الرئيسية / ملفات دراسية / البيئة / سياسة السدود بالمغرب،تدعيم للاستحواذ على الارض و خدمة للرأسمال الصناعي.
سياسة السدود بالمغرب،تدعيم للاستحواذ على الارض و خدمة للرأسمال الصناعي.

سياسة السدود بالمغرب،تدعيم للاستحواذ على الارض و خدمة للرأسمال الصناعي.

 

منذ الاستقلال الشكلي عن فرنسا عام 1956، شكل بناء السدود، الذي ارتبط بتملك الأرض، توجها تابتا في السياسة الرسمية للدولة. لقد بدأ هذا المسلسل منذ 1967 حيث قرر الحسن الثاني آنذاك  العمل لتصل المساحات المسقية إلى مليون هكتار بحلول سنة 2000، و هو الامر الذي تحقق منذ 1998، وتابع ابنه محمد السادس نفس السياسة.

الخطاب الرسمي يبرر هذا التوجه بشح المياه بالبلاد و من اجل استقلال المغرب الغذائي وتوفير الماء الضروري للشرب و للصناعة، لكن رغم الميزانيات الضخمة المخصصة لبناء السدود ظل المغرب يستورد جل حاجياته الغذائية الاساسية و هو ما يشكل عبئا إضافيا على الميزان التجاري، كما ان السدود التي تم بناؤها لا تسقي سوى حوالي 15% من مجوع الأرضي الصالحة للزراعة رغم ان تكلفتها ساهمت بشكل كبير في الرفع من المديونية العمومية. وظلت عدة مناطق من المغرب تشكو من ندرة المياه الصالحة للشرب( زاكورة، تالسينت، اهرمومو، بني ملال، أزيلال، وزان، صفرو، طنجة ..الخ) وبعض من هذه المناطق لا تشكو من نقص في التساقطات الشتوية.

لذلك يمكن ان نتساءل ما جدوى هذه السدود؟ و ما الهدف منها؟ ومن المستفيد من تشييدها؟

  • بناء السدود بالمغرب. من المستفيد؟
    • الأساس المادي لبناء السدود، الاستحواذ على الارض

احتلت فرنسا المغرب عام 1912، و استولت على اهم أراضيه الخصبة  وقد تعززت هذه الرغبة بعد الحرب العالمية الأولى و أزمة القمح التي رافقتها، فبدأ الفرنسيون في الاستحواذ على الأراضي الخصبة بالقوة وانتزاعها من  أصحابها تحت ذريعة مساعدتهم. وبعد ذلك قررت فرنسا أن يتحول المغرب إلى بستان للخضراوات والحمضيات “بعد أن رأت كيف تحولت ولاية كاليفورنيا القاحلة في أمريكا بفضل تقنيات الري،  إلى أرض تنتج الحمضيات والخضراوات “(1). لذلك قرر المستعمر بناء السدود لسقي الأراضي التي استولى عليها،  لتصدير منتوجاتها الى فرنسا. فبعد انتزاع الأرض عن طريق القوة عمد الفرنسيون الى تخصيص المياه للضيعات الخصبة التي استولوا عليها.

قبيل الاستقلال الشكلي، كانت حصة  المستعمرين من الأراضي تتجاوز المليون هكتار(1.017.000 هكتار)، و هي من اجود الأراضي بالبلاد، حيث تتركز نسبة 70% منها (716.000 هكتار) على شريط الدار البيضاء- الرباط- الغرب و حوالي ربعها (252.000 هكتار) بمنطقتي فاس و مكناس(2). و تمثل الضيعات الكبرى التي تفوق مساحتها 300 هكتار حوالي 60%  من المساحة الاستعمارية الاجمالية.

تتوزع ارضي المستعمرين على أراضي الاستعمار الرسمي أي تلك الأراضي التابعة للدولة الفرنسية مباشرة و أراضي استولى عليها المعمرون بتشجيع و تحفيز من هذه الدولة. يلخص الجدول(3) اسفله هذا التوزيع :

تكمن أهمية هذا التقسيم في إعطاء فكرة عن طريقة استرجاع الأراضي و إعادة توزيعها بعد رحيل المستعمر، فقد بدأت الدولة المغربية باسترجاع ارضي الاستعمار الرسمي وبعد ذلك باسترجاع أراضي المستعمرين الخواص الذين تم تعويضهم عن الأرض التي استولوا عليها، وهي حالة استثنائية جدا حيث يتم تعويض المستعمر بعد سنوات من النهب.

لقد تأخر الاسترجاع الرسمي للأراضي الزراعية من المستعمر و لم يتم الشروع فيه الا سنة 1963 أي بعد سبع سنوات من الاستقلال بعد تفاهمات بين الحاكمين والمستعمر، و استمر هذا المسلسل بعد اصدار ظهير 1973في الموضوع.

شكلت مسألة الاسترجاع هاته نقلة نوعية في تاريخ ملكية الأرض بالمغرب. فبعد ان تمكن المقاومون من دحر الاستعمار وفرضوا عليه الرحيل، لم يتم توزيع الأراضي المسترجعة على أصحابها الأصليين الذين كان الاستعمار قد انتزعها منهم بالقوة. لقد تمت عملية استرجاع  الأراضي وتوزيعها عبر مرحلتين، وفق ما يلي :

+ المرحلة التي ابتدأت سنة 1963 حيث تم استرجاع أراضي الاستعمار الرسمي(289000هكتار)، وقد عمل الحسن الثاني على اعطاء حق الانتفاع من غلل الأراضي المسترجعة المتواجدة في داخل كل إقليم على حدة لبعض الفلاحين، في خطاب ألقاه سنة 1966  و المتعلق بكيفية تسيير الأراضي المسترجعة.

+  المرحلة التي ابتدأت  سنة 1973،  حيث تم الشروع في استرجاع الأراضي من المعمرين الخواص( 728000هكتار). جزء  من هذه الأراضي  و المقدر بحوالي  328 الف هكتار  تم تسييره عن طريق شركتين وطنيتين هما صوديا و سوجيطا. ومعلوم أن أغلبية هذه الأراضي تم إعادة  توزيعها من جديد، بصفة سياسية واضحة لتنمية طبقة الملاكين الكبار، على الزبناء السياسيين و العسكريين وغيرهم ولم يتبقى منها سوى حوالي 76 ألف هكتار التي تم التخلص منها أيضا. و الآن أصبحت صوديا و سوجيطا اسمين في الذاكرة فقط. اما الجزء الآخر و المقدر ب 400 الف هكتار ، فقد انتقلت ملكيته مباشرة الى الخواص المغاربة عبر عملية بيع وشراء يلفها الكثير من الغموض. ومن الواضح ان محيط الملك استفاد بشكل كبير من هذه العملية التي أعطت الانطلاقة لظهور طبقة الملاكين الكبار.

 إن الملك محمد الخامس، أب الحسن الثاني، لم يكن اكبر ثري بالمغرب إلى حد أنه كان يرغب أن تقوم فرنسا بتعويضه بشكل مناسب عن 26 شهرا التي قضاها مضطرا رفقة أسرته في المنفى بكورسيكا ومدغشقر. و هذا ما حدث بالفعل فوضعت فرنسا في حسابه 600 مليون فرنك فرنسي بينما كان تقديره هو لمصاريفه هو 70 مليون فرنك فرنسي فقط. إلا أن العائلة الملكية، راكمت ثروات طائلة خلال عهد الحسن الثاني الذي أصبح الملاك العقاري الأول وأكبر صاحب رأسمال بالمغرب. و للتخلص من المعارضين لهذا النهج لجأ  ابتداء من يوم 7 يونيو 1965 إلى الاعلان عن حالة الاستثناء، وأضحى يتحكم في كل شيء إلى حدود سنة 1970.

“لقد بدأ استحواذ الملاكين الكبار على الأرضي الخصبة يتعاظم مع مرور الوقت : فمنذ منتصف السبعينات إلى غاية 1996، تقلص عدد المالكين للأرض ب22%  وانخفض عدد من لا يملكون ارضا او يتوفرون على أراضي تقل عن هكتار واحد ب 85 %”(4). لقد تمت بلترة(*) سريعة لفقراء الفلاحين وتم الدفع بهم للهجرة او العمل في الضيعات الكبرى.

و تتوفر هذه الضيعات على مواصفات الزراعة العصرية، حيث حظيت الفلاحة الاستعمارية بمختلف أشكال الدعم المالي والتقني وتوفير البنيات التحتية الضرورية من سدود وطرق .

من الواضح ان توزيع التركة الاستعمارية لم يتم بدوافع تنموية، إنما كان يرتهن إلى الشروط الاجتماعية والسياسية لتلك المرحلة التي مر منها المغرب آنذاك.  لقد كان توزيع الأرض يهدف بالأساس لكسب النخب وخلق بورجوازية فلاحية لدعم النظام، خاصة ان الصراع لازال قويا مع المعارضة الوطنية البورجوازية على طريقة صناعة القرار أي على طريقة الحكم. لهذه الاسباب شكلت الأراضي الزراعية رشاوي عينية ، مفيدة جدا، لتدجين بعض النخب، “»فالإصلاح الزراعي «لم يكن عملية اجتماعية، وبذلك لا يمكن أن تكون له تأثيرات اقتصادية حاسمة، إنه عملية سياسية”(5).

في عام 1964، اقر صندوق النقد الدولي  بالطبيعة الفلاحية للاقتصاد المغربي وبضرورة اعتماد هذا التوجه، مما ساهم في بلورة سياسة فلاحية مبنية على الاقتراض لدعم الملاكين الكبار على حساب باقي الفلاحين وساكنة العالم القروي، وتمكينهم من الاستحواذ، بطرق مختلفة، على أراضي صغار الفلاحين وأراضي الجموع، وفي هذه الفترة تم الاستيلاء على الكثير من هذه الأراضي مما أجج غضب الساكنة القروية وأشعل فتيل عدة انتفاضات فلاحية، ومنها انتفاضة “أولاد خليفة” التي سقط خلالها سبعة قتلى واعتقل الدرك الملكي العديد من الفلاحين. آنذاك قد تم اعتماد سياسة السدود لتوجيه الفلاحة المغربية نحو السوق الخارجية بغية ضمان الحصول على القدر الكافي من العملة الصعبة لتسديد الديون.

1-2-   بناء السدود، من المستفيد؟

كان هدف المستعمر الفرنسي من بناء السدود هو  تحويل المغرب الى سلة غذاء لفرنسا و قد عمل على توفير المياه اللازمة لسقي المزروعات التي سيتم تصديرها. و تعمق هذا التوجه خاصة بعد الحرب العالمية الأولى مع الاضرار التي الحقتها بفرنسا. اما خطاب ما بعد الاستقلال الشكلي، فأكد على ان سياسة الدولة في بناء السدود تهدف إلى استدامة سقي الأراضي الفلاحية و توفير الماء الشروب للساكنة والماء الضروري للصناعة.

 لمعرفة من المستفيد من بناء السدود علينا تفحص هذ الادعاءات، الواحد تلوى الآخر.

أولا، انطلق بناء السدود بالمغرب مع المستعمر الفرنسي منذ سنة 1929 عندما بنى اول سد بالبلاد وهو سد سيدي معاشو ثم سد قصبة تادلة، وتسارعت وتيرة البناء في أوائل الخمسينيات ببناء سد زمران وسد بين الويدان ذي الطاقة الاستيعابية البالغة 1384 مليون متر مكعب ليصل العدد الإجمالي للسدود التي بناها المستعمر الى ثلاثة عشرة سدا، وتواصل البناء في سنوات ما بعد الاستقلال. في عهد الملك الحسن الثاني الذي لقب بباني السدود، وفي نهاية السبعينيات، بني سد المسيرة الذي يعتبر ثاني السدود المغربية كبرا بطاقة استيعابية تبلغ 2760 مليون متر مكعب و شهدت فترة الثمانينات وبداية التسعينات بناء عدد كبير من السدود من مختلف الاحجام. و في سنة 1997 تم  بناء أكبر سد مغربي حجما، وهو سد الوحدة الذي يبعد بستين كلمترا عن مدينة فاس، بكلفة تقدر بثمانية ملايير درهم لسقي 100 ألف هكتار منها  13.310 هكتار بدائرة ورغة السفلى بإقليم سيدي قاسم و860 85 هكتار بسهل الغرب، ولتزويد مدينة الدار البيضاء بالطاقة الكهربائية. كلف بناء هذا السد ثمنا اجتماعيا غاليا، ” لقد غمر السد اكثر من 000 11 هكتار كانت تعتبر أهم مصادر عيش 69 دوارا تتراوح ساكنتها بين 200 و600 نسمة بسبع جماعات قروية ( كيسان، الورتزاغ، تافرانت، تابودة، كلاز، مولاي بوشتى، بوشابل). أما عدد الأسر التي تم ترحيلها فوصل إلى 15000 أسرة”(6). من السكان من تم ترحيلهم باستعجال، في أقل من ستة أشهر، نحو اتجاهات متنوعة: مدينتي فاس و مكناس، ودواوير محلية. بينما وجد آخرون انفسهم فوق مجال ضيق لا يكفي لسد حاجياتهم في الشغل و العيش مما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة أو مزاولة أنشطة تجارية في الأسواق أو بين الدواوير. اما التعويض الذي منحته الدولة لهم فلم يكن كافيا، على الاطلاق، لجبر الضرر الذي لحقهم، بسبب فقدانهم لمساكنهم ومصدر عيشهم وتحولوا فجأة إلى عاطلين عن العمل فضلا عن عدم تعويض الشباب رغم كونهم متزوجين بمبرر استفادة رب العائلة، أي الاب الذي يعيشون معه تحت نفس السقف، ناهيك عن اقصاء ممنهج للنساء.

 واليوم لا تزال الدولة مستمرة في تبنى سياسة بناء السدود خاصة مع ظهور مساحات جديدة للزراعة بجنوب البلاد، و يصل عددها حاليا الى 140 سدا كبيرا فضلا عن عشرات السدود الصغيرة(حوالي 250 سدا) .اهم ومعظم السدود التي تم بناؤها، تسقي الأراضي التي تم الاستلاء عليها بعد انسحاب المستعمر منها،. “من يتوفر على مصادر الماء بهكتارين ستكون وضعيته أحسن ممن لا يتوفر على الماء ولديه 50 هكتارا فالماء يغير كل شيء بشكل جذري”(7). فالماء لا يمكن الاستغناء عنه للإنتاج الزراعي.

و عندما يتوفر احد الملاكين على ماء السقي فإنه يستفيد من إمكانية الاغتناء على حساب مصالح الجميع لان بناء السدود والتجهيزات الأخرى مال عام ومن المفروض ان يوجه الى الجميع على وجه المساواة. غير ان بناء السدود لا يسقي حاليا سوى حوالي 15 % من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة( و التي تقدر بحوالي تسعة ملايين هكتار) بعد مرور اكثر من خمسين سنة على مسلسل بناء السدود، بينما تضل 85% من الأرضي المتبقية تحت رحمة الامطار. من الواضح إذن أن الدولة نهجت سياسة تمييزية فيما يخص توزيع الماء أي أنها أعطت الماء لكبار الملاكين و حرمت صغار الفلاحين و مناطق عديدة من المغرب بسبب تركز أهم السدود بما كان يسميه المستعمر” المغرب النافع” وهذه العملية كانت اكثر تمييزا من عملية توزيع الأراضي على الموالين. هذا المعطى يدل بوضوح على ان السدود موجهة أساسا لسقي الضيعات العصرية التي يمتلكها الملاكون الكبار اما معظم الفلاحين الصغار والمتوسطين فتظل أراضيهم رهينة بتقلبات التساقطات المطرية، كما انه كاف لتكذيب الخطاب الرسمي الذي يدعي ان هدف بناء السدود هو تجنب التقلبات المناخية وضمان سقي مستديم للمزروعات الفلاحية.

         ثانيا، لم يحقق المغرب اكتفاء ذاتيا فيما يخص انتاج المواد الأساسية التي يستهلكها سكانه، لذلك يضطر لاستيرادها، خاصة الحبوب والسكر والزيت وقد كانت قيمة المواد المستوردة من المواد الغذائية والمشروبات و التبغ خلال سنة2017 هي 35615 مليون درهم(8) و هو ما يشكل 9.57%من مجموع الواردات خلال نفس السنة، بينما يصدر الخصروات والطماطم و الحوامض…الخ من الضيعات العصرية ذات السقي المنتظم الى دول اوربا الغربية على الخصوص. وهنا ينكشف من جديد ادعاء توفير الاستقلال الغذائي لسكان المغرب و يتضح ان هدف بناء هذه السدود هو السماح للملاكين العقاريين الكبار بسقي ضيعاتهم و تصدير منتوجاتهم نحو الأسواق الخارجية. هذا العمل فضلا عن كونه يهرب الثروة المائية الوطنية فإنه يسمح بمراكمة اقلية من الملاكين الكبار لأموال طائلة على حساب السيادة الغذائية للبلاد واستقلال قراراتها. لقد دعم صندوق النقد الدولي هذا التوجه، كما سنرى لاحقا، والمتمثل في جعل المغرب حديقة خلفية لتصدير المنتوجات الزراعية.

          ثالثا، إذا نظرنا الى حجم المياه المستعملة للشرب فنجد انها لا تمثل سوى%12 ( بينما توجه  معظم المياه المعبأة أي حوالي 85%  لري الزراعة التصديرية على الخصوص، في حين تستفيد الصناعة  من 3% فقط)، و أن الساكنة لا تستعمل سوى 66 % من ماء السدود في شربها، وتستفيد بأشكال جد متباينة حسب المناطق.

         وحسب أرقام التقرير الوطني للمغرب حول الماء، فإن نصيب الفرد المغربي من المياه سيتجه نحو الانخفاض. و بالفعل  لقد ” انخفض هذا النصيب من 2500 مترا مكعبا سنة 1960 إلى حوالي 720 متر مكعب حاليا”(9) . ومع ذلك فهذا المعدل يخفي حقيقة مرة، لان توزيع حصة الفرد من الماء تعرف تفاوتات كبيرة حسب المناطق. فحصة الفرد من الماء بالمناطق الجنوبية لا تتجاوز 180 متر مكعب في السنة، إلا أنها تصل إلى حوالي 1850 متر مكعب بالنسبة للذين يعيشون بالقرب من الأحواض المائية في الشمال.

               يعمق تبذير المياه وضعف التجهيزات و تلاشيها و توحل السدود التي تتقلص حقينتها باستمرار الوضعية المشار اليها أعلاه. لذلك انفجر غضب المواطنين بحثا عن الماء الشروب في عدة مناطق من المغرب فيما تسميه الصحافة المغربية بثورة العطش. إنه دليل آخر على عدم صدقية الادعاء القائل بأن بناء السدود يهدف الى توفير الماء لساكنة المغرب.

        تستعمل الصناعة حوالي 3% من مياه السدود، غير ان مدن رئيسية كطنجة و الجديدة و البيضاء والقنيطرة وسلا والرباط فإنها تعتمد 100% على مياه السدود فيما يخص حاجياتها من الماء الصناعي والشروب كذلك.  لذلك نستنتج ان الدولة توجه استعمال الماء، كثروة مشتركة لتغطية حاجيات كبار الرأسماليين في الفلاحة والصناعة، على الخصوص، على حساب حاجيات الموطنين من الشرب و الري المعاشي.

الخلاصة الاولى

شكلت السدود بالنسبة للنظام أداة رئيسية في مغرب ما بعد الاستقلال لكسب ود و دعم كبار الملاكين للأراضي الفلاحية، فبعد الاستحواذ على الأرض من قبل كبار الضباط و المسؤولين الأمنيين و العسكريين فضلا عن كبار الاعيان، جاء الاستحواذ على الماء عبر بناء السدود، مما سمح بمنح امتيازات كبيرة لهذه النخب على حساب الشعب الكادح.

  • بناء السدود و الاستقلال الغذائي

   حصيلة بناء السدود نجدها في السطور التالية على الموقع الرسمي لوزارة الفلاحة و الصيد البحري، حيث نقرأ ما يلي:

” تم تكريس الفلاحة السقوية بالمغرب كمكون أساسي في الاقتصاد الوطني والجهوي باعتبارها رافعة لإنتاج الثروات وخلق فرص العمل. رغم استغلالها ل15% من المساحات المزروعة، فإن الفلاحة السقوية تساهم بحوالي 45% من معدل القيمة المضافة الفلاحية و75% من الصادرات الفلاحية. مساهمة تتجلى في فترات الجفاف حيث يتأثر الإنتاج بالمناطق البورية بحيث سجل خلال الموسم الفلاحي 1994-1995، الذي عرف بجفافه، مساهمة الزراعة السقوية ب 70% من القيمة المضافة…” (10)

يساهم القطاع السقوي بما معدله 99% من إنتاج السكر و82% من الخضروات و100% من الحوامض و75% من الأعلاف و75% من الحليب.

 ومع كل المعطيات الرسمية أعلاه، فاقتناء المعدات والتجهيزات والعديد من المدخلات الفلاحية من الخارج جعلتها( أي الفلاحة السقوية) ذات قيمة إضافية ضعيفة. وبالمقابل ينفق المغرب ملايير الدولارات على استيراد المواد الغذائية، و قد  كشفت إحدى التقارير الحديثة لمركز بحثي جنوب إفريقي أن المغرب أنفق ما يقارب 4،6 مليار دولار( حوالي41.4 مليار درهم مغربي) على الواردات الغذائية ما بين 2012 و2016، وأصبح يحتل المرتبة الرابعة على مستوى القارة الإفريقية بعد كل من مصر والجزائر وجنوب افريقيا. وبالمقابل فإنه جاء ثالثا على لائحة الدول الافريقية الأكثر تصديرا بعد كل من جنوب افريقيا و كوت ديفوار.

وسجل مكتب الصرف المغربي ارتفاعا مهما في حجم الواردات المغربية في الأشهر الأولى من سنة 2016، بزيادة 6.7 مليار درهم، أي بزيادة 4.3‎%‎  مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2015، غير ان حجم الصادرات لم يعرف نفس الارتفاع، وازداد بحوالي 1.9 مليار درهم فقط، . هذه الحصيلة السلبية عمقها اختلال الميزان التجاري الفلاحي الذي سجل عجزا يقدر ب4.8 مليار درهم خلال نفس الفترة.

وفي نفس السنة، 2016، تم تسجيل ارتفاع في واردات المغرب من القمح، والتي زادت بنسبة 16.8 بالمائة، لتبلغ 7.12 مليار درهم، فيما انتقلت المشتريات من الشعير من 455 مليون درهم إلى 1.06 مليار درهم، بزيادة وصلت إلى 611 مليون درهم.

تشمل واردات المغرب من المنتجات الغذائية، الحبوب واللحوم والسكر والزيوت…الخ. وقد وصلت قيمة هذه الواردات خلال الفترة الممتدة ما بين يناير وماي  2018 إلى 201 مليار درهم( و هو ما يشكل حوالي خمس الناتج الداخلي الخام) ، مقابل 184 مليار درهم في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة %9.7 في المائة.

الخلاصة الثانية

كرست سياسة السدود دور المغرب كحديقة خلفية لاوربا، و تم القطع، منذ بداية السبعينات،  بين الإنتاج الفلاحي العصري من جهة وحاجيات الاستهلاك الداخلي ومتطلبات السوق الوطني من جهة اخرى. واصبح المغرب يستورد ما يستهلك و يصدر ما ينتج. و هكذا فقد كرست الدولة امكانياتها لإنتاج المواد الغذائية، ذات القيمة المضافة “العالية”، حسب التعبير الرسمي، مقابل تجاهلها، في برامجها، للزراعات الموجهة للسوق الداخلي و التي  يحتاجها المواطنون/ت في استهلاكهم اليومي كالحبوب و الزيوت وغير ذلك. ونتيجة لذلك ارتفعت صادرات كبار الرأسماليين في مجال الفلاحة نحو الخارج مما ساعد على زيادة مراكمتهم للثروة بسرقة ماء البلاد( ماء السدود الموجه لضيعتاهم)، و بالمقابل ازدادت واردات المغرب من المنتوجات الفلاحية و المواد الغذائية المصنعة. وتسمح أيضا عملية الاستيراد هاته باغتناء المستوردين على حساب حاجيات الساكنة.

لقد ساهمت سياسة السدود في عجز الميزان التجاري الفلاحي المغربي مما ساهم في تعميق ازمة المديونية و في فقدان المغرب لسيادته الغذائية و أصبحت سياسته الفلاحية موجهة اكثر فأكثر لخذمة أقلية من كبار الملاكين خاصة بعد السياسة الجديدة للدولة في المجال الفلاحي و التي بدأت سنة 2008 بوضع       ما سمته المخطط الأخضر في مجال الفلاحة .

  • بناء السدود و المديونية العمومية

كرست الدولة بناء السدود ضمن سياستها في المجال الفلاحي بعد الاستقلال الشكلي بالاعتماد على القروض و المساعدات، و خلال المخطط الخماسي 1960-1964 تم تمويل  ثلاثة ارباع من  ميزانية التجهيز بالمساعدات الأجنبية خاصة بعد الازمة المالية التي عرفها المغرب آنذاك. ” وفي24  يونيو1964  سيتم التوقيع على أول اتفاق مع صندوق النقد الدولي حصل بموجبه مغرب ما بعد الاستقلال على “تسهيلات مالية” وصلت إلى 1.3 مليون دولار. وهو ما فسح المجال لإجراء أول تشخيص للاقتصاد المغربي من طرف صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وتقديمهما لتوصيات أكدت على ضرورة اعتماد  المغرب على الفلاحة وتوجيهها نحو التصدير الأمر الذي جعل المغرب ينهج سياسة السدود ويعتمد أساسا على الفلاحة ذات الدخل العالي الموجهة للتصدير”(11).

 اما المخطط الخماسي 1968-1972، الذي تمثل فيه الاستثمارات الخاصة بالري نسبة 41%، فقد جعل من الفلاحة أولوية أساسية وخصص لها ميزانية عامة تقدر ب “2551 مليون درهم مغربي من الاستثمارات العمومية منها 746 مليون درهم للسدود فقط” (12). و”تمت تغطية جل نفقات الاستثمار في إطار المخطط الخماسي 1981/85 بقروض خارجية”(13).

و رغم انفجار ازمة المديونية في بداية الثمانينات من القرن الماضي (انتقلت قيمة القرض الخارجي من 900 مليون دولار سنة 1972 إلى 12 مليار دولار سنة 1980 بمعدل تطور زيادة سنوي يقدر ب 130%.) ، فقد استمر نهج الاستدانة من اجل استثمارات عمومية في الزراعة خدمة لكبار الملاكين وتنفيذا لإملاءات المؤسسات المالية الدولية. فخلال سنتي 1985 و 1986 فقط تم بناء واحد و عشرون سدا بتوجيه من البنك الدولي و بالاعتماد على القروض و هذا ما ساعد في ارتفاع مديونية البلاد التي قفزت  في نهاية سنة 1986 إلى 17.24 مليار دولار امريكي و هذا يعني انها ازدادت بنسبة  % 2300 في ظرف17  سنة فقط.  وانتقلت خدمة الدين( الفوائد+ أقساط الرأسمال الأصلي) من1,6  مليار دولار سنة1987  إلى3  مليار دولار في سنة 1990 التي وصلت خلالها المديونية الى 25 مليار دولار امريكي. و استمر المسلسل خلال عقد التسعينيات.

 بعد رحيل الحسن الثاني عام 1999، واصل ابنه محمد السادس نفس النهج، و تابع بناء السدود بالاعتماد دائما على القروض الخارجية، ويصل عددها اليوم إلى 140 سدا كبيرا( بحقينة تقدر بحوالي 17.6 مليار متر مكعب) و 250سدا صغيرا،  و التي تحتاج الى 100 مليون درهم سنويا لصيانتها كما صرحت كاتبة الدولة السابقة المكلفة بالماء يوم الثلاثاء 2017 بالرباط خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين. ويوم الثلاثاء13 فبراير 2018 صرحت بنفس المجلس “ان المغرب بصدد بناء 14 سدا كبيرا سيكتمل إنجازها قريبا، و ان الحكومة برمجت بناء 30 سدا كبيرا في المستقبل.

الخلاصة3

هذا التوجه، المرتكز على بناء السدود بالاعتماد على الاقتراض له كلفة عالية بالنسبة لعموم المواطنين والمواطنات لأنه ساهم في الرفع من مديونية البلاد و التي يتحمل الفقراء كلفة تسديدها. و بسبب تضخم هذه الديون، دخلت الدولة في دوامة الديون الجهنمية التي لا تنتهي و هذا ما سهل على حكومات الشمال بدعم من  المؤسسات المالية الدولية فرض اختيارات ليبرالية سببت في تدمير ما تبقى من مكتسبات الصحة و التعليم و الخدمات الاجتماعية و فتحت البلاد للاستثمار المحلي و الأجنبي في شروط ليست في صالح الاجراء و عموم المواطنين.

  • على سبيل الختام

رغم المصاريف الضخمة التي انفقت على السدود، فهذه الأخيرة لا تغطي سوى الجزء القليل من الأراضي الفلاحية، بينما تضل %85 من هذه الأراضي خاضعة لتقلبات التساقطات المطرية و لا تغطي سوى 66%من حاجيات الساكنة من الماء الشروب مع تباينات كبيرة بين المناطق تترواح ما بين 0% و100% .

خلال سنة 2017 ، مثلا، تمت زراعة 5.4 مليون هكتار بالحبوب و كل هذه الأراضي غير مسقية. لذلك تظل إحدى الحاجيات الأساسية للمغاربة خاضعة للتقلبات المطرية و لا تستفيد من النفقات العمومية في بناء السدود. و من المؤسف ان المغرب أنفق، خلال نفس السنة، على استيراد هذه المادة فقط ما يعادل 57.75% من صادرات الطماطم و الخضر(الطازجة و المعلبة) والحوامض مجتمعة ( يتم انتاج هذه المواد بالضيعات المسقية العصرية).

         بالإضافة الى كون بناء السدود لا يخدم سوى مصلحة كبار الملاكين، بالأساس، فإن استراتيجية البناء هاته ليست بالناجحة، فتبخر المياه، خاصة في فصل الصيف، يؤدي إلى تناقص حجم حقينة السدود( تقدر الطاقة الاستيعابية للسدود الكبرى المئة و الاربعون ب 17.6 مليار متر مكعب)  ويزيد من هذا التناقص توحلها، ثم “موتها” مع مرور الوقت. و معلوم أن  إزالة الاوحال تتطلب مصاريف ضخمة قد تتجاوز بناء السد نفسه كما ان هذه الموارد المائية  تشهد  ضياع كميات هامة تقدر ب 3,1 مليار متر مكعب  سنويا في قطاعي السقي و الماء الشروب نظرا لضعف التجهيزات و تلاشيها، ولا تتجاوز فعالية شبكات التوزيع بهما، 55%  و70% على التوالي.  يمثل هذا الحجم الهام خسارة كبرى للاقتصاد المغربي، والتوجه الرسمي نفسه يعترف بهذا الضياع الهائل حيث تقر وزارة الفلاحة و الصيد البحري بضرورة تشجيع اقتصاد الماء و الحد من ضياعه عبر صيانة وتأهيل شبكات الري في المجالات السقوية.

اليوم، يجب ان ينصب الحديث على كيفية توزيع الماء بالمغرب وأن هذه السدود و طريقة تدبيرها لا تمثل حلا لعدد هام من المغاربة في مجال الشرب و لأغلبيتهم في مجال السقي انها لا تخدم،أساسا، سوى اقلية من الناهبين. لذلك تظل مسألة الإصلاح الزراعي ببعديها المجالي و المائي مطروحة على جدول الاعمال، اصلاح يراعي مصلحة السواد الأعظم بإعادة توزيع عادل للأرض و الماء.

  العربي الحفيضي

عضو السكرتارية الوطنية أطاك المغرب

12/11/2018

المراجع

(3): ألبير عياش، المغرب وحصيلة الإستعمار، ص 176

(4)   ندوة للنهج الديمقراطي حول المسالة الزراعية،

انظرhttp://www.annahjaddimocrati.org/ar/7562

(5): بول باسكون، زرع النماذج وغياب التجديد،  ص 34.

(6):  انظر، “سد الوحدة: نموذج لمشروع ضخم شرد وهجر وفقر العديد من القرى والأسر بإقليم تاونات” على الرابط:   http://taounate.net/archives/2161

(7): نجيب اقصبي في ندوة للنهج الديمقراطي المشار اليها في مرجع سابق

(8) : المملكة المغربية، مكتب الصرف، التقرير السنوي لسنة 2017

(9) : انظر، http://www.marocpress.com/almaghribia/article-218519.html

(10): http://www.agriculture.gov.ma/ar/pages/lirrigation-au-maroc

(11): “اطاك المغرب، “الحلقة المفرغة للديون المغربية”. انظر:

http://arabic.cadtm.org/ 2015/12/19/الحلقة-المفرغة-للديون-العمومية-المغر

 

L’ÉCONOMIE MAROCAINE DEPUIS L’INDÉPENDANCE                           : (12)

Abdel Aziz BELAL & Abdeljalil AGOURRAM   Avril-Mai 1970

على الرابط:

file:///C:/Users/reche/Desktop/السدود%20و%20المديونية/economie%20marocaine%20depuis%20lindependance.pdf

(13): اطاك المغرب، “الديون الخارجية المغربية. .حكاية لها تاريخ” على الرابط :

https://attacmaroc.org /الديون-الخارجية-المغربية-حكاية-لها-تا-2/

توضيح بعض المصطلحات حسب سياقها:

  • الدوار: تجمع سكني قروي
  • الجماعة : وحدة إدارية تشرف على عدة دواوير
  • الدائرة: وحدة إدارية تشرف على عدة جماعات
  • (*) : تحويل الفلاحين إلى عمال عديمي الارض
Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube