الرئيسية / ملفات دراسية / الاتفاقات الاستعمارية / ملحاحية وقف تسديد الديون العمومية وتخصيص نفقاتها لتمويل قطاع الصحة
ملحاحية وقف تسديد الديون العمومية وتخصيص نفقاتها لتمويل قطاع الصحة

ملحاحية وقف تسديد الديون العمومية وتخصيص نفقاتها لتمويل قطاع الصحة

بدأت الدعوات ترتفع لوقف تسديد الديون العمومية في بلدان الجنوب وتحويل التمويل لجهود التغلب على فيروس كورونا والحد من تفشيه. فبدولة الاكوادور؛ صادقت الجمعية الوطنية بأغلبية الأصوات على قرار يدعو 1) حكومة البلد الى مطالبة صندوق النقد الدولي والدائنين الآخرين بتعليق سداد الديون الخارجية واستخدام هذه الأموال لمكافحة جائحة فيروس كورونا 2) لتشكيل اتحاد مع الحكومات الأخرى بقارة أمريكا اللاتينية من أجل تعليق جماعي لسداد الدين الخارجي العمومي[1]. كما دعا المركز الاستراتيجي الجيو- سياسي الأمريكي اللاتيني إلى الغاء الدين الخارجي السيادي لبلدان أمريكا اللاتينية المستحق للمقرضين متعددي الأطراف (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، بنك أمريكا اللاتينية للتنمية)، وطالب بالوقف الفوري لسداد الديون المستحقة للدائنين الخواص الدوليين لمدة سنتين دون فوائد، وذلك حتى يتسنى تمويل الصحة العمومية وسن سياسات اقتصادية للتعويض عن الأضرار الناتجة عن جائحة كورونا[2]. وناشد المركز المنظمات الدولية الأخرى داعيا اياها للانضمام الى مبادرة الغاء الديون العمومية. وصدرت نفس الدعوات أيضا من شبكة اليوبيل[3] بكل من الولايات المتحدة الأمريكية، إنجلترا، أمريكا الجنوبية، الشبكة الأوروبية للديون والتنمية[4]، إلخ.

وفي انتظار نشر ردود فعل ومواقف الحركات الاجتماعية في القارة الافريقية التي تفشى فيها أيضا وباء كورونا وطال 46 دولة من أصل 54، جرى تداول خلاصات الاجتماع عبر الأنترنيت، والذي نظمه وزراء المالية الأفارقة، وتوصي تلك الخلاصات بالإعفاء من تسديد الفوائد على الدين العمومي والسندات السيادية لسنة 2020، مع إمكانية تمديد هذا الإجراء، وذلك من أجل تمكين الحكومات من الحصول على السيولة الفورية لتدبير حالة الطوارئ المرتبطة بفيروس كورونا. ويبدو أن أولوية الوزراء تكمن في تخصيص هذه الأموال، ليس لشعوبها المفقرة، بل أساسا للبنوك وكبار الرأسماليين من خلال الإجراءات التي يقترحونها لصالح القطاع الخاص: تنشيط سيولة البنوك المركزية لضمان استمرار البلدان والشركات في شراء المواد الأساسية دون إضعاف القطاع المصرفي، وإعفاء المقاولات من الفوائد على القروض التجارية والسندات ومدفوعات الضرائب والإيجار[5]. وهذه الإجراءات الفورية ستنفذ بقيادة المؤسسات المالية متعدد ة الأطراف، وعلى رأسها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. وقد دعا هذان الأخيران في بيان مشترك جميع الدائنين الثنائيين الرسميين إلى تعليق تسديدات ديون البلدان الأكثر فقرا لتلبية حاجيات التمويل الآنية التي يفرضها وباء فيروس كورونا[6]، لكن مع ضرورة مواصلة السياسات الاقتصادية المرتكزة على منطق السوق (الليبرالية)، والغاء جميع القيود (تحرير) أمام حرية تداول الرساميل والسلع، وتفكيك اشكال الدعم العمومي (أساسا دعم مواد الاستهلاك الأساسية وصغار المنتجين) [7]. وطبعا ليس في نية البنك العالمي الغاء ديونه ازاء الدول الفقيرة. ونفس الشيء بالنسبة لصندوق النقد الدولي الذي يعول على تبرعات الدول المانحة لتدعيم موارد “الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون” لمساعدة البلدان الأعضاء الأكثر فقرا وعرضة لخطر تداعيات تفشي فيروس كورونا على تخفيف خدمة ديونها المتمثلة في سندات دين تجاه صندوق النقد الدولي[8].  بل أكثر من ذلك، ستزداد مديونية البلدان الفقيرة. فالجزء الأكبر من مبلغ 64 مليار دولار الذي خصصه صندوق النقد الدولي (50 مليار دولار) والبنك العالمي (14 مليار دولار) لمساعدة هذه البلدان على مواجهة كورونا ستكون على شكل قروض.

إن التدهور البالغ للخدمات الصحية بغالبية بلدان الجنوب والفقر الذي تعاني منه غالبية شعوبها هي بالضبط نتيجة السياسات الليبرالية التي يشرف عليها البنك العالمي وصندوق النقد الدولي منذ خمسينيات القرن الماضي. فالبلدان التي غادرها الاستعمار المباشر وأرسيت فيها أنظمة تابعة، واصلت سداد الديون الكريهة للفترة الاستعمارية. ومنذ تأسيسهما في 1944 (مؤتمر بريتون وودز)، ساندت هاتان المؤسستان الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة في معسكر حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية[9]. كما ساهمتا بشكل كبير، في العوامل التي أدت الى نشوب أزمة الديون في 1982، وما تلاها من سياسات التقشف، وتقوية سلطة الدائنين، وتعميق نموذج اقتصادي ليبرالي يزيد، بشكل منهجي، من تخلف البلدان التابعة وعدم المساواة بينها وداخلها.

وقد استفاد المغرب بدوره من قروض البنك العالمي وصندوق النقد الدولي منذ أوائل الستينيات لتدعيم السياسات الاستعمارية الجديدة، والتي أدت الى عجزه عن تسديد خدمات الدين الخارجي للدول والبنوك مع نهاية السبعينيات، والى خضوعه لبرنامج التقويم الهيكلي (1993-1983)، ثم الى تعميم الخصخصة والانفتاح الليبرالي منذ أواسط التسعينيات (اتفاقات التبادل الحر). وهكذا اتسعت سطوة الشركات متعددة الجنسيات وقسم من الرأسمال الكبير المحلي على جميع مجالات الاقتصاد المربحة، وتعمقت التبعية الغذائية والصناعية، واحتدت مديونية البلد. وتدهورت الأوضاع الاجتماعية لغالبية الشرائح العمالية والشعبية، وانخفض دخلها السنوي، في الوقت الذي زاد فيه اغتناء أقلية من العائلات الرأسمالية مترابطة العلاقات مع دواليب السلطة.

تفرض ضرورة استرداد الديون العمومية تقليص الميزانيات الاجتماعية، وضرب مجانية خدمات الصحة والتعليم، ومنحها للمقاولات الأجنبية والمحلية الكبرى عبر ما يسمى بالتدبير المفوض والشراكة بين القطاعين العام والخاص. وقد كشفت أزمة فيروس كورونا حجم الدمار الذي أصاب قطاع الصحة بالخصوص جراء هذه السياسات الليبرالية.

فمعدل الميزانية المخصصة للصحة في قوانين المالية للسنوات الست الأخيرة، بلغ 14 مليار درهم في السنة، مقابل 27 مليار درهم في السنة لفوائد وعمولات الدين العمومي[10]، أي حوالي ضعفي ميزانية الصحة. وإذا احتسبنا مجموع نفقات الدين العمومي وهي تسمى خدمة الدين (أي حصة الدين الأصلي زائد الفوائد) نجد أن المبلغ يصل الى أكثر من 150 مليار درهم في السنة[11]، أي أكثر من 10 مرات ونصف ميزانية الصحة. وتنعكس هذه الأرقام في الخصاص المهول في البنيات والتجهيزات والأطر الطبية، والذي تعاني من تبعاته الأسر المغربية، وهي التي تتحمل أكثر من نصف نفقاتها من مالها الخاص في حالة المرض.

إن أعباء تسديد الديون العمومية تتحملها الفئات الشعبية من خلال توسع الفقر والهشاشة وبطالة الشباب. ولتعويض تدني دخلها الذي لم يعد يسمح بتغطية مستوى معيشي لائق، تلجأ هذه الفئات بدورها الى الاستدانة من البنوك ومؤسسات قروض السكن والاستهلاك والقروض الصغرى بمعدلات فائدة مرتفعة.

وفي سياق الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت مع تفشي جائحة كورونا، سيرتفع عدد العاطلين عن العمل، وستزداد صعوبات الأسر المغربية في تغطية مصاريف حماية صحة أفرادها وعيشهم. ومن هنا ضرورة وقف سداد ديونها البنكية والقروض الصغرى واعفائها من الفوائد طيلة المدة التي ستتطلبها حالة الطوارئ الصحية بوجه الوباء[12].

كما تطرح استعجالية مكافحة انتشار فيروس كورونا ضرورة وقف تسديد الديون العمومية المغربية وتخصيص نفقاتها لتمويل قطاع الصحة أساسا وتوفير الخدمات العمومية الضرورية الأخرى ودعم مواد الاستهلاك الأساسية وسن الزيادة في الحد الأدنى للأجر مع توحيده في جميع القطاعات[13]. سيتيح وقف تسديد الديون العمومية توفير سيولة مالية كافية جدا لتلبية الحاجيات الأساسية للشرائح الشعبية الواسعة في سياق الأزمة الحالية.

فعلى المغرب أن يحذو حذو الجمعية الوطنية في الإكوادور ويطالب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والدائنين الآخرين بتعليق سداد الديون الخارجية، واستخدام هذه الأموال للتدابير الاستثنائية التي تستدعيها مكافحة انتشار فيروس كورونا. وطبعا لن يستجيب الدائنون لهذا المطلب لكون الديون العمومية ليست مجرد قروض وجب استردادها، بل هي آلية لتأبيد نظام استعباد لشعبنا ونهب واسع لثرواته من قبل الرأسمال. ولنا في تجربة إخضاع شعب اليونان لأبشع شروط الدائنين بإشراف من الاتحاد الأوربي وصندوق النقد الدولي أسطع مثال على الطابع السياسي الاستعماري لمسألة الديون العمومية. لذا لن يكون تعليق تسديد سندات الديون سوى من جانب أحادي كما سبق للإكوادور نفسه أن فعل في 2008، والأرجنتين قبله في 2003، وبوركينا فاسو في 1987، إلخ[14]. فلا بد إذن من تعبئة شعبية واسعة لفرض مطلب وقف تسديد الديون العمومية تشارك فيها جميع منظمات النضال العمالية والشعبية ومنظمات حقوق الانسان وتنظيمات المعطلين والنساء والشباب، وجميع التقدميين من أساتذة جامعيين وخبراء الاقتصاد والقانون واعلاميين وصحفيين، إلخ. بمعنى جميع ما أمكن من شرائح الشعب المغربي الكادحة التي تؤدي ثمن المديونية. فلا تنمية دون إلغاء المديونية[15].

1 أبريل 2020

أزيكي عمر

عضو السكرتارية الوطنية لجمعية أطاك المغرب

[1] – بيان الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية. هل سيعطي الإكوادور مرة أخرى مثالا للشجاعة في مواجهة الدائنين؟ 24 مارس 2020. https://bit.ly/2WTLajC

[2] – المركز الاستراتيجي الجيو-سياسي الأمريكي اللاتيني. لقد حان الوقت لإلغاء الديون الخارجية لأمريكا اللاتينية. 27 مارس 2020. بالفرنسية.

http://cadtm.org/L-heure-est-venue-d-annuler-la-dette-exterieure-de-l-Amerique-latine

[3] – اليوبيل Jubilé حركة ظهرت مع حملة عالمية ضد الديون في سنة 2000 وتفرعت في بلدان الجنوب والشمال، وتضم عددا كبيرا من المنظمات التي تتعبأ من أجل إلغاء الديون.

[4]– الشبكة الأوروبية للديون والتنمية (EURODAD) شبكة منظمات غير حكومية بالبلدان الأوروبية تشتغل على القضايا المتعلقة بالديون وتمويل التنمية والحد من الفقر.

[5] – تقرير عن اجتماع وزراء المالية الأفارقة الخاص بفيروس كورونا. 22 مارس 2020. https://www.uneca.org/sites/default/files/uploaded-documents/VC-COVID19-IMPACT-AFRICA/african_ministers_of_finance_-_covid19_response_arabic.pdf

[6] – البيان المشترك. 25 مارس 2020 https://www.imf.org/ar/News/Articles/2020/03/25/pr20103-joint-statement-world-bank-group-and-imf-call-to-action-on-debt-of-ida-countries

[7] – خطاب رئيس مجموعة البنك العالمي ديفيد مالباس عقب المؤتمر عبر الهاتف لوزراء مالية مجموعة العشرين بشأن فيروس كورونا. 23 مارس 2020. https://www.banquemondiale.org/fr/news/speech/2020/03/23/remarks-by-world-bank-group-president-david-malpass-on-g20-finance-ministers-conference-call-on-covid-19

[8] – يقوم صندوق النقد الدولي بحملات لجمع تبرعات المانحين في “الصندوق الاستئماني لاحتواء المخاطر وتخفيف أعباء الديون” عندما تتضرر البلدان الفقيرة من كوارث طبيعية حادة أو تقع في أزمات صحية عامة. لكن الواقع أكد أن صندوق النقد الدولي يستغل الكوارث لمزيد من الضغط على البلدان الفقيرة واستنزاف ماليتها كما جرى في هايتي خلال تعرضها للزلزال في سنة 2010، أو خلال أزمة فيروس أيبولا في غينيا وليبيريا وسيراليون في 2015.

[9] – إيريك توسان، طغيان البنك العالمي، الأجندة الخفية لإجماع واشنطن، 2006. الفصل 24. الترجمة الى العربية لجمعية أطاك المغرب، فبراير 2019

[10] – أرقام قوانين المالية للفترة 2014-2019.

[11]– أرقام تقارير الديون في قوانين المالية للفترة 2013-2018. لمزيد من التفاصيل انظر مذكرة أطاك المغرب حول مطلب إلغاء الديون العمومية كإحدى الشروط الضرورية لأي تنمية اقتصادية واجتماعية وبشرية حقيقية المنشورة على موقع الجمعية. 12 شتنبر 2018. https://bit.ly/2xErc20

[12] – أنظر نداء جمعية أطاك المغرب: من أجل وقف تسديد القروض الصغرى لفترة 6 أشهر قابلة للتمديد مع الاعفاء من جميع الفوائد. 29 مارس 2020. رابطه على الموقع. https://bit.ly/2UtZ7mU

[13] – منذ فاتح يوليوز 2019، يبلغ الحد الأدنى للأجر الصافي في القطاع الصناعي 2500 درهم في الشهر، مقابل 1800 درهم في الشهر في القطاع الفلاحي. وهناك اتفاق لتوحيد الأجور وقعه أرباب العمل ودولتهم والنقابات في 26 أبريل 2011 في سياق تعبئات حركة 20 فبراير، لكنه لم يطبق لحدود الآن.

[14] – إريك توسان (Eric Toussaint)، داميان ميلي (Damien Millet)، ريمي فيلان (Remi Vilain): تجارب تعليق أحادي الجانب لتسديد الديون خلال القرنين الأخيرين. 30 يونيو 2015. موقع جمعية أطاك المغرب. https://bit.ly/2WXT1wA

[15] – نداء جمعية أطاك المغرب: من أجل تدقيق الديون العمومية المغربية: لا تنمية دون إلغاء المديونية. 9 نونبر 2014. موقع أطاك المغرب. https://bit.ly/2w6enwW

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube