الرئيسية / ملفات دراسية / البيئة / لماذا تتوسع جائحة كورونا بطنجة؟
لماذا تتوسع جائحة كورونا بطنجة؟

لماذا تتوسع جائحة كورونا بطنجة؟

 تشهد مدينة طنجة ارتفاعا مضطردا لحالات الإصابة بفيروس كورونا بعد مرور اكثر من شهرين على اكتشاف اول حالة مصابة بالدار البيضاء،  وقرابة الشهرين على بدء الحجر الصحي،  وهو ما يثير عددا من الأسئلة حول السبب، وما اذا كان الأسوأ لم يأت بعد.

 لا تطبيق لإجراءات سليمة

مع تسجيل اولى الاصابات وتعميم الحجر الصحي،  كان المفترض عزل بؤر وحالات الاصابة، لحصر رقعة الانتشار، من خلال العزل بأماكن معدة لذلك خارج المستشفيات (فنادق)، لكن تحت رقابة طبية، او بالمستشفيات بالنسبة للحالات المُستدعية ذلك، بصورة مبكرة وسريعة، مع سياسة نشطة للكشوفات والتحاليل بالوسائل المتاحة، وعلى نطاق واسع كي تستغل فترة الحجر في القضاء على البؤر وتقطيع اوصال الوباء. لكن الفنادق لم تستعمل الا بصورة محدودة ومتأخرة نسبيا. اما عدد الكشوفات فهزيل للغاية. كما كان المفترض وَضْعُ المصحات الخاصة، التي طالما استنزفت جيوب المقهورين  واستفادت من امتيازات متنوعة، على الاقل في هذه الظرفية الاستثنائية تحت تصرف المصلحة العامة دون قيد أو شرط، وكذا التسريع بفتح المستشفيات الجديدة على قلتها(مستشفى القرب بني مكادة، المركز السوسيو اجتماعي علال الفاسي، مستشفى الأمراض العقلية شراقة. وكلها مؤسسات صحية  جاهزة غير مشغلة في انتظار التدشين… كاسطية وايضا المراكز التابعة لمندوبية الصحة كمركز طب الادمان ومركز ذوي الاحتياجات الخاصة)  باعتبارها بنيات تحتية مهمة وتستوفي الشروط الصحية لاستقبال المرضى .

كان يفترض كذلك الالتفاتة لبعض الفئات الهشة المُعْتَبَرَةُ اكثر عرضة للفيروس، وقد تساعد على نقله نظرا لخصوصياتها، كمستعملي المخدرات والاشخاص في وضعية الشارع والمهاجرين، عبر تمتيعها بالحد الادنى من ظروف السلامة (السكن، الطعام، النظافة والخدمات الصحية).

واقع جلي، لا مجال لحجبه

غير ان فداحة الخصاص في البنيات والأطر والتجهيزات، جعل الأطقم الطبية تدخل الحرب شبه عزلاء. مضت اسابيع على بدء الحديث عن احتمالات انتقال الوباء الى البلد، قبل ان تتحسن قليلا بعض مستلزمات العمل. في ظل هذا الوضع الذي وُجد عليه قطاع الصحة كان من شان سياسة للكشف ومتابعة المخالطين ان تخلق تعبئة طاقات اكبر واسرع وبطريقة اوسع. هذا ما كان يتطلب تعبئة كل الأطر الطبية المعطلة عن العمل فورا واعتبارها موظفة آليا. وكذا وضع اليد على بنيات فندقية وتجهيزها واستعمالها لاستقبال الحالات المشتبه بها.

لقد حلت الجائحة ووزارة الصحة غير مستعدة لمواجهة الوباء. فلا تدريبات استباقية ولا تجهيزات احتياطية كافية لمواجهة طارئ ما او كارثة طبيعية. ناهيك عن انعدام ولو مختبر واحد في مدينة غنية كطنجة، وبقاء مختبر باستور طنجة شبه مغلق لسنوات طويلة، ما يفسر التضارب بين واقع الحالة الوبائية وما يُصَرَّحُ به رسميا.

 ارتبك المسؤولون ومعهم المقهورون حول الزامية وضع الكمامات من عدمه. ورغم ان الشغيلة بطنجة ينتجون ملايين الكمامات، لم يَجْرِ توفيرها بالكميات والجودة المطلوبة بسلاسة. استمر وجود مقهورين ومقهورات بالشوارع دون كمامات، لضعف الوعي، ولتدهور القدرات الشرائية لألاف الأسر الكادحة. ليس ضعف الامكانيات المالية ما يُعْوِزُ طنجة، إذ توفرت موارد مالية ضخمة لبناء الكازينو وملاعيب الغولف وميناء ترفيهي ومئات القصور وملعب ضخم تأكل الشمس كراسيه ومحطة قطار باذخة. بالمقابل، لا  يجد المرضى مستشفى ملائما، او سريرا للعلاج.

جشع بورجوازي حريص على الأرباح، لا الأرواح               

اضحت طنجة اليوم منصة انطلاق لاقتصاد ضخم مبني على استعباد جديد للبشر، تحركه شركات متعددة الجنسية مستفيدة من امتيازات توفرها دولة الاغنياء. وهي شركات تعصر الارباح وتُرَحلُها الى الخارج، من عرق عمال وعاملات جرى تجريدهم/ تجريدهن من كل الحقوق، بعد تحوُّلِ المدينة الى فضاء لتركز عمالي ضخم مُستقبِلٍ لتدفقات شبابية قادمة من مناطق ومدن أخرى دُمرت فلاحتها أو صناعتها بسبب سياسات  الخصخصة واتفاقيات التبادل الحر الاستعمارية.

 بهذا المركب الرأسمالي الضخم، طنجة، حيث الثروات في جهة، والبُؤسُ بالجهة الاخرى، يعيش المقهورون والمقهورات اوضاعا لا انسانية يغيب فيها الحد الادنى للعيش الكريم، في مجالات الصحة والسكن والحماية.. لا مساكن بمواصفات انسانية وصحية توفر شروط العيش اللائق. فقد نبتت احياء عشوائية عملاقة حيث غياب الطرقات بمواصفات وتصاميم مناسبة،. لا حدائق أو مسارح أومكتبات أو دور سينما، بينما اختصت مافيات عقارية تحمل اسماء شركات ببناء شقق قذرة ومهترئة بأثمان باهظة. هكذا يسلب النظام البنكي جزءً من اجور الشغيلة، الهزيلة سلفا، على شكل فوائد لسنوات طويلة.

هذه السياسة افرزت شغيلة في اغلبهم شباب يعيشون ظروفا قاسية، مهددون دوما بفقدان العمل ومعرضون لكافة صنوف الاستغلال، في مختلف القطاعات.. من البناء الى النسيج الى صناعة مركبات السيارات والخدمات المختلفة. اضافة الى فئات عريضة تعيش وضعية هشة ودخلها غير قار ولا تغطية صحية لها. بينما يتهرب ارباب عمل كثر من احترام ابسط قوانين الشغل. في ظل حرب ضروس على العمل النقابي، فما ان يتأسس مكتب نقابي حتى يجري طرد اعضائه وعضواته من العمل  وتشريدهم/ تشريدهن. 

سقوط ما تبقى من اوراق التوت

شركات المناطق الحرة للتصدير بطنجة، تابعة عمليا وخاضعة لِمُصدري الأوامر بمراكز الشركات متعددة الجنسيات. تدمر البيئية، ولا تقيم اعتبارا للتداعيات الصحية الوخيمة لأنشطتها على العاملات والعمال. هي شركات يمكن ان تقفل ابوابها وتغادر البلاد متى بدا لها ذلك ضروريا للحفاظ على ارباحها.

  جل هذه الشركات يستخف بإجراءات السلامة خلال الأيام العادية، ويسير على نفس النهج في ظل جائحة فيروس كرونا. دافعها الى ذلك، تجنب رفع كلفة الانتاج. فهي تعتبر ان احترام مسافة الأمان بين العمال وتعقيم اماكن العمل وآلياته ووسائل النقل والمطاعم ومخادع تغيير الملابس، وما سيترتب عليه من خفض في حجم الإنتاج، كلفة باهظة ستحد من تنافسيتها. لكنها لا تطرح سؤال من يدفع كلفة تحطيم صحة العمال والعاملات وعائلاتهم وامكان فقدانهم الحياة. هذه الشركات مساهمتها الضريبة تافهة مقارنة بالأرباح التي تجنيها من عرق آلاف العاملات والعمال.

وبحكم ان الطبقة العاملة غير منظمة في نقابات قوية ونشطة وطبقية مدافعة قولا وفعلا عن مصالح الشغيلة، وجدت اقسام مهمة من الشغيلة نفسها عزلاء من سلاح النضال لتحسين الوضع، مطوقة بواقع سماته اجور لا تكفي لتغطية مصاريف شهر، ديون نظام بنكي نهاب، وحماية اجتماعية منعدمة بكل بساطة، فعشرات ألوف الشغيلة وجدوا انفسهم غير مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لسنوات او مصرح بعدد اقل من ايام عملهم. بينما قسم آخر من الشغيلة يمارس مهنا تجارية (باعة جائلون مياومين) وجدوا انفسهم عُزَّلا  امام جائحتي كورونا والبؤس. لقد اسقطت الجائحة ما تبقى من اوراق التوت عن كل الاكاذيب حول المساواة في الحقوق. لسنا سواسية بوجه الوباء. لسنا سواسية في قوانين المجتمع البورجوازي.                                                                   

كي يعود المقهورون والمقهورات “الى الحياة”

يفرض النظام الرأسمالي على ملايين البشر نساء ورجالا ، إيقاع عيش جهنمي، جوهره خدمة البورجوازية في سعيها المحموم لمراكمة الأرباح، والتمتع برغد الحياة. تحرم البورجوازية باقي الشعب متى استطاعت إلى ذلك سبيلا من كل متع الحياة. بحكم طبيعة التنظيم الاقتصادي للمجتمع، يجري قذف ملايين البشر الى الهامش وسط معاناة لا متناهية (جريمة، دعارة ومخدرات)، لا يلتفت لها مجتمع الفرجة البورجوازي.

الإجراءات الحاسمة التي يجب اتخاذها لمواجهة الكارثة الصحية والاقتصادية، لا يجب ان يكون الهدف منها العودة الى ما قبل الجائحة، بل القطع مع النموذج الربحي لتنظيم المجتمع، لأجل نموذج قائم على اعطاء الأولوية  لتلبية الحاجيات الحيوية للإنسان.

ولكي تكون هذه الجائحة مناسبة كي يعود ملايين البشر الى الحياة، لا بد من اعطاء اولوية قصوى للخدمات العمومية الاجتماعية الحيوية وجعلها مجانية، لأنها ستكون ممولة بصورة تضامنية، وكل حسب طاقته. كما يجب، تجنبا لمخاطر بيئية وصحية هائلة، الغاء كل الأنشطة الاقتصادية المضرة بالبيئة.

الأموال التي كان من المفترض ان تذهب لفائدة صندوق الضمان الاجتماعي والحماية الصحية، باعتبارها اموالا من حق العمال وعائلاتهم، يجب ان تصادر فورا من ناهبيها، فأنظمة المعلومات وقاعدة المعطيات المتوفرة عند مختلف اجهزة الدولة، تمكنها على وجه الدقة من معرفة المتهربين من دفع كافة مستحقات العمال. ام ان اجهزة الرقابة لا مهمة اخرى لها الا رصد نضالات الشغيلة وضبطها؟.

لكي يعود ملاين الشغيلة والكادحين الى الحياة فعلا، لا بد لهم من التنظيم في لجان عمالية في اماكن العمل، يكون هدفها الأولي هو ضمان السلامة الصحية، والحماية الاجتماعية. فكافة منظمات النضال الشبيبية والنسوية والعمالية، المدافعة قولا وفعلا عن مصالح الشعب العامل، يجب ان يكون هدفها العاجل النضال لاجل اعادة التوزيع العادل للخيرات المنتجة، من خلال خفض الفروق في الدخل عبر نظام ضريبي يتحمل الأغنياء تكلفته، وتخفيض ساعات العمل الأسبوعية بالشكل الذي يسمح بمواجهة البطالة، ويحسن الخدمات العامة ويسعف جماهير الشعب لإيجاد  وقت للعناية بأنفسهم.

أطاك المغرب – مجموعة طنجة

12 ماي 2020

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube