تقرير ندوة تقديم دراسة « الصيد البحري في المغرب: الثروة المهدورة »
في سياق يتسم بتكثيف الهجوم النيوليبرالي على الثروات الطبيعية وتسارع إدماجها في دوائر التراكم الرأسمالي المعولم، نظّمت جمعية أطاك المغرب يوم السبت 14 فبراير 2026، بمقر الجامعة الوطنية للتعليم – التوجه الديمقراطي بالرباط، ندوة عمومية لتقديم ومناقشة إصدارها المعنون:» الصيد البحري في المغرب: الثروة المهدورة «
ويأتي هذا الإصدار في إطار مواصلة جمعية أطاك المغرب لعملها البحثي التثقيفي والنضالي دفاعًا عن السيادة الغذائية والثروات الطبيعية، وانسجامًا مع التزامها المبدئي باعتبار هذه الثروات ملكًا جماعيًا للشعوب، لا مجالًا للتراكم الخاص أو الريع الاحتكاري.
تضع الدراسة الثروات البحرية في صلب التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، متجاوزة المقاربات التقنية الضيقة التي تختزل القطاع في مؤشرات الإنتاج والنمو، لتقدّمه كفضاء للصراع الاجتماعي، تتقاطع فيه رهانات العدالة البيئية، والحق في الغذاء، والسيادة الوطنية. وتبرز أهمية هذا العمل في تفكيك الخطاب الرسمي الذي يروّج للاستغلال المكثف للموارد البحرية باعتباره «نجاحًا تنمويًا»، كاشفًا ما يخفيه من اختلالات بنيوية، أبرزها تركيز الامتيازات في يد أقلية من الفاعلين، وتهميش الصيادين الصغار، وتحويل الثروة السمكية من مورد غذائي مشترك إلى سلعة موجّهة أساسًا للأسواق الخارجية، في إطار اتفاقيات اقتصادية تعمّق التبعية وتستنزف المخزون البحري.
وجاء تنظيم هذه الندوة في إطار أنشطة الجمعية الرامية إلى فتح نقاش عمومي نقدي حول السياسات العمومية المتحكمة في تدبير الثروات الطبيعية بالمغرب، وربطها بقضايا الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية والبيئية. وقد شكّلت الندوة فضاءً لتبادل الآراء بين باحثين وفاعلين مدنيين ونقابيين، حيث انصبّ النقاش على واقع قطاع الصيد البحري باعتباره قطاعًا استراتيجيًا يشهد اختلالات بنيوية عميقة تؤدي إلى هدر الثروة السمكية وحرمان المغاربة من الاستفادة منها.
وقد أطر الندوة إلى جانب عمر أزيكي، الكاتب العام لجمعية أطاك المغرب، الأستاذ محمد الناجي، رئيس شعبة الصيد البحري وتربية الأحياء المائية بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، وخبير دولي لدى منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، حيث قدّم عرضًا تحليليًا ركّز فيه على الخلفيات البنيوية للسياسات العمومية المعتمدة في القطاع، مبرزًا الطابع التصديري المكثف الذي يخدم مصالح الرأسمال المصدِّر على حساب الحق في الغذاء، وأوضاع البحّارة، والتوازنات البيئية.
أهم ما جاء في الندوة:
الصيد البحري كثروة وطنية منهوبة
أكدت الندوة على أن الصيد البحري يشكّل إحدى أهم الثروات الاستراتيجية بالمغرب، غير أن طرق تدبيره الحالية تؤدي إلى هدر ممنهج لهذه الثروة بدل توظيفها في خدمة التنمية الوطنية وتعزيز السيادة الغذائية. كما تم التأكيد على أن السياسات العمومية المعتمدة تُخضع القطاع لمنطق السوق والتصدير، على حساب حاجيات السوق الداخلية وحقوق المواطنات والمواطنين.
وتبيّن الدراسة، اعتمادًا على بحث ميداني داخل عدد من الموانئ، ومعطيات رسمية، ومقابلات مع بحّارة ونقابيين، حجم اللاعدالة في توزيع مداخيل الثروة السمكية، واستنزاف المخزونات بفعل الصيد المفرط، والتهميش الاجتماعي الذي يطال عمال البحر، فضلًا عن إبراز أشكال التواطؤ بين السياسات العمومية ومصالح الرأسمال التصديري.
هيمنة الرأسمال الكبير وتهميش الصيد التقليدي
تناولت الندوة تمركز الثروة السمكية بيد فاعلين كبار، من شركات صناعية ولوبيات تصدير وأساطيل الصيد في أعالي البحار، مقابل تهميش الصيد التقليدي والحرفي. وتم التوقف عند:
- اختلال ميزان القوة بين الصيادين الصغار والشركات الكبرى؛
- غياب حماية حقيقية لآلاف العاملين في القطاع؛
- هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للبحّارة والصيادين التقليديين.
الاستنزاف البيئي وغياب الاستدامة
أبرزت الندوة أن السياسات الحالية تُهدد التوازنات البيئية البحرية من خلال:
- الصيد الجائر؛
- ضعف آليات المراقبة؛
- تجاهل فترات الراحة البيولوجية؛
- التعامل مع البحر كمجال للاستغلال المكثف بدل اعتباره منظومة بيئية حية.
وجرى التأكيد على أن استمرار هذا النهج ينذر بنفاد المخزون السمكي وتدمير التنوع البيولوجي البحري، ويقوّض حقوق الأجيال القادمة.
سؤال السيادة الغذائية: مفارقة الوفرة وغلاء الأسعار
توقفت الندوة عند التناقض الصارخ بين كون المغرب بلدًا غنيًا بالثروة السمكية، وبين الضعف الكبير في استهلاك المغاربة للسمك، والارتفاع الصاروخي لأسعاره.
وسُجّل بشكل خاص الغلاء غير المسبوق لأسعار السردين، الذي كان تاريخيًا يُعدّ وجبة يومية للكادحين والفئات الشعبية، قبل أن يتحول إلى مادة يصعب على العديد من الأسر اقتناؤها بانتظام.
الخلاصة
خلصت الندوة إلى أن البحر ليس مجرد مورد اقتصادي، بل رافعة سيادية واجتماعية تعكس طبيعة النموذج التنموي القائم، وأن الوعي بطبيعة الصراع حوله يشكّل خطوة أساسية في مسار استعادة التحكم الشعبي في الموارد والقرارات. وجددت جمعية أطاك المغرب تأكيدها على أن البحر ليس للبيع، بل هو ملك للشعب وجزء من معركة أوسع ضد النيوليبرالية ومن أجل العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.
توثيق الندوة
تم بث الندوة مباشرة على صفحة أطاك المغرب، ويمكن الاطلاع على التسجيل الكامل عبر الرابط:
🔗 https://www.facebook.com/attac.maroc/videos/1272184488105005
بقلم: ف.إ