.

غير أن هذا التوازن البيئي يظل هشًا، نظرًا لطبيعة المنطقة شبه الجافة، وضعف الغطاء النباتي، وقابلية التربة للتعرية والانجراف، مما يجعل هذه الموارد أكثر عرضة للاستنزاف والتدهور بسب أي نشاط صناعي مكثف.

  1. تقديم المشروع وتحول طبيعته

في سياق هذه الخصوصيات الديموغرافية والبيئية الحساسة التي تميز دوار أولاد الرامي، برزت إلى الواجهة معطيات ميدانية كشفت عن تحولات غير متوقعة في طبيعة المشروع المزمع إنجازه بالدوار، وهو ما شكل نقطة انطلاق لتصاعد قلق الساكنة.

في مرحلة أولى أقدم المستثمر على شراء مجموعة من القطع الأرضية بواسطة وسطاء، حيث تم الترويج لدى الساكنة المحلية لكون هذه الأراضي ستُستغل في إقامة مشروع فلاحي يتمثل في ضيعة مخصصة لغرس أشجار الزيتون، الأمر الذي لقي في حينه نوعًا من القبول والاطمئنان لدى الساكنة.

غير أن هذا المعطى سرعان ما تبيّن عدم صحته، بعدما ظهرت مؤشرات ميدانية تفيد الشروع في تهيئة مشروع صناعي يتمثل في إحداث محطة لتكسير الأحجار، وهو ما أثار استياءً واسعًا في صفوف الساكنة، اعتبارًا لما قد يترتب عنه من أضرار بيئية وصحية واجتماعية مؤكدة.

  1. مبررات رفض المشروع

وانطلاقًا من هذه الخصوصيات، تبرز مبررات رفض مشروع مقلع الرمال/محطة تكسير الأحجار بشكل واضح، ويمكن إجمالها فيما يلي:

  • تواجد محطة تكسير الأحجار وسط السكان: يوجد المشروع وسط أراضي فلاحية مغروسة بأشجار الزيتون وبالقرب من الساكنة بمسافة لا تتعد 400 متر وكذلك قرب المدرسة في خرق سافر لشروط السلامة الصحية للأطفال
  • تهديد الواد الخضر: من خلال تلويث مياهه والتأثير على مجراه الطبيعي، وهو ما سينعكس سلبًا على الفرشة المائية وعلى الأنشطة الفلاحية المرتبطة بها.
  • تدهور جودة الهواء: بسبب الغبار الكثيف الناتج عن عمليات التكسير ونقل المواد، وما يترتب عنه من مخاطر صحية، خاصة أمراض الجهاز التنفسي. وتجدر الإشارة إلى أن المدرسة الابتدائية بأولاد الرامي لا تبعد إلا بأمتار قليلة عن المحطة، الشيء الذي يجعل الأطفال., عرضة للغبار والضجيج الذي سأثر سلبا عن تحصيلهم الدراسي.
  • المساس بالأراضي الفلاحية: نتيجة تراكم الأتربة والغبار، وفقدان التربة لخصوبتها، ما يهدد الأمن الغذائي المحلي. حيث تتموقع محطة تكسير الأحجار بجانب حقول الزيتون، الشيء الذي سيتسبب في نهاية حتمية لمردودية الأشجار.
  • الضجيج والاهتزازات: التي ستؤثر بشكل مباشر على راحة الساكنة واستقرارها النفسي. في هذا الصدد، تشكل محطة تكسير الأحجار المزمع إنشاؤها مصدر قلق كبير لساكنة المنطقة، نظراً لقربها الشديد من التجمعات السكنية وما سينجم عنها من أضرار صحية وبيئية.
  • استنزاف الموارد الطبيعية: خاصة المياه، في منطقة تعاني أصلًا من ندرتها.
  • المخاطر المرتبطة بحركة الشاحنات: وما تسببه من حوادث محتملة، خصوصًا في ظل وجود أطفال وممرات تقليدية ضيقة.
  • الإخلال بالتوازن الاجتماعي: عبر تهديد نمط العيش القائم على الفلاحة، وخلق توترات ونزاعات داخل المجتمع المحلي.
  • غياب الشفافية: من خلال تقديم المشروع في بدايته على أنه فلاحي قبل أن يتضح طابعه الصناعي، مما أفقد الساكنة الثقة في الجهات المشرفة عليه.

وبناءً على ما سبق، فإن رفض الساكنة لهذا المشروع يستند إلى اعتبارات واقعية ومشروعة، تعكس وعيًا جماعيًا بأهمية حماية المجال البيئي وضمان استدامة الموارد الطبيعية…

  1.  أشكال احتجاج الساكنة

وقد عبّرت الساكنة عن رفضها لهذا المشروع عبر وسائل سلمية ومنظمة، تمثلت أساسًا في توقيع عريضة جماعية موجهة إلى السلطات المحلية والإقليمية، تلاها تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقري القيادة بتاريخ 2 فبراير 2024والعمالة يوم 14فبراير2024   ، وذلك للمطالبة بوقف المشروع وفتح حوار جاد بشأن تداعياته.   هدا بالإضافة إلى وقفة احتجاجية أمام محطة تكسير الأحجار بتاريخ 20 أبريل 2024 واكبها خرجة إعلامية حاولت من خلالها الساكنة التعبير عن رفضها القاطع لمحطة تكسير الأحجار، وإيصال صوتها لجهات عليا .

وأمام ما اعتُبر غيابًا لقنوات حوار فعّالة على المستوى الإقليمي، قامت الساكنة بمراسلة عدد من المؤسسات الجهوية والوطنية المختصة، من بينها والي جهة مراكش آسفي، وزير الداخلية، وزير الفلاحة والصيد البحري، وزير النقل واللوجستيك، ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ومؤسسة وسيط المملكة، والمندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، مدير وكالة الحوض المائي لأم الربيع، ورئاسة النيابة العامة، وهيئات حقوقية؛ المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

  1.  النزاع حول الممر (الطريق التقليدي)

وفي سياق متصل، وخلال بداية سنة 2024، سُجّل إقدام صاحب المشروع على الترامي على أراضي بعض الملاك المجاورين، وذلك بغرض توسيع ممر تقليدي ظل يُستعمل تاريخيًا من طرف الراجلين والدواب، حيث تم استعمال آلية ميكانيكية للحفر (تراكس) لهذا الغرض. وقد أثار هذا الفعل اعتراضًا مباشرًا من طرف المتضررين، الذين تدخلوا، مرفوقين ببعض شيوخ القبيلة، لإرجاع الممر إلى وضعه الطبيعي، حفاظًا على حقوقهم وضمانًا لاستمرارية استعماله في شكله الأصلي.

بعد خروج أصحاب الأراضي من أجل إرجاع الممر كما كان عليه من قبل، والذي لا يتجاوز عرضه مترين، توصل سبعة عشر شخصًا باستدعاءات للمثول أمام الضابطة القضائية بقلعة السراغنة.

  1.  المسار القضائي

بعد ذلك، قام صاحب المشروع بتقديم شكايتين: إحداهما جنائية ضد ثلاثة أشخاص، والثانية مدنية ضد اثني عشر شخصًا (كانوا مستهدفين)، محاولًا من خلالهما ترهيب الساكنة وثنيها عن مطالبها العادلة والمشروعة.

1.7. تنفيذ الحكم وتطورات الاحتجاج

وعلى إثر ذلك، بادر المتهمون في كلتا الشكايتين إلى تقديم مجموعة من الأدلة الواضحة التي تنفي ما يدعيه صاحب المشروع من إغلاق للممر، وتثبت براءتهم من المنسوب إليهم. ومن بين الأدلة المقدمة لدى كل من المحكمة الابتدائية بقلعة السراغنة ومحكمة الاستئناف بمراكش:

 

  • أولًا: إشهاد مصادق عليه باسم اثني عشر شخصًا من شيوخ أولاد الرامي، يشهدون من خلاله بأن الممر كان منذ القديم مخصصًا للدواب والراجلين، ولا يتجاوز عرضه متر ونصف.

 

  • ثانيًا: معاينة من طرف مفوض قضائي تثبت أن الممر غير مغلق، خلافًا لما يدعيه صاحب المشروع.

 

  • ثالثًا: تقديم مجموعة من الأساتذة، الذين كانوا ضمن المتهمين، لشهادات حضور تثبت أنهم في اليوم الذي يزعم فيه المدعي إغلاق الممر، كانوا داخل أسوار المؤسسات التي يشتغلون بها.

 

  • رابعًا: تقديم أحد المتهمين وثيقة مسلمة له من طرف إدارة مستشفى السلامة الإقليمي بقلعة السراغنة، تثبت أنه كان تحت العناية المركزة بالمستشفى في التاريخ الذي يزعم فيه المدعي إغلاق الممر.

 

  • خامسًا: تقديم متهم آخر وثيقة تثبت عدم تواجده في ذلك اليوم بالمجال الجغرافي لجماعة سيدي عيسى بن سليمان.

 

ورغم كل تلك الأدلة، أصدرت المحكمة الابتدائية بقلعة السراغنة حكمًا يقضي بإدانة المتهمين في الملف المدني، وعددهم اثنا عشر شخصًا، كما أصدرت محكمة الاستئناف بمراكش حكمًا في الملف الجنائي. يقضي بإدانة 3 متهمين بسنة موقوفة التنفيد.

 

بعد ذلك، لجأ المتهمون في كلٍّ من الملفين الجنائي والمدني إلى استئناف الأحكام القضائية الصادرة في حقهم، كما طالبوا بإجراء خبرة ميدانية لمكان النزاع.

 

وبعد تعيين خبير بإذن من محكمة الاستئناف بمراكش، قدّم تقريره حول الممر موضوع النزاع، معتمدًا أساسًا على صور الأقمار الصناعية عبر “جوجل إيرث” في السنوات السابقة لبداية إنشاء محطة تكسير الأحجار، أي قبل نشوء النزاع. غير أنه لوحِظ من خلال تقريره وجود تحيّز واضح لصالح صاحب المشروع، حيث إن ما جاء في الخبرة يتنافى بشكل جلي مع القياسات التي تُظهرها صور الأقمار الصناعية.

 

وبعدما كان لدى المتهمين أمل في إنصافهم وتبرئتهم أمام محكمة الاستئناف بمراكش، تفاجؤوا بإصدار أحكام وصفوها بالجائرة. ففي الملف الجنائي، صدر في حق المتهمين الثلاثة حكم يقضي بسنة حبس موقوفة التنفيذ لكل واحد منهم. أما في الملف المدني، فقد أصدرت المحكمة حكمًا استئنافيًا يقضي بإدانة المتهمين، وعددهم اثنا عشر شخصًا، مع الحكم بفتح الطريق وتوسيعها استنادًا إلى تقرير الخبرة.

 

وعلى إثر هذه الأحكام القضائية التي اعتبرها المتهمون جائرة في حقهم، توصل المتهمون باستدعاءات للحضور من أجل تنفيذ الحكم القاضي بتوسيع ممر يمر عبر أراضٍ تعود ملكيتها لمجموعة من ساكنة الدوار.

 

وبناءً عليه، توجّه الأشخاص المستدعون إلى مكان النزاع، حيث خرج سكان الدوار والمزارعون وأصحاب الأراضي المعنية، إلى جانب أشخاص من الدواوير المجاورة، ليس بهدف معارضة الحكم القضائي أو منعه، وإنما للاحتجاج على محطة تكسير الأحجار.

 

وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء المحتجين لم يقوموا بعرقلة الطريق أو مواجهة رجال الأمن والسلطة، بل أبانوا عن مستوى عالٍ من الاحتجاج السلمي الذي استمر لأكثر من أربع ساعات متواصلة، يعبرون فيها عن تشبتهم بأرضهم ورفضهم إنشاء محطة تكسير الأحجار وتوسيع الممر على حساب أراضيهم التي يعيشون منها.

غير أن قوات الأمن تدخلت واعتقلت 3 أشخاص رغم أن الاحتجاج كان سلميا.

بعد ذلك تدخلت القوات العمومية لتفريق هذا الاحتجاج بأسلوب قمعي، مما أسفر عن وقوع إصابات متفاوتة في صفوف الساكنة، من بينها:

 

– كسر في فك امرأة والذي كان شرارة المواجهة بين القوات العمومية والمحتجين

– إصابة طفل على مستوى الخصية

– تعنيف ودفع عدد من النساء وإصابتهن في مناطق حساسة

– إضافة إلى إصابات أخرى متفاوتة في صفوف النساء والأطفال

 

2.7. العيوب الجوهرية في الموضوع (أصل الحكم)

بناءً على المعطيات المتوفرة، شابت الأحكام القضائية الصادرة (ابتدائياً واستئنافياً) فجوة قانونية تتمثل في:

إغفال أدلة النفي القاطعة: تم صدور حكم بالإدانة رغم وجود دليل مادي ملموس يثبت عدم تواجد المتهمين في المكان موضوع النزاع يوم الحادث.

خرق مبدأ اليقين القضائي: استناد الإدانة إلى ادعاءات الخصم في مقابل تجاهل حجة مادية تنفي التواجد، مما يضرب في عمق المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

 

3.7. الخروقات المسطرية والتعسف في التنفيذ

رُصدت محاولات متكررة لتنفيذ الحكم بطرق تضيق الخناق على المتهمين وتحرمهم من ممارسة حقهم في الطعن بـ “إيقاف التنفيذ”، وذلك عبر استغلال العطل الرسمية:

 

الإشعار الأول:     26-02-2026     حُدد التنفيذ يوم 03-03-2026. تزامنت الفترة الفاصلة مع عطلة نهاية الأسبوع، مما جعل الأجل الفعلي للتحرك القانوني (إيقاف التنفيذ) منعدماً.

يوم التنفيذ (1):    03-03-2026     حضور القوات العمومية وانسحابها المفاجئ دون محضر رسمي أو إبلاغ المتهمين بقرار التأجيل أو أسبابه، مما يكرس حالة “الغموض المسطري”.

الإشعار الثاني:     19-03-2026     حُدد التنفيذ يوم 24-03-2026. تزامنت هذه الفترة مع عطلة عيد الفطر، وهو ما يُعد “تحايلاً مسطرياً” متعمداً لمنع المتهمين من اللجوء للقضاء الاستعجالي.

تداعيات ما وراء الأحداث

  • متابعة ثلاثة أشخاص في حالة اعتقال وتلفيق تهم كيدية لهم رغم أنه تم اعتقالهم قبل نشوب أحداث العنف.
  • متابعة أستاذين وتوجيه لهم تهما كيدية مرتبطة بأحداث العنف، رغم حوزتهم أدلة تثبت تواجد الأول بمقر عمله في وقت الأحداث، والثاني حيازته شهادة الحضور تثبت اجتيازه لامتحانات الماستر في وقت الأحداث.
  • اعتقال طفل قاصر أثناء رعيه للأغنام بشكل تعسفي، دون توصله بأي استدعاء مسبق.
  • خروج عدة نساء عن صمتهن، إذ تبين أنهن يعانين من إصابات متفاوتة جراء التدخل القمعي الذي ابتدأت به قوات الأمن من أجل فض الاحتجاجات.

 

الخلاصة القانونية:

إن إصرار الجهة المنفذة على اختيار توقيت التبليغ عشية العطل الرسمية (نهاية الأسبوع ثم العيد) لا يمكن تفسيره إلا كونه تعسفاً في استعمال السلطة وخرقاً للمادة القانونية التي تضمن للمحكوم عليه حق التظلم القضائي قبل التنفيذ الجبري. كما أن الإدانة في ظل غياب الركن المادي (التواجد في المكان) تجعل من الحكم مراجعة ضرورية عبر مؤسسة “النقض” أو “إعادة النظر”.

 

التوقيع: لجنة التنسيق المحلي لساكنة دوار أولاد الرامي

شارك الموضوع
Facebook
WhatsApp
X
LinkedIn
منشورات ذات صلة