الرئيسية / ملفات دراسية / البيئة / فاجعة تارودانت: دولة في استرخاص دائم لأرواح مواطنيها
تارودانت
فاجعة تارودانت: دولة في استرخاص دائم لأرواح مواطنيها

فاجعة تارودانت: دولة في استرخاص دائم لأرواح مواطنيها

فاجعة تارودانت: دولة في استرخاص دائم لأرواح مواطنيها

 عادت السيول الجارفة والزخات الرعدية للتمظهر أواخر هذا الصيف (2019) بالجنوب المغربي، كشكل من أشكال تطرف الطبيعة الحاد، الناتج عن التغيرات المناخية التي يشهدها العالم، والناتجة بدورها عن فعل بشري.

فالنمط الرأسمالي للإنتاج (المبالغة في إنتاج بضائع وسلع تفوق الحاجيات بهدف الربح) والتوزيع والاستهلاك (كما يتجلى في الاشهار) هو المسؤول الأول عن احترار الكوكب وارتفاع الحرارة درجات عما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، بسبب الغازات الدفيئة كثاني أكسيد الكاربون والاستهلاك المفرط للوقود الأحفوري وغيره من سموم المصانع الرأسمالية، ما ينذر بمخاطر تهدد بقاء الكوكب والجنس البشري على سطحه.

وحسب خبراء البيئة، ليست الكوارث الجارية سوى البداية لما هو آت من ظواهر كارثية أشد تطرفا، وقد تجلت في بلادنا في فيضانات اوريكة ذات الخسائر البشرية الهائلة وفيضانات 2014 بنفس مناطق الجنوب والجنوب الشرقي، وفيضانات شتنبر 2018، وصولا إلى فاجعة سيارة النقل المزدوج بالمنطقة الجبيلة بين تاليوين واقليم الحوز، ثم الفاجعة الاخيرة لملعب الكرة بضواحي تارودانت، التي لن تكون الأخيرة.

فقد عاش قرويو جماعة” امي نتيارت” التابعة لقيادة اضار ضواحي تارودانت بتاريخ 28 غشت 2019 أجواء رعب بعدما داهمت سيول الوادي ملعب الكرة فجأة، حاصدة في طريقها عشرات الشباب وهم في عز استمتاعهم باللعب. هكذا ذهب من زهقت أرواحهم منهم ضحية اللاعدالة وسياسة الإهمال والتهميش الذي ظلت القرى عرضة له منذ الاستقلال الشكلي، حيث تعمقت الهوة السحيقة بين مناطق المشاريع الرأسمالية الضخمة بالمدن الكبرى وما تحظى به من تجهيز يشمل بنياتها التحتية، وبين المناطق القروية المتروكة لمصيرها حيث الاسترخاص الدائم للأرواح البشرية.

لن تكون هذه الفاجعة الأولى ولن تكون الأخيرة، إن لم يعلنها الكادحون صرخة مدوية بوجه  النهب والاستيلاء على الثروات واللامبالاة بأرواح شبابنا واهالينا الذين ينتزعهم منا الموت كل مرة، بقرانا المهمشة، حيث لا برامج تنموية حقيقية سوى أكاذيب أبواق الدعاية الرسمية والاقلام المأجورة لمثقفين زائفين خدام الاستبداد.

فأطفالنا محرومون من أبسط شروط طفولة عادية، ونساؤنا الحوامل يلدن على قارعة الطريق، وشبابنا يموتون قبل تذوق طعم الحياة. ذنب هذه الفئات أنها ولدت في الأماكن والشروط الأشد إقصاء وتهميشا، حيث تخلى الحكام عن واجباتهم إزاء أهالينا المهمشين، انصياعا لإملاءات أسيادهم الدوليين، من دول صناعية استعمارية ومؤسسات وصناديق مالية امبريالية.

فبدل تنمية حقيقية فرضت الدولة سياسة تقشف ظالمة تعمق باستمرار الهوة السحيقة بين الأغنياء جدا، وهم الأقلية المستحوذة على أغلب الثروات، والأغلبية الكادحة الخالقة للثروة دون استفادة.

لاتزال ردود أفعالنا، إزاء فاجعة تارودانت وغيرها، حبيسة مواقع التواصل الاجتماعي، مستنكرة وشاجبة ومعبرة عن الحزن العميق، ومدينة لسياسة الحكام، في بلد بلغت ديونه أضعاف الميزانيات الهزيلة المخصصة للتعليم والصحة، وحيث أعلى سلطة في البلاد، فقط تتألم لأوضاع شعب يتخبط في أهوال الحرمان والجوع والبطالة والمرض.

لازلنا كذلك ننسى بسرعة ضحايا شعبنا، أبطال الريف الشباب القابعين في السجون، وأطفال فاجعة طانطان، والنساء ضحايا الرغيف بالصويرة، واللائحة طويلة، وستطول، ان لم ننفض عنا غبار الاتكالية والانتظارية، فعلا وقولا  ونباشر بالرد الحقيقي النضالي والشعبي ونجسده في الميدان، فمصيرنا لن يختلف عن من سبقونا من الضحايا.

إذا كنا فقدنا سيادتنا الشعبية وقدرتنا على التحكم بمصيرنا، في ظل الاستبداد ودولة الرأسمال التابع، فإننا لم نفقد بعد انسانيتنا. فلنحيي إذن أواصر التضامن والمازرة وقيم التآخي بين كل منهم في الأسفل. فبوحدتنا وتضامننا النضالي قادرون وقادرات على بناء مغرب آخر ممكن وضروري، يتسع لكل ابناء الشعب، مغرب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات.

سياسة “التكفل بالدفن” لم تعد مستغربة بالنسبة للمغاربة. الشعب فقد الثقة في مبادرات من هم فوق، فلنقو، إذن، ثقة مقهوري هذا الشعب في قدراتهم النضالية.

لا تحرر للمقهورين إلا بأيديهم

بقلم: إبراهيم الحاتمي. عضو أطاك المغرب. مجموعة طنجة

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube