الرئيسية / ملفات دراسية / الديون / تبعات الأزمة الرأسمالية العالمية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب

تبعات الأزمة الرأسمالية العالمية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب

تبعات الأزمة الرأسمالية العالمية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب

 

أزيكي عمر

الكاتب العام لجمعية أطاك المغرب

 

المحور الأول: بعض سمات الأزمة الرأسمالية العالمية الراهنة

 

انفجار أزمة الرهون العقارية بالولايات المتحدة الأمريكية

تمثلت إحدى التجليات الرئيسية لاندلاع الأزمة الرأسمالية العالمية في أزمة القروض العقارية الرهنية بالولايات المتحدة الأمريكية. فبدءا من فبرابر 2007، انخفضت عمليات بيع المنازل بشكل مهول من جراء ارتفاع عدد الأسر العاجزة عن تسديد قروضها الرهنية، والتي تتكون في غالبيتها من مهاجرين وأسر ذات دخل متوسط وضعيف، وهي أصلا كانت مثقلة بالديون.

تجسدت مقدمات انفجار هذه الفقاعة العقارية في تضخم قطاع البناء بالولايات المتحدة الأمريكية مع بداية الألفية، حيث ارتفعت نسبته إلى أكثر من 6% من الناتج الداخلي الخام في سنة 2005، وهي أعلى نسبة منذ 1950. كما تزايد ارتفاع عدد المنازل الجديدة المعروضة للبيع كل سنة، والذي انتقل من 1 ,5 مليون منزل سنة 2000 إلى 2,3 مليون مع بداية 2006. هذا التوسع الكبير شجعه تخفيض معدلات الفائدة من طرف خزينة الدولة الأمريكية الناتج عن محاولاتها لاحتواء أزمة 2000-2001، وكذا المضاربات العقارية. وستزداد عروض القروض من قبل المؤسسات المالية، وستمنحها بمعدلات فائدة تفوق كثيرا معدلات سندات الخزينة الأمريكية، مما سيؤدي إلى استنزاف آلاف الأسر الأمريكية التي لم تعد قادرة على التسديد، وطردت من منازلها التي فقدت قيمتها الحقيقية، وصارت متابعة من قبل المحاكم من أجل أداء ديونها.

 

انفجار الأزمة المالية

ستؤدي أزمة القروض العقارية الرهنية إلى انفجار الأزمة المالية نتيجة التركيبات المالية المتسلسلة التي نتجت عن نزع التقنين عن القطاع المالي والذي كان يسير بالموازاة مع ارتفاع الأرباح المضارباتية. فمؤسسات القروض ستجد بدورها صعوبات لتسديد ديونها إزاء البنوك التي استثمرت في القروض العقارية الرهنية، واشترت كمية كبيرة من سندات عديمة القيمة: 63% من القروض العقارية الرهنية اشترتها البنوك في وول ستريت سنة 2004، و73% سنة 2006 وبمعدلات فائدة مرتفعة. وكانت عمليات الشراء تتم عبر خلق شركات خاصة تمول شراء القروض العقارية الرهنية التي تحولت إلى سندات، وذلك عبر بيع أوراق الخزينة (الأوراق المالية التجارية) إلى مستثمرين آخرين. ومع بداية مؤشرات الأزمة، بدأ المستثمرون يمتنعون عن شراء هذه الأوراق المالية التجارية من شركات القروض الخاصة لشكوكهم في فقدان مصداقيتها، وبالتالي، لم تعد لديها السيولة الكافية لشراء سندات القروض الرهنية. وهرعت البنوك إلى نجدة شركاتها الخاصة بتحمل قروضها: بين غشت واكتوبر 2007، تحملت البنوك الأمريكية لوحدها 280 مليار دولار كقروض لشركات تمويل القروض العقارية الرهنية. وساد فقدان الثقة والحذر بين البنوك، وتراجعت القروض بين الأبناك، مما أدى إلى ارتفاع اسعار الفائدة، وإلى عديد من الافلاسات بدءا سنة 2008. فقد ارتفع عدد البنوك التي أغلقت في الولايات المتحدة الأمريكية من 3 سنة 2007 إلى 140 سنة 2009، ثم 157 سنة 2010.

وبدءا من صيف 2007، انتقلت الأزمة إلى البلدان الأوروبية لكون بنوكها استثمرت كثيرا في المنتجات المالية الأمريكية. ولوقف مسلسل الانهيارات البنكية، ستتدخل البنوك المركزية بشكل كثيف وسريع. هكذا منح البنك المركزي الأوروبي حوالي 230 مليار أورو من السيولة للبنوك. وفي دجنبر 2007، جرى تنسيق هائل لم يسبق له مثيل بين البنك المركزي الأوروبي، وخزينة الولايات المتحدة الأمريكية، وبنك انكلترا، وبنك كندا، وبنك سويسرا، لضخ مبالغ خيالية من السيولة النقدية في السوق المشتركة بين البنوك خلال عدة أيام. وبلغت تكاليف تدخل الدول لتفادي افلاس البنوك والمؤسسات المالية الخاصة على المستوى العالمي بين 2007 و2010 أكثر من 4.000 مليار دولار، منها الولايات المتحدة الأمريكية (2.712 مليار دولار)، وأوروبا (1.193 مليار دولار)، واليابان (149 مليار دولار). وهذا ما أدى إلى استعادة البنوك لتوازناتها المالية، حيث ارتفعت أرباحها في الاتحاد الأوروبي مثلا إلى حوالي 71 مليار أورو سنة 2010 بعد أن سجلت خسائر سنة 2008 بلغت 42 مليار أورو.

وبين دجنبر 2011 وفبراير 2012، منح البنك المركزي الأوروبي 1.000 مليار أورو لأكثر من 800 بنك، على مدى ثلاث سنوات وبمعدل فائدة لا تتجاوز 1%. وحدث نفس الشيء في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث منحت الخزينة الأمريكية 16.000 مليار دولار بمعدل فائدة 0 ,25%. وستستثمر البنوك الخاصة هذه القروض لتشتري سندات دولها (مثالي اسبانيا وايطاليا) بمعدلات فائدة بين 5 و 7,6%!!! إنها قمة اللاعقلانية الرأسمالية.

 

انتقال الأزمة إلى سوق الديون

لجأت الحكومات إلى الأموال العمومية لتفادي إفلاس البنوك الخاصة التي سببت الأزمة بتركيباتها المالية المستنزفة. وهكذا ستنتقل الأزمة إلى سوق الديون العمومية في سياق الاستدانة الهائلة للمقاولات الخاصة في السنوات السابقة، خصوصا مع تنامي المنتجات المالية المشتقة (عقد تأمين من مخاطر عدم السداد). فقد منحت المؤسسات الدائنة قروضا تفوق الطاقة الفعلية للمقاولات على السداد، وارتفعت ديون البنوك الخاصة بشكل مهول. وبدءا من 2008، ستتسلسل الافلاسات، وستتدخل الحكومات لإنقاذها. وهو ما نتج عنه تضخم خطير للدين العمومي الذي كان قد بدأ بشكل كبير منذ فترة 1980-2000 إبان الهجوم النيو-ليبرالي الصريح. فقد انتقل الدين العمومي للولايات المتحدة الأمريكية من 5.054 مليار دولار سنة 2007 إلى 9.034 مليار دولار سنة 2010، ومن 9.969 مليار دولار إلى 13.338 مليار دولار بالنسبة لمنطقة اليورو، في حين انتقل من 1.355 مليار دولار إلى 1.647 مليار دولار بالنسبة لبلدان العالم الثالث. وانتقلت نسبة الديون العمومية في الاتحاد الأوروبي من 66,2% من الناتج الداخلي الخام سنة 2007 إلى 79,3% في سنة 2009. وبهذا أصبحت منطقة اليورو مركز أزمة الديون، بعد أن كانت الحلقات الأضعف للمديونية على المستوى العالمي، في الثلاثين سنة الأخيرة، توجد بأمريكا اللاتينية، وبآسيا، أو ببلدان الكتلة السوفياتية. لكن حكومات دول الشمال دأبت على تطبيق نفس الوصفات النيو-ليبرالية التي أبانت في بلدان الجنوب عن عدم نجاعتها في تنشيط الاقتصاد وكوارثها الاجتماعية والبيئية.

 

أزمة مالية بنيوية للنظام الرأسمالي

إن الافلاسات المالية المتتالية هي تجليات للأزمة الرأسمالية وليست سببها الرئيسي. فالاقتصاد الرأسمالي تتعاقب فيه أطوار الازدهار وأطوار الانحسار أو الانكماش بشكل دوري.  فهناك الدورات أو الموجات القصيرة (6-10 سنوات)، والموجات الطويلة (50-60 سنة). فبعد فترة الموجة الطويلة للتوسع السريع خلال الثلاثين المجيدة (1945-1973)، دخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي موجة طويلة من التوسع البطيء تخللتها أزمات حادة وطويلة. ففي الثلاثينات، وللخروج من الأزمة الناتجة عن انهيار وول ستريت في 1929، قلصت الحكومة الأمريكية من الحرية الكاملة التي كانت تتمتع بها الأوساط المالية والبنكية، ومن حرية تداول الرساميل.  لكن الوضعية بدأت تتبدل مع بداية السبعينات بعد نزع التقنين عن حسابات الرساميل المالية، والشركات المالية بالخصوص، على المستوى العالمي، وإلغاء الحواجز أمام الاستثمار داخل البلدان وخارجها. ومن هنا بدأت الأزمات البنكية تتعدد وتؤدي إلى أزمات اقتصادية عامة.

 

موازين القوى العالمي بعد الحرب العالمية الثانية

طوال حقبة الثلاثين المجيدة، عرفت بلدان الشمال نموا اقتصاديا كبيرا. وسمحت نضالات الطبقة العاملة بانتزاع مكاسب اجتماعية مهمة: قدرة شرائية كبيرة، وتدعيم نظام الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية خصوصا في الصحة والتعليم، وتأميمات زادت من قوة التدخل الاقتصادي للدولة. كانت نسبة كبيرة من السكان يستفيدون من الثروات المنتجة، وتنامت حصة الأجور في الناتج الوطني. وفي نفس الوقت، حصلت عديد من البلدان الآسيوية والافريقية على الاستقلال، وحاولت بعض منها تركيز اقتصادها على تطوير الصناعة المحلية (أمريكا اللاتينية). لكن أغلبها بقي خاضعا بأشكال جديدة لقوتها الاستعمارية، وشكلت الديون إحدى الأدوات الرئيسية لهذا الخضوع. وفرض عليها التخصص في تصدير مواد اولية فلاحية ومعدنية التي كان تحتاجها بلدان الشمال التي عملت على اشتداد المنافسة بينها. وهذا ما سيؤدي إلى انهيار أسعار هذه المواد في السوق العالمية، والذي تزامن مع أول انكماش اقتصادي كبير لبلدان الشمال منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بدءا من 1973.

 

الهجوم النيو-ليبرالي الكبير مع بداية الثمانينات

بعد صيرورة طويلة من نزع التقنين أو الضبط عن النظام المالي منذ أواسط الستينات، وإلغاء الحواجز أمام تداول الرساميل ستتبدل موازين القوى في أواخر السبعينات بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، من جهة، وبين الرأسماليين والأجراء من جهة أخرى، وذلك بتظافر عدة عوامل:

–         رفع مفاجأ لمعدل الفائدة بدءا من 1979 من طرف خزينة الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لجذب الرساميل لإنعاش اقتصادها الراكد

–         هجوم نيو-ليبرالي معمم على الأجراء من طرف حكومات تتشر وريغان في سياق الأزمة الاقتصادية المعممة في 1980-1981، من خلال تدخل سياسي متمحور حول 5 أهداف: انسحاب الدولة وتحرير حركة الرساميل، والخصخصة (المقاولات والخدمات العمومية)، ونزع التقنين أو نزع الضبط في علاقات الشغل (ليونة الشغل)، وتعميم التنافسية، وتقليص الضرائب التي يؤديها الرأسماليون. وهو ما يعني دعما قويا للمقاولات الرأسمالية لتكسير الأغلال التي تعيق حرية استثمارها وتحقيق فوائض أرباح، واستغلال الثروات الاقتصادية والبشرية والطبيعة كما تشاء

–         انخفاض أسعار المواد الأولية التي كانت في صالح بلدان الجنوب منذ 1981 الى بدايات 2000

–         اندلاع أزمة الديون في بلدان الجنوب

–          تضخم حجم المديونية العمومية في بلدان الشمال أيضا، وتحويل كثيف لمداخيل الأجراء لصالح الرأسماليين.

كثفت الباطرونا في الشمال والجنوب على السواء هجومها ضد الأجراء لرفع الربح وذلك بمساعدة حكوماتهم، ونجحت في بلوغ هدفها. فقد تبدل ميل معدل الربح من الانخفاض الذي كان عليه في سنوات 1960 و1970 إلى الارتفاع المستقر منذ 1981-198، في حين تمعق ميل انخفاض حصة الأجور في الناتج الداخلي الخام الذي كان قد بدأ في أوروبا منذ الانحسار الاقتصادي الكبير في 1973-1975. ارتفعت حصة المداخيل التي استحوذ عليها الرأسماليون، لكن استثماراتهم طويلة الأمد (الرأسمال المنتج) بدأت تنخفض ليرتفع بالمقابل معدل تراكم الرأسمال المالي الوهمي. وكبرت ثروات الرأسماليين الخاصة، وصاروا ينفقون أرباحهم أكثر في نفقات البذخ (توسع نادي أثرياء العالم)، ويضاربون في البورصة والعقار والمواد الغذائية والنفط. هكذا فالتركيبات المالية المعقدة للسندات والديون التي أدت إلى الأزمة لم تخلق الثروات سوى لحفنة من الرأسماليين، لكن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن أزمة الرأسمال الوهمي (المالي) أدت إلى تدمير واسع للبشر (افلاس المقاولات، تسريحات جماعية، وتفقير للمأجورين) والثروات الطبيعية.

 

ترابط أزمات النظام الرأسمالي

هذه هي إذن حصيلة أكثر من 20 سنة من النيو-ليبرالية التي تتجسد في فشل ذريع على مستوى النمو والاستقرار، وعلى مستوى تحسين شروط عيش البشر (البطالة، توزيع غير عادل للثروات، انخفاض مداخيل الطبقات الشعبية، الهجرة، العنف، إلخ)، والحفاظ على البيئة (التلوث، اتلاف التربة والغابات، إلخ)، وارتفاع نفقات التسلح بشكل هائل من جديد، وعودة الحروب العسكرية الامبريالية بقوة، علاوة على وضعية الفقر والتخلف الشديدين في بلدان الجنوب. وفي سياق ترابط الاقتصاد العالمي مع العولمة الرأسمالية، تمفصلت الأزمات المالية مع الأزمات الاقتصادية والغذائية والبيئية والسياسية. وتجد هذه الأزمات جذورها في النظام الرأسمالي في حد ذاته وليس فقط في طوره النيو-ليبرالي.

 

في أسباب الأزمة الغذائية

تتلخص الأسباب الرئيسية للأزمة الغذائية التي اندلعت في 2007-2008 في ما يلي:

–          منح إعانات لصناعة المحروقات الزراعية agro-carburants تحت ضغط الشركات الخاصة للبيزنس الفلاحي agro-business. وهذا ما زاد من السباق نحو اقتناء المواد الزراعية لتطوير تلك الصناعة على حساب الحاجات الغذائية، ونحو اقتناء الأراضي وتحويل إنتاجها إلى المحروقات الزراعية

–         احتداد المضاربة على المنتجات الزراعية: ففائض الأموال انسحبت من سوق الديون بعد اندلاع الأزمة المالية، وتوجهت إلى قطاع المحروقات والمنتجات الزراعية في البورصات العالمية الرئيسية للحبوب: نسبة %75 من الاستثمارات المالية في قطاع الفلاحة هي ذات طابع مضارباتي مقابل %25 في 1998

–         ارتفاع أسعار البترول الذي يزيد من ارتفاع تكاليف الأسمدة والنقل.

وكانت شعوب بلدان العالم الثالث التابعة ضحية الأزمة الغذائية بشكل مباشر نتيجة السياسات النيو-ليبرالية المفروضة من قبل المؤسسات المالية الدولية وثقل الديون.

يتجلى إذن أن الرأسمالية تبحث فقط عن الربح السريع على حساب غذاء البشر، حيث يعاني أكثر من مليار بشر من الجوع على كوكب الأرض في الوقت الذي يوجد فيه الغذاء لأكثر من 10 مليار. لقد أصبح الغذاء سلاحا لاستعباد الشعوب من قبل الشركات متعددة الجنسيات وحكوماتها الإمبريالية.

 

 تنامي المقاومات العمالية والشعبية على المستوى العالمي ضد نتائج الأزمة

خلال مرحلة 1980-2000 نجح المدافعون عن النيو-ليبرالية في تعميم سياساتهم. وسمح كل من انهيار الكتلة السوفياتية مع نهاية 80 بزيادة مجال هيمنة الرأسمال. كما سمحت أزمة المديونية في بلدان العالم الثالث وبرامج التقويم الهيكلي، للقوى الرأسمالية الصناعية الكبرى بتقوية هيمنتها على شعوب العالم دول المحيط (العالم الثالث زائد الكتلة السوفياتية سابقا)، وحصلت تحويلات كثيفة للثروات. وفي كل أزمة لهذه البلدان، يزداد خضوعها للنموذج الليبرالي المهيمن. ويواصل الحاكمون والطبقات المهيمنة سياساتهم المدعمة للرأسمال، وإن كانت الأزمة الراهنة تدل على أن النيو-ليبرالية المنتصرة تدخل مرحلة توثر شديدة. فالحركة من أجل عولمة بديلة التي بدأت في 1994-1995 كشفت عن فقدان مصداقية النيو-ليبرالية بشكل عملي، وإن كانت لم تستطع بناء ميزان قوى كفيل بصد الهجوم وإحراز انتصارات نوعية. لكن الأزمة المالية التي اندلعت في 2007 والهجوم المعمم على مكاسب الأجراء والفئات الشعبية دفعت بصعود موجة جديدة من المقاومات منذ 2009، في كل من اوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية (حركات الغاضبين ولنحتل وول ستريت، إلخ). كما اندلعت ثورات شعبية في المنطقة المغاربية والعربية من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبدأت شراراتها حتى في بلدان نامية كتركيا والبرازيل. إنها نضالات مباشرة ضد إجراءات التقشف، ومازالت تتسم بالتشتت وغياب الأفق السياسي البديل.  ومن هنا ضرورة العمل على توحيدها وتخصيبها وتوسيع التضامن الأممي حتى تتطور إلى مقاومة جذرية واسعة ضد النظام الرأسمالي.

 

 

المحور الثاني: الأزمة الرأسمالية العالمية تعمق مأزق الخيارات النيو-ليبرالية بالمغرب

لم تأثر أزمة الرأسمالية العالمية على الاقتصاد المغربي على صعيد الأزمة المالية مباشرة لضعف اندماجه في الأسواق المالية الدولية، ولكن أثرت عليه أساسا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي بحكم تبعيته البنيوية للسوق الدولية على أصعدة التمويل والتكنولوجيا والاستثمار والتسويق والغذاء، إلخ. وبالتالي، سيتعمق مأزق جميع الخطط القطاعية في الفلاحة والسياحة والصناعة، إلخ، والمرتبطة بالسوق الأجنبية والأوروبية أساسا، والنقص الحاد في مصادر العملة الصعبة (وضعية المهاجرين المغاربة كإحدى ضحايا الأزمة، والسياحة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة)، إلخ.

احتداد العجز البنيوي للميزان التجاري

منذ بداية الستينات، بقي الاقتصاد المغربي مرتكزا على كان عليه في عهد الحماية، أي غياب صناعة محلية، والتركيز على تصدير بعض المواد المنجمية وبعض المنتجات الفلاحية.

وعمقت برامج التقويم الهيكلي هذه التبعية، فاتحة الباب أمام دخول السلع الأجنبية. وهذا ما يكشف عنه العجز البنيوي للميزان التجاري والذي سيزداد حدة مع الأزمة الرأسمالية العالمية. فمنذ سنة 2007، انخفضت أثمان صادرات المغرب الرئيسية في الأسواق العالمية (10% سنة 2011 مقارنة مع سنة 2010 بالنسبة للطماطم والخضراوات، 8% بالنسبة للحوامض، إلخ)، في حين ارتفعت أسعار وارداته بشكل كبير (مواد الطاقة أكثر من 32%، القمح 27%، إلخ)، وبلغ العجز الميزان التجاري أكثر من 200 مليار درهم سنة 2012 مقابل 136 مليار درهم سنة 2007، ولم تعد الصادرات تغطي حتى نصف واردات البلد (48%).

إن الرصيد التجاري السلبي يعكس بشكل واسع آلية ترحيل القيم إلى الخارج من خلال التبادل غير المتكافئ، حيث يصدر المغرب منتجات أولية وبعض المنتوجات شبه الصناعية والفلاحية الثانوية تتضمن ساعات عمل تفوق بكثير تلك التي يستوردها من البلدان المصنعة ذات المردودية العالية، علاوة على كونها مدعمة بشكل كبير.

سنسوق مثاليان دالين يعكسان بشكل جلي هذا العجز التجاري الذي ليس فقط ظرفيا بقدر ما هو بنيوي مرتبط بما حكمت به علينا المؤسسات المالية الدولية وحكومات الدول العظمة طيلة 5 عقود: تصدير المواد الخام (المعادن) ومنتجات الأرض (البواكر والحوامض)، واستيراد مواد الطاقة والتكنولوجيا والغذاء.

 

اتفاقيات التبادل الحر تعمق العجز التجاري

في سنة 2012، بلغ العجز التجاري للمغرب في إطار اتفاقيات التبادل الحر حوالي 64 مليار درهم (32% من العجز التجاري الاجمالي). بلع مع الاتحاد الأوروبي حوالي 52 مليار درهم (ربع العجز التجاري الإجمالي). وتتشكل الواردات في إطار اتفاقيات التبادل الحر أساسا من المواد نصف المصنعة (أكثر من 29% من مجموع الواردات) ومن مواد التجهيز الصناعي المكتملة (حوالي 24%)، أغلبها من بلدان الاتحاد الأوروبي.

ومع بداية أبريل 2013، بدأت جولة من “المفاوضات” بين المغرب والاتحاد الأوروبي حول “اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق” ALECA، والتي تسعى من خلالها الرأسمالية الأوروبية أن تحمي استثماراتها (الملكية الفكرية)، وتوسيعها إلى مجال الخدمات العمومية (الصحة، التعليم، إلخ).

ومن جهة أخرى، وقع المغرب، في فبراير 2013، اتفاقا فلاحيا مع الاتحاد الأوروبي، ستزداد بموجبه حصص صادرات بعض منتجاته الفلاحية. لكن الاتفاق يضمن أيضا نفس نسبة الانفتاح للصادرات الأوروبية إلى المغرب من خلال تحرير كامل على مدى 10 سنوات. وستستفيد صادرات الخضر والفواكه الأوروبية إلى المغرب من نسبة تحرير 67% (نفس النسبة لصادرات المغرب نحو أوروبا)، والصناعات الغذائية (المعلبات الغذائية، والمنتجات الحليبية والزيوت) بنسبة 98% (92% للمغرب)، قطاع الصيد البحري في حدود 91% على مدى 5 سنوات و100% على 10 سنوات (90% للمغرب). وهو ما يعني عمليا دعم كبار المصدرين الأوروبيين.

إن اتفاقيات التبادل الحر ليست لا حرة ولا متكافئة، حيث تنعدم القدرات التفاوضية لدى دول الجنوب بفعل التبعية والمديونية، ولا تحوز سلعها على أية تنافسية لا في الجودة ولا في التنوع ولا في تكلفة الإنتاج. ومن هنا فإن الانفتاح بدون قيود جمركية لن يؤدي سوى إلى تقوية عدم التناسب، وفتح المجال أمام مقاولات الشمال الكبرى للسيطرة على جميع الأنشطة الاقتصادية، وتنمية أرباحها على حساب تدمير اقتصاديات الجنوب المتخلفة وتعميق تبعيتها وإفقار سكانها.

 

 

 

تحويل الأرباح إلى الخارج

تنفيذا لإملاءات البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، أزالت الدولة المغربية الحواجز أمام حركة الرساميل وتحويل الأرباح إلى الخارج. فإذا كانت الاستثمارات الأجنبية المباشرة تميل إلى الانخفاض منذ اندلاع الأزمة الرأسمالية العالمية في 2007، فإن تحويل الأرباح الناتجة عنها إلى الخارج ارتفع بشكل مهول، حيث انتقلت من 6 مليار درهم سنة 2007 إلى حوالي 18 مليار درهم سنة 2011. 

 

الخصخصة أداة تصدير مباشرة للرساميل

تشكل عمليات الخصخصة مصدرا لتصدير الأموال من طرف الرساميل الأجنبية على شكل أرباح في اتجاه بلدانهم الأصلية أو مناطق أخرى، حيث تمنحهم الدولة مقاولات ومؤسسات عمومية مربحة على طبق من ذهب. فعلى سبيل المثال: في إطار توزيعها لمجموع أرباحها لسنة 2011، حولت شركة اتصالات المغرب مبلغ 4,3 مليار درهم لشركة فيفاندي الفرنسية التي تملك نسبة 53% من رأسمال ماروك تيليكوم. كما تسمح خصخصة الخدمات العمومية من خلال ما يسمى بالتدبير المفوض لتوزيع الماء والكهرباء، والنقل الحضري، والنظافة، وجمع النفايات المنزلية، إلخ، بفتح جيوب المواطنين للشركات متعددة الجنسيات لتستحوذ على أموالهم مباشرة وتحولها إلى الخارج.

 

تهريب الأموال

حسب دراسة قام بها مكتب أمريكي للاستشارة، قدر مبلغ الرساميل المغربية المهربة في الفترة الفاصلة بين 1970 و2008، بحوالي 350 مليار درهم، كانت ستكفي لتسديد الدين العمومي المغربي.  وخلال الفترة ما بين 2000 و2008، بلغ المعدل السنوي لتهريب الأموال إلى الخارج انطلاقا من المغرب حوالي 11 مليار درهم، وسيرتفع إلى 25 مليار درهم سنة 2011 في سياق الذعر الذي أصاب الأغنياء المحليين بعد انطلاق الثورات في المنطقة العربية وحركة 20 فبراير بالمغرب. ولا يتضمن تهريب الأموال تجارة المخدرات والمواد والسلع المهربة والدعارة، إلخ. كما لا يتضمن الرشاوي المدفوعة من طرف الشركات الأجنبية للحصول على صفقات عمومية، أو الأموال الناتجة عن الغش في الفواتير في ميدان المبادلات الخارجية، إلخ.

 

الديون آلية جهنمية لتحويل الثروات

تحتل الديون المرتبة الثانية بعد الضرائب في تمويل الميزانية العامة للدولة، وتأتي بشكل رئيسي من الاقتراض الداخلي والخارجي. وتضخمت المديونية العمومية للمغرب (الداخلية والخارجية) بشكل خطير في السنوات الأخيرة، خصوصا منذ اندلاع الأزمة العالمية في سنة 2007، لتبلغ أكثر من 600 مليار درهم (73% من الناتج الداخلي الخام) في النصف الأول من سنة 2013. وهذا ما يعني أن حوالي ثلاثة أرباع الثروة المنتجة بالمغرب مرهونة لصالح المؤسسات المالية الدولية والدول الكبرى، ثم البنوك التجارية المحلية والرأسماليين الكبار. فقد احتد ارتهان البلد بقرارات جميع هؤلاء الدائنين الذين يفرضون مشيئتهم لضمان تسديد ديونهم واسترجاع أرباح استثماراتهم. وبالتالي، فلا سيادة وطنية في ظل المديونية.

وسيحتد التضخم الكبير لحجم المديونية المغربية مع الأزمة الرأسمالية العالمية التي ستؤدي إلى تقليص الإيرادات المالية بالعملة الصعبة، وانخفاض الطلب على واردات المغرب الرئيسية وتراجع أسعارها، وارتفاع قيمة صادراته الأساسية (مواد الطاقة، المواد الغذائية، إلخ)، وارتفاع نسبة الفوائد في الأسواق المالية العالمية.

فالحاجة إلى التمويل الخارجي يتجسد في عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات الذي بلغ 83 مليار درهم سنة 2012 (10% من الناتج الداخلي الخام)، بعد أن كان إيجابيا بـ 12 مليار درهم سنة 2006، ولم يعد احتياطي العملة الصعبة يغطي سوى حوالي 4 أشهر من الاستيرادات بعد أن كان يغطي 11 شهرا سنة 2005. ولم تجد الدولة من حل سوى اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية لتقترض منها بالعملة الصعبة مباشرة عبر بيع سندات سيادية:

–          1 مليار أورو في سنة 2010

–         1,5 مليار دولار في دجنبر 2012

–         قرضين بمبلغ إجمالي يعادل 750 مليون دولار من السوق الدولي في 23 ماي 2013

–         قرض الوقاية والسيولة بقيمة 6.2 مليار دولار الذي وضعه صندوق النقد الدولي رهن إشارة المغرب على مدى عامين إن التزم المغرب بشروطه المجحفة.

 

الفئات الشعبية تتحمل التكاليف

خضعنا طيلة 43 سنة (منذ 1912 إلى 1955) للاستعمار الفرنسي المباشر الذي نهب ثرواتنا الأرضية والبحرية بقوة الحديد والنار، وحال دون أي تصنيع لبلدنا، وحكم على اقتصادنا بالتخلف الشديد، وعلى شعبنا بالفقر والجهل. ولم تفض سيرورة النضال من أجل الاستقلال إلى إحداث قطيعة مع الهيمنة الاستعمارية التي تواصلت بأشكالها الجديدة منذ نهاية الخمسينات. وها نحن بعد مضي 57 عاما، زاد خضوعنا لمشيئة المؤسسات المالية الدولية وأقطاب الإمبريالية التي تواصل ترحيل ثرواتنا عبر مختلف الآليات التي سردناها أعلاه (التبادل اللامتكافئ، الديون، ترحيل الأرباح، تهريب الرساميل)، وتغزو اسواقنا المحلية بمنتوجاتها المدعمة عبر اتفاقيات التبادل الحر مدمرة بذلك القطاعات الإنتاجية الهشة أصلا. ولضمان استمرار عملية ضخها لأرزاقنا، تصر على فرض برامج تلو البرامج وفق منطق الرأسمال، تؤدي إلى استنزاف بلدنا وتعميق تبعيته البنيوية في كافة المجالات المالية والتقنية والتجارية والصناعية والغذائية، إلخ، والتي ستزداد تفاقما في ظل الأزمة الرأسمالية العالمية. ويزداد خضوع الدولة المغربية لمراكز القرار الإمبريالية، وتواصل تطبيق الخيارات النيو-ليبرالية بمنح مزيد من التشجيعات والإعفاءات للشركات متعددة الاستيطان والرأسمال الكبير المحلي المرتبط بها عبر معزوفة “دعم أو تحفيز الاستثمار”، وتدعيم نزع القيود عن التجارة الخارجية وترحيل الأرباح، وتقوية الهجوم على مكاسب الفئات الشعبية من خلال تجميد الأجور، والتراجع عن دعم مواد الاستهلاك الأساسية (صندوق المقاصة)، والهجوم على أنظمة التقاعد، وجعل القطاعات الاجتماعية (التعليم والصحة) مجالات لتنمية أرباح الرأسماليين. فالحاكمون يسعون إلى ضمان أرباح الرأسماليين على حساب الفئات الشعبية التي تتخبط في أوضاع مزرية: ارتفاع البطالة التي تكتسي طابعا جماهيريا وشبابيا، درجات حادة من البؤس، توسع الهشاشة وعدم استقرار الشغل والحياة، تنامي أعداد الشباب الذين ينتحرون وهم يمتطون قوارب الموت أو يضرمون النار في أجسادهم من شدة اليأس، نسبة أمية مرتفعة خصوصا في أوساط النساء التي يرزحن تحت نير اضطهاد متعدد الأصناف، إلخ. وهناك معطيات غزيرة تصدرها عديد من المؤسسات الدولية في تقاريرها السنوية، تصنف المغرب ضمن المراتب الأولى في مؤشرات التخلف الاجتماعي والبشري. ولم تكن لإجراءات الترقيع، التي يوصي بها البنك العالمي مرة أخرى، من قبل “محاربة الفقر”، و”التنمية البشرية”، و”المشاريع المدرة للربح”، و “برامج التشغيل”، إلخ، أي تأثير ملموس، ما عدا كونها خدعة يروجها الحاكمون وخدامهم لتدويخ ضحايا خياراتهم.

 

مطالب أطاك المغرب

–         فك التبعية لمراكز القرار الامبريالية

–         نظام سياسي واقتصادي ديمقراطي يجسد تطلعات الفئات الشعبية الواسعة

–         إلغاء اتفاقيات التبادل الحر

–         اعادة توزيع عادلة للثروات

–         إعادة تأميم المقاولات والمؤسسات العمومية المخصخصة

–         إلغاء المديونية

–         إنتاج زراعي مرتكز أساسا على تلبية المواد الأساسي.

أكتوبر 2013

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube