الرئيسية / ملفات دراسية / العولمة الرأسمالية / هل تسمح القسمة الدولية للعمل بصناعة السيارات في المغرب ؟
صناعة السيارات في المغرب
هل تسمح القسمة الدولية للعمل بصناعة السيارات في المغرب ؟

هل تسمح القسمة الدولية للعمل بصناعة السيارات في المغرب ؟

هل تسمح القسمة الدولية للعمل بصناعة السيارات في المغرب ؟

قبل الحديث عن صناعة السيارات بالمغرب، و جب القاء نظرة على وضع هذه الأخيرة في بلدانها الأصلية.

 منذ 1995، تؤكد الاحصائيات انخفاض عدد السيارات الجديدة المسجلة في أوربا، كما ألقت الازمة المالية العالمية لسنة 2008 بظلالها على هذه الصناعة، بل اشتد الانخفاض بفعل عوامل أخرى لا يمكن فصلها عن نفس الأسباب التي أدت الى الازمة المالية العالمية. ان المنافسة الشرسة بين الصناع، و بعد الاسواق عن مواقع التصنيع، وارتفاع أسعار المواد الأولية و الطاقة و اليد العاملة بفرنسا خصوصا بالمقارنة مع قوة العمل بألمانيا القريبة (حسب المصنعين)، و تراجع المبيعات خصوصا في أوربا بسبب انهيار القدرة الشرائية ( ¾ من السيارات الجديدة في الدول المتقدمة اقتنيت بالقروض) و نمو المواصلات العمومية بالمدن الكبرى . وما عرفته هذه الصناعة من تدخل حكومي في امريكا لحمايتها من اشتداد المنافسة، وقد سبق ان استفادت من دعم حكومي على سبيل المثال سنة 2008 بقيمة 17.4 مليار دولار لإنقاذها من الافلاس ( جنيرال موتورز و كريزلر)، فرض “ترامب” رسوما جمركية على المنتجات الاجنبية و خفض الضريبة على المستثمرين الامريكيين على التراب الامريكي، كما كانت للعقوبات التي فرضها على ايران عواقب سلبية على مبيعات المصنع الفرنسي لاحتكاره لهذه السوق. كما سينتج عن البريكسيت فرض رسوم على الواردات البريطانية. كان لهذه العوامل الأثر البالغ على انخفاض أرباح كبار المصنعين. اضطروا معها الى تكييف الانتاج مع الوضع الاقتصادي الجديد.

بالرغم من كل تلك العقبات، ظلت مبيعات السيارات في السوق الامريكية تابثة و النمو مطردا في أسواق الدول الناشئة. و تشكل السوق الآسيوية 42% من السوق العالمية ( ثلث السيارات الجديدة في العالم مسجلة في الصين) متبوعة بأمريكا 28% و أوربا 21%. وبقيت أوروبا متربعة على قمة الانتاج في العالم بنسبة 26.2% متجاوزة الصين بنسبة 24.2% و اليابان ب 11.9% ثم أمريكا (النافتا) ب 9.4%.

لم يحدث أن وصل أي مصنع اوربي الى حافة الافلاس، وبمجرد انخفاض الارباح هبت الحكومات لإنقاذ تلك الارباح بإجراءات ضريبية و منح و تعويضات و تحمل جزء من استبدال حظيرة السيارات ( تعويض التخلي عن سيارة قديمة مقابل 2500 أورو و شراء جديدة في فرنسا).

التكيف مع الوضع الاقتصادي الجديد:

لمواجهة انخفاض أرباح المصنعين، و المنافسة الشرسة بين مصنعي القارات المختلفة، لم يكن عليهم الا التكيف مع الوضع الجديد للحرب التجارية. فانتقل الصناع خصوصا  الفرنسيون الى سوق البلدان الناشئة و تم توجيه الانتاج الفرنسي نحو الخارج. و استثمرت في معمل في البرازيل، و بلدان أوربا الشرقية و فاوضوا نقاباتها لنقل التجميع و المهن ذات “القيمة المضافة العالية”، كما تواجدت “بوجو-سيتروين” في الصين منذ وقت مبكر.

من بين الاجراءات، نقل جزء من الصناعة نحو بلدان العالم الثالث، أولا لانخفاض سعر قوة العمل و هشاشة قوانينها و ثانيا لقربها من الاسواق( تحوز رونو على 17% من السوق الافريقية) و ثالثا للامتيازات الممنوحة لمثل هذه الاستثمارات من قبل الحكومات المحلية ذات المصالح المشتركة مع المصنعين.

ما يعني خفضا لكلفة الانتاج. ان توطين موقع صناعي في احدى البلدان التابعة، يقابله غلق و تسريح للعمال في مواقع في أوربا أو اي جزء من البلدان المتقدمة، فافتتاح مواقع في البرازيل من قبل المصنعين و في المغرب و الجزائر او دول أوربا الشرقية كان مثلا بعد الغاء 11000 منصب شغل من قبل بيجو-سيتروين و غلق الموقع التاريخي ل: “أولناي” بضواحي باريس و اعلان “رونو” الغاء 7500 منصب شغل.

أما التحول الى السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة، فهو مجال لتنويع مصادر الربح  يشتد التنافس فيه. و آخر  من يممكن أن يقنعنا باهتمامه بالبيئة هو الرأسمالي. فالأبحاث تؤكد أن أضرار السيارات الكهربائية (البطاريات) لا تقل عن أضرار السيارات التي تعمل بالوقود.

ليس عمال صناعة السيارات الأوروبيون (في فرنسا بالخصوص) و أوضاعهم من سيدفع تكاليف تكييف الانتاجية مع الوضع الاقتصادي الجديد لوحدهم، بل ستكون العواقب وخيمة على اوضاع رفاقهم بالدول التي يتم فيها توطين صناعة تجميع السيارات.

وفي المغرب، ماذا يحدث؟

هل نتوفر فعلا على صناعة للسيارات في المغرب؟ الجواب، لا. ما زال  الامر محصورا في مرحلة التجميع و لم يبلغ بعد مرحلة التصنيع الفعلي.

يعود تاريخ صناعة السيارات في المغرب الى 1959 سنة تأسيس الشركة المغربية لصناعة السيارات ” صوماكا “. كانت “فيات” و “سيمكا” تمتلكان 40% من اسهمها. اليوم تملك “رونو” 80% و 20% المتبقية من نصيب “بيجو-سيتروين”.

تجوب المغرب اليوم أكثر من 3 ملايين سيارة و مركبة. في سنة 2018 استطاع المصنعون بيع 141985 سيارة في المغرب ويستأثر المصنعون الفرنسيون بنصيب الاسد  من هذا الرقم. الى غاية فبراير 2017 تم تجديد 26 ألف سيارة أجرة ما يعني 35% من العدد الاجمالي لسيارات الاجرة بالمغرب بدعم من صندوق خصصته وزارة الداخلية لهذا الغرض، بحيث تمكن الداخلية الراغبين من التجديد من تعويض قدره 80000 درهم مقابل التخلي عن سيارة الاجرة المتهالكة. ويرهن المهنيون (السائقون) انفسهم للأبناك عبر الاقساط الشهرية التي يؤدونها من أرباحهم (المزيد من التكاليف) لتنمية أرباح الأبناك و المصنعين على السواء.

وتحوز المؤسسات العمومية، الوزارات و الجماعات المحلية الى غاية أكتوبر 2018 على 180000 سيارة، ويتم تجديدها بشكل دوري.بهذا يعد المغرب سوقا مهما، لن تغفله الشركات المصنعة.

بالنسبة للمصنعين، يشكل توطين صناعة التجميع ما سمي بالتكيف مع الوضع الاقتصادي الجديد، وهو ما يعني  بكل بساطة وضع حد لانخفاض الارباح بعد الازمة المالية العالمية خصوصا. بانخفاض سعر اليد العاملة و هشاشة الشغل و التوفر على البنيات التحتية (مطارات، طرق سيارة، موانئ، اتصالات …) لم تساهم كل الشركات بسنتيم واحد في بنائها، والامتيازات الضريبية، و تحفيزات الدولة (تعويض لتجديد حضيرة سيارات الاجرة) و القرب من الضفة الاوربية و التواجد على أرض السوق الافريقية. كل هذه الشروط و العوامل لخفض كلفة الانتاج و انقاذ أرباح المصنعين على حساب مقدرات البلد و كادحيه.

بالنسبة لممثلي حكام المغرب، لا ينضب قاموسهم من شعارات تعد بالفتح المبين، ولإضفاء المصداقية و نجاعة استقبال المصنعين. وكلها لقصف وعي الجماهير المسلوب. فهذا التجميع يعد بخلق مكثف للقيمة المضافة و لمناصب الشغل وأفضلية جاذبية البلد للاستثمارات الاجنبية ( تخفي الاجراءات (ليبرالية) التي رافقت تهيئة الوضع: مراجعة منظومة التعليم، تفكيك قوانين الشغل، محاربة العمل النقابي، خفض الضريبة و الاعفاء، مراجعة التعريفة الجمركية، تكيف القوانين المحلية …) وتميز بنية الصادرات بمحتو ى تكنولوجي عال، و اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية. في كل مرة يتم تكرار “تسريع التحول الهيكلي للاقتصاد” وهي وصفة ليبرالية من توصيات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي للإجهاز السريع على ما تبقى من الخدمات العمومية و تفويت ما تبقى من مقدرات البلد المشتركة للرأسمال الخاص.

ان كل تلك المبررات لا تقنعنا، فازدياد عدد المرمى بهم في البؤس كل يوم و التفاوتات الصارخة كفيلة بتكذيب الاسطوانات الرسمية. ان واضعي قانون المالية أنفسهم يعترفون بكون هذه الصناعات ذات قيمة مضافة ضعيفة و يرفعون كتوصية “التوجه نحو تخصصات ذات قيمة مضافة أعلى” و هو ما يشكل تحديا حسب رأيهم. كما يوصون بالتصدي للمنافسة القوية التي لا تعني الا المزيد من الامتيازات للمصنعين و الاجهاز على حقوق العمال ( يد عاملة تنافسية).

 وبلغة الارقام يشغل التجميع 29% من مجموع المناصب المحدثة في الصناعة ما يعني 84000 منصب. و بلغت صادرات التجميع 58.5 مليار درهم سنة 2017 مقابل 37.4 مليار درهم لقطاع النسيج و الجلد في نفس السنة. ومنذ انطلاق مخطط تسريع التحول الهيكلي للاقتصاد (2014)، تم اعطاء الانطلاقة ل 26 مشروع استثماري “صناعي” بهدف تقوية منظومات السيارات و أبرزها منظومة “رونو” و ” بيجو-سيتروين” حيث بلغت القيمة الاجمالية لهذه المشاريع 13.78 مليار درهم. كما ينتظر توطين شركات المانية و صينية. و يعتمد تفعيل هذه المنظومات على تفعيل مجموعة من آليات الدعم العمومي عبر “صندوق التنمية الصناعية” بغلاف مالي يقدر ب 20 مليار درهم في أفق 2020. و هو مبلغ يقتطع من مالية الفقراء لتنمية أرباح الاغنياء.

لا تساهم صناعة التجميع الا ب 1.1% في نمو الصادرات المغربية محتلة المرتبة 4، ويأتي صيد السمك و تربية الاحياء المائية في المقدمة ب 2.1% وبعده الفوسفاط ب 1.8%. و بالرغم من كل الضجيج الاعلامي حول هذه الصناعات و ما تعد به، فان هذه الأخيرة لم تخفض من عجز الميزان التجاري الذي ما فتئ يتدهور حيث واصل الارتفاع في الاحد عشر شهرا الاولى من سنة 2018 ليصل 193.3 مليار درهم ( 20.26 مليار دولار)، مسجلا ارتفاعا بالمقارنة مع نفس الفترة من سنة 2017 حيث سجل 170 مليار درهم. انه دليل واضح على عدم صحة ما تدعيه و تعد به الروايات الرسمية. وفي المحصلة نتيجة التوقيع على اتفاقيات التبادل الحر و النظام الاقتصادي المتبنى.

اسطوانة فرص الشغل:

يتبجح المسؤولون بكون هذه “الصناعات” توفر فرص الشغل و هو مكسب مهم. ما يخيف المسؤولينن هو انفجار اجتماعي تكون قاعدته جيش المعطلين ( مليون و138 الف معطل حسب المندوبية السامية للتخطيط 2018)، وهم يتنفسون الصعداء بعد ان وظفت هذه المواقع جزء من الشباب. و يقوم هؤلاء المسؤولون بتقديم شتى التسهيلات ارضاء لجشع المصنعين . فهم عاكفون حاليا  على تشييد المدن المهنية لتأهيل يد عاملة توضع رهن اشارة الشركات تحصل عليها دون أن تساهم في تكوينها بسنتيم واحد، بل سيكون ذلك بقروض يؤديها المغاربة. وفي الوقت الذي يكلف فيه العامل في اوربا الشركة ما يقارب 3000 أورو مستفيدا من الكثير من الامتيازات و المكاسب، يشتغل العامل المغربي بأجور تتراوح بين 300 و 600 أورو في أحسن الاحوال مع ساعات عمل طويلة و ساعات اضافية و بلا مكاسب اجتماعية … وهي أوضاع دفعت العمال في فبراير 2015 بمعمل رونو – نيسان الى خوض اشكال احتجاجية لتغيير أوضاعهم،  كون المصنع يحقق أرباحًا مثيرة ، لكن العمال لا يستفيدون منها، باستثناء ظروف العمل البائسة والاستغلال الفاحش والأجور المنخفضة. ان من بين الاسباب التي جعلت المصنعين ينقلون مواقع التجميع الى بلدان مثل المغرب هو ذلك الجيش الاحتياطي الصناعي و الذي يمارس ضغطا على الاجراء انفسهم.

خاتمة:

في اطار التقسيم الدولي للعمل، لن تسمح الرأسمالية العالمية بنمو صناعة قوية في احدى دول العالم الثالث، و ان أمكن ذلك فلن يكون الا ضمن شروط معينة. تطبل دار البريهي  يوميا في نشراتها الاخبارية المسائية بحسنات مجمعات التصنيع بطنجة و القنيطرة و أثر ذلك على صورة المغرب كوجهة استثمارية،  و تخفي انغماس الحكام في سياسة اقتصادية نيوليبرالية مدمرة. في نفس تلك النشرات، لا نرى ولا نسمع عن الأوضاع الاجتماعية للعمال و أجورهم في تلك المجمعات و لا حديث عن الاسعار الصاروخية للمعيشة و السكن و النقل بتلك المدن كما باقي المدن المغرب. لقد بسط الحكام في المغرب السجاد الاحمر  لكارلوس غصن الذي يحاكم في اليابان بتهمة التهرب الضريبي ولأمثاله،  مقدمين لهم كل المزايا لإنقاذ ارباحهم من الانخفاض على حساب موازنة البلد و عظام عماله.  ان حصة المغرب من السوق الدولية ما بين 2015 و 2017 ليست سوى 0.14% وقد استقرت في المتوسط عند 0.12% وهي نسبة ميكروسوبية ضمن النسبة العامة. ان المطبلين يخفون  تمويه المحاسبة الوطنية la comptabilité nationale وهي التي تمكنهم من تبرير ما لا يبرر، و ترحيل الارباح والثروات.

الرفيق يوسف

أطاك المغرب

أنظر:

قانون مالية 2019

https://www.nouvelobs.com/economie/20130116.OBS5546/10-graphiques-pour-comprendre-la-crise-de-l-automobile.html

https://www.lepoint.fr/automobile/l-automobile-subit-le-choc-de-l-instabilite-mondiale-30-09-2018-2258960_646.php

https://www.lemonde.fr/la-crise-financiere/article/2008/11/19/industrie-automobile-les-raisons-de-la-crise_1120685_1101386.html

https://www.ladocumentationfrancaise.fr/dossiers/d000516-l-industrie-automobile-en-mutation/la-crise-de-2008-2009

https://assabah.ma/338646.html/

https://al3omk.com/59347.html

http://ar.le360.ma/economie/143325

https://import-export.societegenerale.fr/fr/fiche-pays/maroc/risque-pays-commerce

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube