الرئيسية / ملفات دراسية / النساء / السلطات تستعمل الأخلاق آلية لملاحقة النشطاء
السلطات تستعمل الأخلاق آلية لملاحقة النشطاء 

السلطات تستعمل الأخلاق آلية لملاحقة النشطاء

السلطات تستعمل الأخلاق آلية لملاحقة النشطاء 

في ملف يعيد فتح نقاش حول الحريات الفردية بالمغرب، وفي سياق الهجوم على ما تبقى من مكتسبات الشعب المغربي، أقدمت السلطات على اعتقال هاجر الريسوني (28 سنة)، الصحفية بجريدة أخبار اليوم، رفقة خطيبها، بتهمة “ارتكاب علاقة جنسية غير شرعية، نتج عنها حمل وإجهاض غير مشروع”.

تفاصيل الحادث تعود حسب تصريحات هاجر الى توقيفها من قبل الشرطة المغربية رفقة خطيبها رفعت الأمين (باحث وناشط حقوقي سوداني)، في حي أكدال وسط الرباط، نتيجة لارتيادها عيادة طبية، كانت مسبقا محط مراقبة بناء على معلومات حول الممارسة الاعتيادية لعمليات الإجهاض بالعيادة المعنية، فيما أكدت هاجر أنها كانت تتلقى علاجا من نزيف داخلي. كما يتابع في الملف كل من الطبيب الأخصائي وكاتبته وأخصائي تخذير.

ومثلت الصحافية هاجر يوم الاثنين شتنبر 2019،  بالمحكمة الابتدائية بالرباط، وسط حضور إعلامي وحقوقي قوي،  توج بتنظيم وقفة احتجاجية تزامنا مع المحاكمة، رفعت فيها شعارات مستنكرة للإجهاز على الحقوق والحريات، ومنددة بإدخال أجساد النساء في السياسة، ومطالبة بالكف عن سياسة تكميم الأفواه بأساليب قذرة تصل حد استرخاص أجساد النساء.

قضية هاجر والجدل حول الحريات الفردية

 أثار اعتقال الريسوني جدلا كبيرا حول الحريات الفردية في المغرب، بما يشمل ملاحقة المواطنين بقوانين تقمع حقهم في التصرف بأجسادهم. فالسلطات تستخدم أسلوبا معروفا لمعاقبة الصحفيين والناشطين المعارضين بتهم تتعلق بالحق العام. فهم يعتقلون على خلفية مواقفهم وكتاباتهم، لكن توجّه إليهم تهم، مثل حيازة المخدرات، الخيانة الزوجية، الإجهاض.. لإخفاء الطبيعة السياسية للمتابعة، والتقليل من التضامن مع المعتقل، وتشويه سمعته وضرب مصداقيته في المجتمع، وهو نفس السيناريو الذي قادته السلطات بحق نشطاء حراك الريف، في تأكيد لخيار القبضة الأمنية الحديدية وتسخير القضاء لإسكات الأصوات المعارضة والانتقام من النشطاء.

على نفس المنوال صارت قضية هاجر التي استأثرت  بتعاطف كبير من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي والجسم الإعلامي والحقوقي بالمغرب، حيث وقع نحو 150 صحافيا عريضة تضامن نددوا فيها بـحملات التشهير الهادفة إلى تدمير سمعة الصحافية، كما قابلت جمعيات حقوقية وهيئات مهنية اعتقال الريسوني بكثير من الشجب والاستنكار، وطالبت منظمتا “العفو الدولية” و”هيومن رايتس وتشو”، بإطلاق سراح المعتقلة و الغاء التهم الموجهة إليها. أثارت القضية كذلك نقاشات حول حرية النساء في التصرف بأجسادهن بعيدا عن وصاية التقاليد والرجل، مع المطالبة بإلغاء تجريم الإجهاض والتأكيد على حق النساء في الإيقاف الإرادي للحمل وحقهن المطلق في تملك  أجسادهن، وعلى احترام الحق في إقامة علاقات رضائية بين راشدين دون تدخل القانون والمجتمع في مراقبة هذا الحق.

خروقات بالجملة

شهدت القضية خروقات عدة، تفضح تغوُّلا على القانون من قبل السلطة التي تنفذه، من خلال توسيع قواعد وسلطة الاعتقال، مع تغليب المقاربة البوليسية في معالجة القضايا واستعمال الاعتقال السياسي بغطاء جنائي للضغط على المعتقل وعلى محيطه، فقد تم إجراء الخبرة الطبية الثانية على هاجر دون إذنِها، ودون حكم قضائي، ما يعد خطوة إلى الوراء بالغة الخطورة ، تبرز تمييزا مجحفا بحقها، كما تبرزه طريقة اعتقالها وتسريب التقرير الطبي، ما يعد ضربا للسر المهني ومسا خطيرا بالحق في حماية الحياة الحميمية للأشخاص وحرياتهم الشخصية.. هذا دون الحديث عن الخروقات التي تضمنها بلاغ النيابة العامة التوضيحي.

جمعية اطاك المغرب

وقد انخرطت جمعية اطاك المغرب عضو الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية، في استنكار وشجب استعمال أساليب القرون البائدة لمعاقبة النشطاء المعارضين، والتشهير بسلاح الأخلاق، و بهذا الصدد وقعت جمعية أطاك المغرب، بيانا تحت عنوان”جميعا من أجل حرية النساء في التصرف بأجسادهن والإطلاق الفوري لهاجر الريسوني، الى جانب عدد كبير من الإطارات الحقوقية والمدنية، كما شاركت في الوقفتين المنظمتين أمام المحكمة الابتدائية بالرباط، للتنديد بالخرق السافر للحياة الخاصة ومحاولة النبش في حياة الأفراد.

“محاكمة” تكشف المقاربة الأمنية للدولة

في نفس السياق، منعت السلطات العمومية الصحفيين والحقوقيين من ولوج قاعة المحكمة، فجرى تدافع بين هيئة الدفاع والصحفيين، وبين مواطنين قدموا لقضاء مصالحهم الإدارية واستنكروا التفرقة التي استعملتها الشرطة بالسماح للأجانب بالدخول على عكس المنابر الإعلامية المغربية.

وخلال المحاكمة التي حضرها عدد كبير من المحامين للدفاع عن المتهمة، رفض طلب السراح المؤقت، كما وقف المحامون على عدد من الخروقات التي شابت مساطر الاعتقال الاحتياطي والمتابعة، وإجراءات التحقيق.

إن تجريم الإجهاض لا يؤدي إلى تقليص حالاته بقدر ما يؤدي إلى حدوثه في ظروف سيئة غير سليمة وخطرة على صحة المرأة الحامل وعلى حياتها، فرغم الترسانة القانونية المغربية التي تجرم الإجهاض، يُجرى يوميا ما يقارب 800 عملية إجهاض سرية، ما يبقى التجريم القانوني حبرا على ورق، كما أن حماية الحياة لا تعني أبدا إجبار المرأة (قانونا) على الاحتفاظ بحملها خوفا من العقاب، بل يعني ذلك الجبر، خرقا صارخا للحقوق

لاشك أن للدولة المغربية سوابق في متابعة معارضيها بتهم ذات صبغة أخلاقية، أو التشهير بهم بغية نزع المصداقية عنهم، وهو مؤشر على تراجع خطير لم يحدث قطيعة مع ما سبق نتيجة الحصار والقمع وتغوّل الأجهزة الأمنية،  وبنفس الوقت، تسعى الدولة الى مزيد من الترويج لصورتها في المحافل والمنتديات الدولية، ما يعد تناقضا فاضحا بين الادعاءات والواقع.

بقلم : محمد المسير، عضو لجنة الاعلام لأطاك المغرب

 

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube