الرئيسية / شبكات أطاك / CADTM / المناظرة الوطنية للصحة والوصفة الليبرالية الجديدة

المناظرة الوطنية للصحة والوصفة الليبرالية الجديدة

المناظرة الوطنية للصحة والوصفة الليبرالية الجديدة

نظمت وزارة الصحة بشراكة مع البنك الدولي، منظمة الصحة العالمية، الاتحاد الأوروبي، منظمة الأمم المتحدة للسكان و منظمة الأمم المتحدة لحماية الطفولة، المناظرة الوطنية الثانية للصحة بمراكش من 1 إلى 3 يوليوز 2013 تحت شعار من أجل “حكامة جديدة لقطاع الصحة”[1] الحدث مهم لكونه الأول من نوعه منذ 1959 حيث لم يعرف المغرب أي مناظرة عمومية حول القطاع على مستوى وطني منذ 54 سنة. فرغم 4 مخططات إصلاح و 11 برامج قطاعية مازالت الصحة تتخبط في مشاكل بنيوية. طرحت المناظرة الثانية وصفة ليبرالية جديدة من أجل إخراج القطاع من مأزقه. قبل التفصيل في الوصفة المقترحة و التي تضمنها الكتاب الأبيض وجب الوقوف عند مناظرة و كيف أسست لما قد يأتي في مستقبل في إطار الميثاق الوطني للصحة. إليكم ملاحظات مشارك.  

عن الملكية التنفيذية

تميزت المناظرة بإلقاء كلمة الملك محمد السادس من طرف وزير الصحة. هذا الخطاب لم يكن مبرمجا. فالبرنامج الافتتاحي تضمن كلمة لرئيس الحكومة. بعد قراءة الرسالة الملكية بلع بن كيران لسانه ولم ينطق بحرف. مرة أخرى نرى مظهر للملكية التنفيذية و التي لا تتوانى في التدخل حتى في قطاع اجتماعي بعيد القطاعات السيادية (الدين، السياسية الخارجية و الدفاع). أظن أنها إشارة واضحة من المخزن والذي له موطأ قدم في الصحة منذ زمن من خلال تواجد مختلف أطباء الملك على رأس الهيأة الوطنية للأطباء وكذا الوزن الذي يحتله الطب العسكري في القطاع. بالإضافة لخرقه للقانون من خلال السماح لمصحات خاصة في ملكية الخليجيين (الشيخ زايد بالبيضاء والرباط) ومشروع المدينة الصحية بمراكش. المخزن يجدد آلياته من خلال جمعيات جديدة كمؤسسة لالة سلمى لمحاربة داء السرطان و التي أصبح لها دور محوري في السياسة الصحية. 

الرسالة الملكية بينت من جديد عن جبن الطبقة السياسية فمباشرة بعد قراءة الكلمة الكل أصبح يتغنى بمضمونها والكل يستشهد بها من أجل الدفاع عن الشيء و نقيضه.      

عن الديموقراطية التشاركية

أنه الشعار الكبير لهاته المناظرة. حيث تم إشراك العديد من الأحزاب، منظمات المجتمع المدني والنقابات. لكن هل من ممكن في يوم ونصف من الورشات انجاز عمل تشاركي فعلا؟ الجواب لا. الواقع أن الوزارة أتت بالخطوط العريضة للإصلاح التي ترى أنها الأفضل للقطاع. فالكتاب الأبيض[2] والذي ساهم فيه البنك الدولي و منظمة الصحة العالمية سيتم الاعتماد عليه في انجاز الإصلاح القادم. قاطع عدد من النقابات المناظرة بالإضافة لجمعيات و منظمات المجتمع المدني في إطار الجبهة الوطنية للدفاع عن الصحة[3]

لا أقول ان الحضور لم يكن له جدوى ولكن كان قليل الفاعلية. فاستثناء التنديد من خلال مداخلة في ورشات لم تستطع مقترحات الجمعيات والنقابات الوصول لتغيير الخط الليبرالي الحالي. مع التذكير أن القليل جدا من المنظمات هي التي تخالف طرح الوزارة. العديد كانوا على نفس الخط و آخرون لم يكن لهم الاهتمام أو حتى القدرة التقنية للقيام بنقد ما تم اقتراحه.   

عن تشخيص لقطاع صحة

كما هو الحال في عدة قطاعات قد لا نختلف مع التشخيص الذي يقدمه البنك الدولي. المشكل في الوقوف عند أسباب هذا الوضع و الحلول المتقرحة من أجل تغييره. أمراض القطاع الصحي هي كالتالي: نقص رهيب في الموارد البشرية والذي سيتعمق بخروج 7000 موظف في القطاع على التقاعد وهجرة الأطر إلى بلدان أخرى، ضعف الإنفاق العمومي على الصحة، ارتفاع نسبة مساهمة الأسر في تغطية تكلفة العلاج، ارتفاع أثمنة الأدوية، غياب تغطية صحية شاملة لكل فئات المجتمع، الفوارق الشاسعة بين الجهات، تخلف المغرب في مجال صحة الأم و الطفل، غياب حكامة الجيدة تقلل من تبذير الموارد القليلة أصلا، مركزية القرار، تفشي مظاهر الرشوة و عدم احترام أخلاقيات المهن الصحية، الخ….

عن خوصصة الصحة

بيت القصيد يكمن في الحلول المقترحة لهاته الأمراض وبعضها مزمن. خوصصة الصحة ليس بشيء جديد بالمغرب. التقويم الهيكلي شكل منعرجا لتبضيع القطاع: العمل بنظام التعريفة بالقطاع العام، انهيار الاستثمار العمومي في القطاع، تغيير تسمية الوزارة من وزارة الصحة العمومية إلى وزارة الصحة وفقط، الخ… ماذا يقترح اليوم من اجل تعميق هذا التوجه؟ مثلا للمعالجة مشكل الموارد البشرية، بعض مقترحات الكتاب الأبيض هي: العمل بالتعاقد، مراجعة نظام العمل و تخصيص نظام خاص خارج عن الوظيفة العمومية، إدخال نظام التحفيزات المالية، فتح مناصب الشغل بالقطاع العام وتمكين خريجي مدارس القطاع الخاص من اجتياز المباراة (المقترح خلق ثوترا في  و2012  وقد تم سحبه)

وظيفة الدولة الجديدة “هي التنظيم و ضبط تقديم العلاجات” (ص.17). ضعف التمويل يدفعها لطرح تشكيل شبكات مؤسساتية متنوعة لسد فراغ المؤسسات التقليدية التي تعنى بالصحة العامة والتخطيط (ص.18). في مجال تكوين الموارد البشرية يجب “إعطاء دفعة قوية لبرنامج جديد مع ضمان ضبطه”. هل يعني ذلك فتح التكوين في مجال الطب للخواص؟

أحد أهم المشاريع المرتقبة هي فتح الاستثمار الخاص في الصحة حيث سيصبح من حق “مول الشكارة” فتح مصحات خاصة. هذا الإجراء الغير مدون صراحة في الكتاب الأبيض غير أن الوزير جدد التأكيد عليه خلال المناظرة.  ورغم الاعتراف صريح التالي للكتاب الأبيض: “قطاع الصحة الخاصة يعترف تطور عشوائي بشكل سيء وغير مندمج” (ص26)و أنه يحول الصحة إلى سلعة وبضاعة يؤكد الوزير على ضرورة فتح القطاع أكثر للٍرأسمال. لا أعتقد أن شركات التأمين و الشركات المتعددات الجنسيات في الصحة لها هم أخر غير الربح.

الشراكة بين القطاع العام و الخاص في صلب الإصلاح الحالي. الكتاب الأبيض: “لا مناص من إدماج المؤسسات الخاصة والعامة على سواء داخل هذه الشبكة في شكل شراكات وتسويات تعاقدية” (ص.27) وتصبو كذلك الوزارة إلى “خلق التزامات تعاقدية ونظام أداء مرتبط بالنتائج سواء في القطاع العام و الخاص (ص.27). الحل بالنسبة للوزارة هو ” العمل كرئيس أوركسترا و كوسيط لعقد اجتماعي حول الحق الصحة وليس كعون تنفيذي كما كان الحال لمدة خمسين سنة مضت”(ص.35)

 لغة الكتاب الأبيض تبقى عامة ولينة وتشبه لحد كبير خطاب البنك الدولي. ظاهريا لا يمكن الجزم في تفاصيل الإصلاحات المرتقبة ولكن في العمق إعادة انتشار الدولة في القطاع من خلال التقليل من التوظيف وتوجيه ميزانية العلاجات للقطاع الخاص واضحة.    

عن البنك الدولي، وزارة المالية والخبراء الدوليين

علق احد النقابيين المشاركين على مداخلة مسؤولة من وزارة المالية كالتالي: “لقد كانا خائفين من مقترحات البنك الدولي والحقيقة الخوف كل الخوف من المسؤولين المغاربة والذي أظهروا عن ليبرالية أكثر من البنك”. اكبر نصر للمؤسسات المالية الدولية هو أنها استطاعت أن ترسخ فلسفتها داخل الإدارة والطبقة السياسية. حضر 50 من خبراء المؤسسات دولية للتقديم النصيحة للحكومة المغربية. قدم العديد منهم طوفان من الاقتراحات الليبرالية. لن يأخذ بكل النصائح لكن العديد منها في الطريق للتطبيق.     

عن كولومبيا، البرازيل وتركيا

في الوقت الذي كان فيه حناجر البرازيليين تصدح من أجل توفير خدمات اجتماعية جيدة، كان الخبراء الدوليون بالمناظرة يقدمون مثال البرازيل كبلد استطاع إصلاح نظامه الصحي بنجاح. الموقف كان مثير للشفقة. ثم جاء وزير الصحة الكولومبي ليعرض النموذج “الناجح” للمنظومة الصحية ببلده. الكتاب الأبيض استشهد بدول التايلاند، بلجيكا، أنجلترا والشيلي كمثال لدمج “الديناميكية المقاولاتية والمسؤولية العمومية”. موضوعيا لا يوجد نظام صحي في العالم ناجح تماما يمكن ان نقدمه كالنموذج المثالي. لكن الاستدلال ببلدان لها باع طويل في خوصصة الصحة يؤشر على مدى تأثير فكر إيديولوجي وحيد على الوزارة. ألا يمكن للمغاربة اقتباس مكامن نجاح نظام صحي في بلد اسمه: كوبا.

الفكر الوحيد المسيطر يتضح جليا حتى في المفاهيم المستعملة: إنتاج العلاج، طلب العلاجات، العرض الصحي، تمويل الصحة، الخ…

الإصلاح القادم يحتم علينا التفكير في مقترحات بديلة حتى لا نترك للبنك الدولي المبادرة. والتأكيد على أن أي إصلاح يجب أن يشمل حدود القطاع ليشمل ظروف التغذية، البيئة، الظروف المعيشية والسكن محاربة الفوارق الأخذة في الاتساع.

مناضل -أطاك المغرب


[1] http://conference2013.sante.gov.ma/Pages/Accueil.aspx للتفاصيل حول البرنامج وأرضية المناظرة انظر الموقع التالي:

[2] http://conference2013.sante.gov.ma/DocumentsConf/Livre%20Blanc%20%282%29.pdf النص الكامل للكتاب:

[3]النقابات المشاركة هي الاتحاد المغربي للشغل (قريب من التقدم والاشتراكية)، الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (نقابة الإسلاميين)، المنظمة الديموقراطية للشغل ونقابة الصيادلة والأطباء الاخصائيين في القطاع الخاص. المقاطعون ينتمون لكدش، فدش، أ ع ش م (نقابة حزب الاستقلال)، نقابة اطباء القطاع الخاص، نقابة التعليم العالي-قطاع الصحة، الخ…   

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube