الرئيسية / ملفات دراسية / المخططات الليبرالية / الهجوم النيوليبرالي على أنظمة التقاعد بالمغرب

الهجوم النيوليبرالي على أنظمة التقاعد بالمغرب

 

الهجوم النيوليبرالي على أنظمة التقاعد بالمغرب

يعتبر التقاعد أحد أهم المكاسب الاجتماعية للطبقة العاملة التي استطاعت أن تحققها بفضل النضالات وبفضل موازين القوى التي كانت في صالحها، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد استقلالات بلدان العالم الثالث. إلا أن الركود الذي شهده النظام الرأسمالي ابتداء من منتصف سبعينات القرن العشرين سيحمل هذا الأخير على شن الهجوم على المكاسب العمالية ومن بينها التقاعد.

 لم يشكل المغرب حالة استثنائية بالنسبة للتراجعات التي يعرفها قطاع التقاعد، ففي بلد يجتهد في تطبيق ما تدعو إليه إملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لن تنهج السياسات الرسمية مقاربة اجتماعية بقدر ما ستراعي مصالح أصحاب رأس المال. وهذا يظهر بشكل واضح في كل التدابير التي جاءت بها مجمل الدراسات التي أشرفت عليها الدولة بخصوص هذا القطاع. قبل أن نتطرق لهذه الدراسات سنحاول عرض بعض خصائص نظام التقاعد بالمغرب.

أولا: خصائص نظام التقاعد بالمغرب

يتميز نظام التقاعد بالمغرب بالتشتت، إذ  يتكون من صناديق متعددة ومتنوعة :     

*   الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ( CNSS) : صندوق خاص بعمال القطاع الخاص

 * الصندوق المغربي للتقاعد ( CMR ) : خاص بالوظيفة العمومية

*  النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR ) : خاص بالمؤقتين والمياومين والعرضيين العاملين مع الدولة والجماعات المحلية

 *  الصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR) : عبارة عن جمعية ينظمها ظهير 1958 و هو نظام تكميلي غير اجباري لفائدة أجراء القطاع الخاص

 *  بالإضافة الى صناديق أخرى داخلية خاصة  بمقاولات الدولة، كالمكتب الوطني للكهرباء. كما أن هناك صناديق داخلية التحقت بالنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد كالمكتب الشريف للفوسفاط و شركة التبغ و وكالات توزيع الكهرباء الذي ادمج صندوقه في النظام الجماعي في يونيو 2012

 و رغم تنوع الصناديق وتعددها، تظل نسبة تغطيتها ضعيفة، حيث لا تغطي سوى%  30 من السكان النشيطين. و يرجع ضعف التغطية هذا  إلى ارتفاع مستوى البطالة و الهشاشة في سوق الشغل بالإضافة إلى تملص أرباب العمل من التصريح بالعمال. كما يتميز نظام التقاعد بالمغرب بعدم التجانس، و هدا ما يظهر من خلال هدا الجدول الذي يبين الاختلافات الواضحة في نسب الاقتطاعات والمساهمات والتمويل بين الصناديق.

جدول يبين عدم التجانس (1 )

 

CMR

RCAR

CNSS

CIMR

التمويل

نظام التوزيع

الرسملة 2/3

التوزيع 1/3

نظام التوزيع

نظام تكميلي واختياري: التوزيع والرأسملة.

وعاء الاقتطاع

جميع مكونات الأجرة

جميع مكونات الأجرة مع تحديد سقف يساوي 4 مرات المعدل السنوي للأجور المصرح بها

سقف يساوي 6000 درهم

أجر معياري برسم كل سنة

نسبة المساهمات

%10

12%

7.93

تتراوح بين 3% و6%

حسب إرادة المشغل عند الانخراط

نسبة الاقتطاعات

10%

6%

3.96

 

ثانيا: دراسات وسيناريوهات تكرس الهجوم على النظام التقاعد

إن الهجوم الذي يستهدف نظام التقاعد ليس حديثا، وإنما يعود إلى حوالي عقدين من الزمن. فمند1997  بدأ الحديث في بعض الصحف المغربية عن القيام بدراسة أكتوارية (2) لصناديق التقاعد. لقد أكدت هذه الدراسات على التوصيات التي جاء بها البنك العالمي، وخاصة المشروع الذي قدمه في 1994 لتغيير أنظمة التقاعد  وقوامه نظام على ثلاثة دعائم: الاول جماعي بحد ادنى من التغطية (30 الى 50 % من الاجرة)، والثاني تكميلي واجباري (تغطية تكميلية من 10 الى 20 % من الاجر) تسيره مجموعات مالية خاصة، والثالث اختياري وفردي مبنى على رسملة صافية واعفاء ضريبي، تسيره كذلك مجموعات مالية. مذاك انطلقت بالعالم حملة محمومة لضرب انظمة التقاعد القائمة على التضامن (3) . فمند دلك الوقت و الحديث قائم على إحلال نظام الرسملة بدل نظام التوزيع بالرغم مما سيترتب عنه من آثار سلبية على المتقاعدين. و يتبين من خلال طريقة اشتغال النظامين أن الرسملة ليست في مصلحة المتقاعدين. لأن نظام التقاعد القائم على الرسملة يعتمد على توظيف الادخار الذي يأخذ من المداخيل أثناء فترة العمل للحصول على مردود مالي عند التقاعد. إن نظام الرسملة محفوف بالمخاطر فقد لا تكون تلك التوظيفات موفقة و بالتالي فإن الأمر يشبه المُقامرة بأموال الناس التي تكدح في البورصة. في حين أن نظام التوزيع هو نظام يتم فيه اقتطاع اشتراكات اجبارية كل شهر من الأجور، لأجراء يشتغلون و تُعطى هده الاقتطاعات للمتقاعدين كان يتم الإقتطاع من أجورهم عندما كانوا يشتغلون بدورهم. إن نظام التوزيع قائم على التضامن كما أنه يتميز بكونه يتيح تطبيق خيارات سياسية تتخد بشكل ديمقراطي بعد نقاش عمومي ( نقاش في البرلمان بعص القوانين التي تتعلق بتحديد النصوص المنظمة لسن التقاعد و نسبة الإشتراكات …)

وفي 1998 خضع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدراسة أكتوارية التي اعتبرت أن نظام التقاعد سخي بالمقارنة مع البلدان الأخرى، ومنذ ذلك التشخيص توالت الدراسات والسيناريوهات التي تدعي الإصلاح ولكنها في الواقع لا تكرس سوى الهجوم. [ و معلوم ان الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قد خضع للعديد من الدراسات حتى قبل 1998 ….]

1)                        سيناريوهات 2001 

أصدرت مديرية التأمينات والاحتياط الاجتماعي بوزارة المالية دراسة أكتوارية تحت عنوان “سيناريوهات إصلاح نظام التقاعد بالمغرب” ولقد جاءت السيناريوهات الأربع التي قدمتها هذه الدراسة وفية للنهج الذي يسطره البنك العالمي، مستخلصة  أن التغيرات الديمغرافية وسخاء المعاشات سيؤديان إلى انفجار حقيقي للنظام التقاعد. و بقصد مواجهة هذا المسار المظلم وجب تطبيق “إصلاحات” عميقة وملحة،  ومن أهم التدابير التي جاءت بها هذه الدراسة نذكر:

  • رفع نسبة الاقتطاع من الأجور من 7 في المائة إلى 10 في المائة وهو ما طبق في صندوق المغرب للتقاعد
  • رفع سن التقاعد
  • تغيير قواعد مقاسية المعاشات
  • تغيير أساس الأجور المعتمدة في حساب المعاش
  • تغيير معدل الأقساط السنوية taux d’annuité أو قيمة النقطة
  • إدخال الرسملة بشكل تدريجي.

2)                        تشكيل اللجنتين الوطنية والتقنية لإصلاح نظام التقاعد

بعد هذه السيناريوهات، وما جاءت به من تدابير تراجعية نُظمت مناظرة وطنية حول التقاعد في دجنبر 2003  صاحبتها حملة إعلامية سخرت فيها الدولة كل وسائلها الإعلامية لإقناع الناس وخاصة المستخدمين والأجراء والعمال بأن الدولة حريصة على انقاد نظام التقاعد من الإفلاس وطبعا لا تنقصها الأرقام والحجج والبراهين. ومن بين الحجج التي اعتمدتها في دعايتها مسألة التغيرات الديمغرافية، فقدمت الأرقام التي تؤكد على أن عدد المتقاعدين يتزايد بوتيرة أكبر وسيصبح أكبر من عدد المستخدمين النشيطين، وفي هذه الحالة لا بد من بعض التدابير وإن كانت مؤلمة كالرفع في سن التقاعد والزيادة في نسبة الاقتطاع، و ما على مريضنا إلا أن يتجرع دواءه المر. ولتفادي رفض العمال ونيل موافقة النقابات العمالية قامت الدولة في يناير 2004 بتشكيل لجنة وطنية تحت رئاسة الوزير الأول وتتكون من الأمناء العامين للمركزيات النقابية ومن أرباب العمال، ولجنة تقنية تتكون من النقابات الأكثر تمثيلية ومن الاتحاد العام لمقاولات المغرب. هناك من ينتقد مشاركة النقابات في هاتين اللجنتين لأنها تكون بدلك تساعد الحكومة على تمرير التدابير التعسفية كما أن النقابات ذاتها تستنكر القرارات الإنفرادية التي يتم اتخادها داخل هاتين اللجنتين.

لقد نظم البنك العالمي من 23 إلى 27 يونيو 2008 “زيارة عمل” إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإخضاع النقابيين بالخصوص )المفترض أن يعترضوا على أي مس بمكاسب العمال( لبرمجة عقولهم ليساهموا في تمرير جرعات “الإصلاح” المرة. هذا بدل أن يطلب نقابيونا العون والخبرة من نقابات بلدان أخرى تشهد نفس الهجوم على أنظمة التقاعد، مثل فرنسا التي تربط نقاباتها بنقابات المغرب أواصر تاريخية  (4).

                      3 ( تقرير مكتب أكتواريا حول التقاعد

مع كل دراسة تخرج حول نظام التقاعد، تقوم وسائل الإعلام للترويج لهذه الدراسات والتأكيد على أهمية تطبيق الإصلاحات  التي توصي بها، ويتعلق الأمر هذه المرة بالتقرير الذي قدمه مكتب الدراسات الفرنسي أكتوريا في أبريل 2010.  يؤكد هذا التقرير على انهيار أنظمة التقاعد ويخلص على أنه لا مفر من الإصلاح. يقترح تغيير طريقة تمويل صناديق التقاعد و دلك باعتماد نظام قائم على التوزيع والرسملة. رغم أن تعايش النظامين غير ممكن لأن نظام التوزيع يستلزم كتلة أجور مهمة و الإستخدام التام le plein emploi)) أي انعدام البطالة. في حين أن نظام الرسملة يتطلب فرض عمل أقل ( عكس الإستخدام التام) و أجورمنخفضة حتى يتزايد الريع و يتواصل تركز رأسمال.

كما يقترح التقرير إصلاح المقاييس حساب المعاش أي:

  • رفع سن التقاعد إلى 65 سنة.
  • زيادة في معدل الاشتراك بنسبة 2 في المائة كل سنة لبلوغ 20 في المائة
  • خفض تدريجي في المعاشات
  • نلاحظ أن هذه التدابير التي صدرت على مكتب الدراسات في 2010 تكاد تتطابق مع تلك التي نشرت في 2001، إنها نفس السيناريوهات التي تم الترويج لها قبل 9 سنوات ويروج لها مرة أخرى، في سياق مسلسل يسعى إلى الإجهاز شيئا فشيئا على المكتسبات الاجتماعية.

 

4)   دراسة المندوبية السامية للتخطيط: “استدامة نظام التقاعد

 

لقد قامت المندوبية السامية للتخطيط في غشت 2012 بالتعاون مع مركز الدراسات المستقبلية و المعلومات الدولية بإصدار دراسة تحت عنوان ” استدامة نظام التقاعد بالمغرب”. ركز سيناريو الأساس على تقييم تأثير التحول الديمغرافي على الوضع المالي لنظام التقاعد و على الادخار و الاستثمار و النمو الاقتصادي. و قد اعتمدت الدراسة على وضع نمودج للتوازن العام للأجيال المتداخلة، لاستشراف و توقع اتجاه التطور الحالي.

الى جانب هذا السيناريو الأساس، تمت دراسة سيناريوهات أخرى بديلة بالاعتماد على مجموعة من الافتراضات حول نظام التقاعد : معدل الاشتراك ، معدل التعويضات، و توسيع نطاق التغطية و رفع معدل الشغل و عن امكانية اعادة التنظيم المؤسسي في اتجاه توحيد نظام التقاعد. لقد ربطت المندوبية السامية للتخطيط الاختلال المالي الوشيك لأنظمة التقاعد بالعامل الديمغرافي و بسخاء المعاشات، و هي حجج مغالطة أصبحت مستهلكة لكثرة ما استعملتها الدولة لتبرير هجومها على التقاعد.   

ما العمل؟

يتبين مما سبق عرضه أن التدابير التي جاءت بها الإصلاحات لن تؤدي الا إلى مزيد من الضرب على احد أهم المكاسب الاجتماعية لشريحة واسعة من الكادحين في ظل ضعف النقابات و تواطؤها أحيانا. فقبل تسطير البدائل والاقتراحات التي ترد على الهجوم الذي يتعرض له نظام التقاعد لا بد من التأكيد أولا والتركيز على الدور الكبير المنوط بالنقابات. فقد تقدم الاقتراحات تلو الاقتراحات ولكن ستظل حبرا على ورق إذا لم يوجد من يفعلها ويدافع عنها. ففي ظل انعدام نقابات تقوم بدورها كما يجب ستصبح مكاتب الدراسات والخبراء الدوليون هم من يقرر في كل أمورنا (التقاعد، التعليم، الصحة، الشغل…). ولوضع حد لهذا التدخل هناك من يطالب بانسحاب النقابات العمالية من لجان الدولة التي تتبع و بشكل أعمى توجهات البنك العالمي، وتشكيل لجن عمالية قادرة على تحسيس الشغيلة والمتقاعدين وكذا توعيتهم حتى لا تصبح الدراسات والاصلاحات التي تشرف عليها الدولة على أنها حقيقة مطلقة وبالتالي ما على الجميع إلا السمع والطاعة. وعندما ستتضافر كل الجهود من أجل الدفاع على مكاسب الشغيلة آنئذ سيكون للمطالب معنى ووزنا مؤثرا، نذكر من بين هذه المطالب ما يلي:

  • محاكمة ناهبي صناديق الحماية الاجتماعية و استرجاع الأموال المنهوبة.
  • تسوية كافة المستحقات التي توجد في ذمة الدولة اتجاه الصناديق.
  • تعميم الضمان الاجتماعي و سن خطة عمل لتوحيد الصناديق.
  • اعادة النظر في السياسة الضريبية المتيعة و اقرار ضرائب تصاعدية على الثرواث و الدخول.مع إلغاء الضريبة على المعاشات.
  • التوزيع العادل للقيمة المضافة وللثروات فمشكل التقاعد هو مشكل توزيع الثروة وليس مشكلا ديمغرافيا.
  • تبني سياسة  اجتماعية تضع تلبية الحاجات الاجتماعية كأولوية عند التفكير في اتخاذ التدابير الإصلاحية .
  • تحمل الدولة مسؤوليتها في تمويل نظام التقاعد باعتبار أن المتقاعدين ساهموا في تنمية هده البلاد..
  • سن سياسة تشغيل تحارب الهشاشة وتقلص من البطالة.
  • فرض أجور لائقة تواكب زيادة الأسعار بدل الزيادة في الاقتطاع في ظل أجور زهيدة ومجمدة.
  • ايجاد الصيغ الكفيلة بفرض الرقابة الدائمة على عمل صناديق التقاعد من طرف المنخرطين ، بضمان الحق في الوصول للمعلومة و امكانية عزل من تثبت في حقهم تجاوزات ……..

 

                                                                        رشيدة الشريف

                                                                19 أكتوبر 2012

 

————————-

(1 ):  جدول يبين عدم التجانس صناديق التقاعد، مقتطف من تقرير لمحمد هاكش  أعده في شتنبر 2011 بعنوان:” إشكالية التقاعد بالمغرب و تحديات الإصلاح”.

 (2 ): أكتواري: أي أنه متعلق بالمناهج الرياضية التي يُطبقها المُختصون في علم الاحصاء و حساب الاحتمالات في مجال التأمينات و المالية.           

 (3 ): الهجوم البرجوازي يستهدف انظمة تقاعد الاجراء.ماذا يريد ارباب العمل و حكومتهم والبنك العالمي؟

الثلاثاء 12 كانون الأول (ديسمبر) 2006 . المناضل-ة عدد 14 .

http://www.almounadil-a.info/article960.html

 (4 ): تقرير مكتب اكتواريا حول التقاعد: استعداد على قدم وساق لتنفيذ العدوان على مكاسب الشغيلة. السبت 29 أيار (مايو) 2010

المناضل-ة عدد: 26. http://www.almounadil-a.info/article1862.html

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube