البيئةالديون

كيف تدمر الديون نضالات المناخ؟

تتزايد باطراد الضرورة الملحة لتغيير نموذج المجتمع. على الرغم من الاتفاق الذي جرى تقديمه على أنه تاريخي في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب 28)، الداعي الى التخلص من الطاقات الأحفورية، من الواضح أن العديد من العقبات الأساسية لا تزال قائمة، وجميعها مرتبط بآلية معروفة جيدًا، هي نظام الديون، الأداة المفضلة للرأسمالية النيو ليبرالية.

مع نهاية الدورة 28 لمؤتمر الأطراف يوم 13 دجنبر 2023، أقل ما يمكن قوله أن الطريق لا يزال طويلا ومليئا بالعقبات قبل أن ندعي تحقيق تقدم ملموس. اختُتم المؤتمر باتفاق اعتُبر تاريخيًا بدعوته للتخلص من الطاقات الأحفورية، لكنه يظل غير ملزمٍ، ولم يُحدَّد المسار الزمني لهذا التحول بشكل دقيق.

في الوقت الذي يشكل احتراق الغاز والفحم والنفط مصدرا لـ %90 من انبعاث الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري، ومن المتوقع أن يسجل استهلاكها رقما قياسيا جديدا سنة 2024 (1)، طالبت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، التي تضم الإمارات العربية المتحدة، مستضيفةُ مؤتمر الأطراف 28، أعضائها برفض أي اتفاق يدعو إلى التخلص من الوقود الأحفوري خلال نفس المؤتمر(2) .

وعلى نحو مماثل، كشف استطلاع حديث نشرته صحيفة الغارديان أن السعودية “تقود خطة استثمار عالمية تهدف إلى خلق الطلب على نفطها وغازها من الدول النامية (و) جعلها تعتمد عليه بشكل أكبر… (3).

أقل ما يمكن قوله أن الأمور لم تحسم بعد، بالتحديد مع عمالقة صناعة الطاقة الأحفورية، حيث كان هناك 2456 موظف معتمد لدى هاته اللوبيات لحضور مؤتمر الأطراف.

عقب صدور الاتفاق، أشارت فاليري ماسون- ديلموت، المديرة المشتركة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، في حديثها على محطة فرانس إنتر، إلى أن “التعهدات [بمكافحة التغير المناخي التي قدمتها الدول]، إذا جرى تنفيذها جميعًا على الصعيد العالمي، تسمح بتقليص انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تقدر بحوالي 5% بحلول عام 2030، بينما يتطلب تقليل ارتفاع درجة الحرارة إلى أقل من درجتين مئويتين، تقليصًا بنسبة 25%. وترتفع هذه النسبة إلى 43% للبقاء تحت 1.5 درجة مئوية”.”4″

نُذكِّر أننا تجاوزنا إلى حد كبير الدرجة 1 من الزيادة في متوسط درجة الحرارة منذ حقبة ما قبل الصناعة. بينما تصر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ على أن 60٪ من احتياطيات النفط والغاز المعروفة في سنة 2018 يجب أن تظل في باطن الأرض لتحقيق هدف الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة تحت 1.5 درجة مئوية، فإنَّ شركات النفط لا تزال تستثمر بكثافة في عمليات التنقيب الجديدة. إن الحديث اليوم عن البقاء تحت عتبة 1.5 درجة هو في أحسن الأحوال وهم ساذج، وفي أسوأ الأحوال مهزلة مأساوية. من المؤكد أن هذه العتبة سيجري تجاوزها قبل نهاية العقد وستكون العواقب ملموسة بشكل غير متكافئ. منذ أوائل ديسمبر 2023، تم دعم هذا الموقف من قبل مشروع الكربون العالمي”5″.

ثمة جانب آخر أُغفِلَ تماما في هذا الاتفاق هو العدالة الضريبية ومراعاة قدرة دول الجنوب على مواجهة آثار تغير المناخ، بالإضافة إلى تمويل التكيف وإصلاح الأضرار التي لحقتها. لدعم الدول التي تضررت بشدة، أُنشِئ صندوق لـ”الخسائر والأضرار” بقيمة تصل إلى 400 مليون دولار. بالنسبة لجانب “التكيف”، فبالكاد تمكنت كوب 28 من جمع 160 مليون دولار لمساعدة دول الجنوب على التكيف مع موجات الحرارة والفيضانات التي تزداد حدتها ودوريتها.  “6”

تبدو هذه المبالغ سخيفة عندما نعلم ما يلي:

* “تُقدر تكاليف التكيف المُحدثة للدول النامية بين 215 و387 مليار دولار سنويًا (تقديرات مرجحة للارتفاع) خلال هذا العقد”(7).

* حققت شركات الوقود الأحفوري المتعددة الجنسيات أكثر من 4000 مليار دولار سنة 2022 وما يكفي من الأرباح خلال العشرين سنة الماضية “لتغطية ما يقارب 60 مرة ضِعف تكاليف الخسائر المتعلقة بتغير المناخ في 55 بلدا الأكثر عرضة للخطر.(8)

* تكبدت اقتصادات هذه الدول الخمسة والخمسون الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ، خسائرا وأضرارا تقدر بأكثر من 500 مليار دولار على مدى العقدين الماضيين(9)، من المهم أيضًا التأكيد على حقيقة أنه “من الناحية النقدية، فإن خسائر البلدان الأكثر غنى بسبب تقلبات المناخ تميل إلى أن تكون أعلى، لكن الخسائر الاقتصادية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، على وجه الخصوص، الخسائر في الأرواح، التنوع البيولوجي والثقافة والتراث وسبل العيش، النزوح البشري والحيواني، المصاعب الشخصية والتهديدات الوجودية، كانت أكثر انتشارًا في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل(10).

* بالنسبة لبلدان الجنوب، يمكن أن تصل هذه التكاليف إلى 580 مليار دولار سنويًا سنة 2030 و1.7 تريليون دولار سنويًا بحلول عام 2050. (11)

* المشكل أعمق من ذلك بكثير. يتفاقم هذا النقص الهائل في التمويل بشكل متزايد بسبب إشكالية ديون بلدان الجنوب التي تقوض تماما إمكاناتها المالية، تٌنقَل عبرها ثروات بلدان الجنوب إلى بلدان الشمال وتقضي في المهد على أي مبادرة طموحة لمكافحة تغير المناخ، يهدف هذا المقال إلى توضيح كيف يمثل نظام الديون الدولي عائقًا كبيرًا في مكافحة تغير المناخ، أو على الأقل في محاولة تكيف المجتمع مع آثاره. اختصارا، سيتم التركيز على ثلاثة عناصر: تكلفة التمويل الزائدة، سداد الديون كأولوية الأولويات، والاستخراجية.

1- تكلفة التمويل الزائدة

كلما كان البلد أضعف وأحوجَ إلى التمويل، ارتفعت تكلفة الاقتراض وأصبح من الصعب توفير الاستثمارات اللازمة لمواجهة ضعفه الاقتصادي وتحقيق رفاه شعبه.

عقب سلسلة من الصدمات مثل جائحة كوفيد، والحرب في أوكرانيا (المسببة في ارتفاع أسعار الحبوب والأسمدة الكيماوية والوقود) وزيادة أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في الشمال، واجهت بلدان الجنوب تفجر كلفة ديونها. إن الأسواق المالية، التي ينحدر فاعلوها الرئيسيون (البنوك، شركات التأمين، صناديق الاستثمار…) من الشمال، هي اليوم المصدر الرئيسي لتمويل الدول وتفرض على البلدان المنخفضة الدخل والفقيرة والمثقلة بالديون (12) أسعارَ فائدة باهظة.

المنطق بسيط: كلما واجه بلد ما صعوبات اقتصادية أو كان اقتصاده معرضا لخطر التأثر بالكوارث الطبيعية، اعتبرت وكالات التصنيف والأسواق المالية أنه من الخطر إقراضه. لتعويض هذا “الخطر”، أو الاستفادة منه، تُفرَض أسعار فائدة مرتفعة للغاية، مما يجبر البلدان المعنية على تخصيص جزء كبير من ميزانياتها السنوية لدفع تكاليف خدمة الدين، على حساب سياساتها الاستراتيجية مثل السياسات الاجتماعية أو البيئية والمناخية.

النتيجة: كلما كان البلد أضعف وأحوج إلى التمويل، ارتفعت تكلفة الاقتراض وأصبح من الصعب توفير الاستثمارات اللازمة لمواجهة ضعفه الاقتصادي وتحقيق رفاه شعبه.

يمكن أن ترتفع أسعار الفائدة في بلدان الجنوب، التي تتجاوز في أغلب الأحيان %10 ،إلى %20 أو حتى%30 ، بينما تقترض دول الشمال، أو على الأقل تلك التي تتمتع بثقة الأسواق، بمعدلات تتراوح بين 3 و6%.

في بلجيكا، يقدم بنك ديغروف بيتركام قروضاً لدول مثل غانا بنسبة فائدة %25 [13] . بالنسبة لقرض مدته عشر سنوات، تدفع الدولة لهذا البنك الاستثماري 2.5 ضِعف المبلغ المقترَض (بالإضافة إلى سداد القرض كاملا) مقابل الفائدة فقط، في الوقت الذي تكافح فيه غانا من أجل تمويل الخدمات الأساسية لسكانها.

يجبر هذا المنطق بلدان الجنوب على رصد حصص أكبر من ميزانياتها لخدمة الديون، بل أيضا اللجوء لمزيدٍ من الاستدانة لسداد الفوائد على الدين، وبالتالي زيادة أعباء السداد. إنها حلقة مفرغة حقيقية. وفقًا لأحدث تقرير للبنك الدولي عن الديون الدولية (IDR)(14)، أنفقت الدول «النامية» 440 مليار دولار سنة 2022 على خدمة الديون، أي أكثر بنسبة %5 عما كانت عليه سنة 2021. يتوقع التقرير نفسه زيادة بنسبة %10 سنة 2023 لتصل إلى 500 مليار دولار. ويقدر تقرير آخر صدر عن الأمم المتحدة أنه في الفترة 2018-2028، من المتوقع أن تدفع مجموعة البلدان الأكثر فقرا 168 مليار دولار كفوائد إضافية لمعالجة «مخاطر المناخ» (15). بما أن آثار تغير المناخ قد فاقت من حيث حجمها في الآونة الأخيرة جميع التنبؤات والتقديرات، ينبغي أن تؤخذ هذه الأرقام كحد أدنى.

في الوقت الذي أضحت فيه هذه البلدان غير قادرة على تلبية حاجيات سكانها، وتعاني بالفعل من الوطأة الكاملة لعواقب تغير المناخ، في حين، كما هو الحال في أي مكان آخر، فإن الاستثمارات الضخمة لإعادة توجيه اقتصاداتها وصناعاتها لمكافحة تغير المناخ أمر بالغ الأهمية. إن الدول الفقيرة والمثقلة بالديون محكوم عليها بدفع مبالغ هائلة للدائنين.

2- سداد الدين، أولوية الأولويات:

“سنة 2021، توقعت غانا تخصيص 77 مليون دولار سنويًا للتكيف مع تغير المناخ. في نفس العام، أنفقت البلاد 4.8 مليار دولار على خدمة الديون.”

تحظى خدمة الدين منهجيا بالأولوية على حساب الإنفاق الاجتماعي (التعليم العام والصحة، دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، وما إلى ذلك). ولضمان السداد، تُفرَض تخفيضات في الميزانية. وهذا هو الحال بالنسبة إلى ميزانيات الصحة والتعليم، ولكن أيضاً بالنسبة إلى لانتقال البيئي وسياسات حماية البيئة وتمويل التكيف والإصلاحات في مواجهة الكوارث الطبيعية.

اليوم، تمثل خدمة ديون البلدان المنخفضة الدخل في المتوسط ثلثي ميزانيات التعليم والصحة مجتمعة. في بعض البلدان، يتجاوز هذا المبلغ ميزانية الصحة بكثير. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، في كينيا حيث يمتص سداد الديون ما يعادل 5 أضعاف ميزانية الصحة، وفي تونس 4 مرات، وفي غانا 3 مرات (16).

ينطبق نفس الشيء على تمويل سياسات التكيف في مواجهة تغير المناخ. إذا احتفظنا بمثال غانا، فقد خططت في عام 2021 لتخصيص 77 مليون دولار سنوياً للتكيف (17)، أي في أنظمة الري للتعامل مع حالات الجفاف، وأنظمة الإنذار لمنع الفيضانات، وما إلى ذلك. في العام نفسه، أنفقت البلاد 4.8 مليار دولار على خدمة الديون، وهو مبلغ من المتوقع أن يصل إلى 6.4 مليار دولار سنة 2025 وينطبق هذا المثال على العديد من البلدان.

حتى البلدان المتضررة بشكل مباشر من الكوارث الطبيعية لا يمكنها أن تتجاهل سداد خدمة الديون. صرحت باميلا كوالي، مديرة منظمة ActionAid Malawi، بداية سنة 2021:

“ملاوي [البلد الذي ضربه إعصار فريدي والذي أدى إلى نزوح نصف مليون شخص] تعاني من ديون تبلغ حوالي ثلثي ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أنه بدلا ًمن أن تكون حكومتنا قادرة على توجيه الأموال الضرورية لإعادة الإعمار والتعافي بعد إعصار فريدي، نحن مضطرون لسداد القروض القديمة. إن أيدينا مقيدة لأن الكوارث المناخية أصبحت أكثر حدة وتدميرا. لا يمكن لهذا أن يستمر، والنساء والفتيات هن من سيعانين أكثر من غيرهن” (18).

تحتاج الدول، أكثر من أي وقت مضى، إلى موارد هائلة لتلبية حاجيات السكان، والاستثمار بالدرجة الأولى في الانتقال البيئي، التكيف مع تغيرالمناخ،والإصلاحات بعد الكوارث. هذه الاستثمارات، بعد أن تراجعت، أصبحت مستحيلة أو هزيلة.

3- الديون، محرك الاستخراجية:

“بالإضافة إلى المساهمة في انبعاث غازات الدفيئة وبالتالي تسريع آثار تغير المناخ، فإن المشاريع الاستخراجية لها منطقياً تداعيات بيئية كارثية”.

أما العنصر الثالث، وربما الأكثر إشكالية، فيتمثل في النزعة الاستخراجية، وهي واحدة من أكثر تروس نظام الديون أهمية وفسادا.

كما أبرزت العديد من منشورات CADTM، فان المنطق الذي يحكم مديونية بلدان الجنوب يرتكز أساسا على أن الديون التي يجب سدادها بالعملات الصعبة (الدولار، اليورو، الين، إلخ..)، ستسدد جزئيا عن طريق استغلال الموارد الطبيعية للبلدان المعنية وتصديرها إلى الأسواق الدولية، التصدير هو أحد الوسائل الرئيسية المتاحة لبلدان الجنوب للحصول على العملة الصعبة. ولسداد ديونها، لا يكون أمام الدول، لا سيما دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، خيار آخر في كثير من الأحيان سوى توسيع نطاق الزراعات الأحادية الموجهة للتصدير و/أو تكثيف الإنتاجية الزراعية، المعتمدة أحيانا على إزالة الغابات العميقة، واستغلال احتياطاتها السمكية بشكل مفرط، واستخراج أقصى قدر من الموارد المعدنية والأحفورية من باطن أرضها مثل النفط والغاز الصخري والفحم، وما إلى ذلك.

إلى جانب التبعية للعديد من العوامل الخارجية مثل الأسعار الدولية، فإن الآثار السلبية لهذا المنطق المتمثل في الاستغلال والاستخراج لأغراض التصدير لا تعد ولا تحصى، لا سيما وأن تكاليف الضرر الناجم عن أنشطة الشركات المتعددة الجنسيات لا تتحملها في أغلب الأحيان، بل تتحملها البيئة والسكان المحليون، خصوصا النساء.

الأمثلة عديدة، بدءا ًبمنطقة فاكا مويرتا في الأرجنتين، وهي واحدة من أكبر حقول النفط والغاز الصخري في العالم. بالإضافة إلى احتمال إطلاق 5 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، فان استغلاله عن طريق التكسير الهيدروليكي، سيتيح إمكانية سداد الديون غير المشروعة البالغة 43 مليار دولار المتعاقد عليها مع صندوق النقد الدولي في عام 2018 [19]، يؤدي إلى نزوح السكان، والتلوث الشديد للمياه والتربة وباطن الأرض ومشاكل صحية خطيرة.

هناك العديد من المشاريع الاستخراجية الأخرى المرتبطة باستغلال الطاقات الأحفورية أصبحت جاهزة للعمل اليوم، وهي على وشك التنفيذ أو الدراسة في الوقت الذي يدق فيه العلماء ناقوس الخطر منذ سنوات بشأن أهمية التحرك نحو انهاء استخدام الوقود الأحفوري. كما تم استنكار العديد من هذه المشاريع باعتبارها قنابل مناخية حقيقية، بما في ذلك مشاريع سانتوس، وبوزيوس، ولولا، وثلاثة مشاريع بحرية لاستخراج النفط والغاز في البرازيل، ومشروع تانيزوفت للصخر الزيتي في الجزائر، وخط الأنابيب الساخن الشهير الذي يعبر أوغندا وتنزانيا. ولا يوجد نقص أيضاً في مشاريع تعدين الفحم مع بارديكوب وغروتيجيلوك (حظ كبير باللغة الهولندية) في جنوب أفريقيا، وزامبيزي وتشيرودزي في موزمبيق، وفولباري في بنجلاديش، وPTBA في إندونيسيا، وما إلى ذلك”20″ . وتعد هذه المشاريع بالمئات..

للتذكير،هناك عدة عناصر تسمح بتصنيف الدين على أنه غير شرعي أو غير قانوني أو كريه:

بالإضافة إلى المساهمة في انبعاث غازات الدفيئة وبالتالي تسريع آثار تغير المناخ، فإن المشاريع الاستخراجية لها منطقياً تداعيات بيئية كارثية.

ترمُز عمليات التعدين، و(عدم) إدارة النفايات المرتبطة بها، إلى الضرر الناجم عن الاستخراجية من خلال تأثيرها على البيئة وعلى السكان الذين يعيشون في المناطق المعنية. تعتبر مسألة تأثير قطاع المناجم أكثر حساسية لأنه لتحقيق أهداف التحول الطاقي المنصوص عليها في اتفاق باريس، فإن كمية المعادن التي سيتم استخراجها وتحويلها بحلول عام 2050 تتجاوز الكمية المستخرجة منذ “العصر القديم”22”.

مع ذلك، فإن هذه العمليات تترك وراءها منهجيا “مناطق ميتة” حيث تكافح عمليات إعادة التأهيل النادرة لإخفاء الخلل في التوازنات الكيميائية والبيولوجية. علاوة على ذلك، عند حدوثها، فإن الحوادث المرتبطة بهذه العمليات لها عواقب وخيمة، مثل انفجار سد شركة ساماركو سنة 2015 في البرازيل، والذي احتفظ بـ 40 مليون متر مكعب من النفايات السامة المرتبطة باستغلال منجم للحديد. وتقدم الانهيار الطيني لمسافة أكثر من 500 كيلومتر واجتاح 39 منطقة قبل أن يتدفق إلى المحيط الأطلسي، مما أسفر عن مقتل حوالي عشرين شخصا”23″. وبعد أربع سنوات، وقعت مأساة مماثلة مع انهيار سد برومادينيو مما أدى إلى مقتل 270 شخصا”24″. تشير التقديرات إلى وقوع ما بين 4 إلى 6 حوادث كبرى مرتبطة بالتعدين كل عام في جميع أنحاء العالم.

بالإضافة إلى اضطلاعها بدور قيادي في تغير المناخ، تؤثر عواقب الاستخراجية التي تفرضها الديون متعددة، على جميع فئات المجتمعات في بلدان الجنوب، والمسائل الناجمة عنها؛ بيئية واجتماعية، بقدر ما هي سياسية واقتصادية.

الرهانات المرتبطة بالاستخراجية  
الرهانات البيئية   تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.   تدمير النظم البيئية.   تفاقم إزالة الغابات، سواء لأغراض الزراعة أو الثروة الحيوانية أو إنتاج الطاقة.   الأضرار البيئية التي لا يمكن إصلاحها، تلوث الهواء، التلوث واستنزاف مصادر المياه، وتدهور التربة، وما إلى ذلك.   عرقلة أي انتعاش للاقتصاد المحلي القائم على الزراعة أو صيد الأسماك.  الرهانات الاجتماعية   الجهل المنهجي تقريبا بالحقوق الأساسية للسكان المعنيين.   الاستيلاء على الأراضي، وخاصة أراضي السكان الأصليين أو الفلاحين.استنزاف احتياطيات المياه.   تلوث المناطق، مما ينطوي على مخاطر صحية كبيرة.نزوح السكان الذين طردوا من أراضيهم أو تأثروا بشدة بالأنشطة الاستخراجية.  
رهانات اقتصادية   اقتصاد تبعي للتجارة الدولية، مما يجعل البلدان عرضة للاحتياجات العشوائية لبقية العالم.   المشاريع واسعة النطاق التي لا تساهم في التنمية الاقتصادية للمناطق التي تقع فيها.  رهانات سياسية   تعد الاقتصادات الريعية مصدرًا رئيسيًا للفساد بالنسبة للطبقات الحاكمة والقادة السياسيين.   آثار مدمرة تزيد من فقر الطبقات المستبعدة من إعادة توزيع هذا الريع.  
جدول من كتيب “الاستخراجية في أمريكا اللاتينية” من إنتاج FranceAmérique Latine.
الصفحة 5. متاح على الرابط التالي 

خاتمة:

“أصبح إلغاء هذه الديون اليوم، كما كان بالأمس، أمرا بالغ الأهمية، لكن التأثير الحيوي لهذه القضية على البلدان في جميع أنحاء العالم أصبح أكثر جلاء من أي وقت مضى”.

يؤدي الدين إلى حلقة مفرغة حقيقية ويخنق الوضع الراهن. من أجل ضمان سداد الديون التي يمكن الطعن في شرعيتها في أغلب الأحيان، ترى بلدان الجنوب أن قدراتها الاستثمارية قد قُوِّضت تماما ويجري تشجيعها على استغلال مواردها، بما في ذلك مواردها الأحفورية. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى التقاعس عن اتخاذ أي مبادرة جادة لمكافحة تغير المناخ، والاندفاع المتهور في إطلاق الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري، فضلا ًعن تفاقم الأنشطة المدمرة للأنظمة البيئية في مختلف أنحاء العالم.

لذلك فمن المنطقي أن تتزايد آثار تغير المناخ مع ما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة، لا سيما بالنسبة لبلدان الجنوب الواقعة على خط المواجهة. في حين أن ضعفها واحتياجاتها الاستثمارية آخذة في التزايد، إن البلدان المتضررة تشهد تآكل اقتصاداتها وقدرتها على العمل. إن الزيادة في أسعار الفائدة وبالتالي تكاليف التمويل تؤدي إلى إبطاء الاستثمارات التي تشتد الحاجة إليها وتساهم في زيادة ديون البلدان الأكثر فقرا، وهي ديون سيجري سدادها بدورها بفضل تصدير الموارد.

تلعب الديون والاستخراجية أدوارا ًمركزية في تأمين إمداد الأسواق والشركات المتعددة الجنسيات بالمواد الخام والموارد الاستراتيجية، وفي استخراج الوقود الأحفوري ونمو التجارة الدولية والاستهلاك الشامل، ويمثل التباطؤ البسيط في هذه الديناميكية تحديا ًهائلاً. بالإضافة إلى عرقلة أي استثمار يتعارض مع مصالح النظام الرأسمالي والشركات الكبرى، فإن الديون تفرغ بلدان الجنوب من ثرواتها الطبيعية والمالية، وتشجع على تدمير النظم البيئية كما تمنع أي احتمال للتغيير والتحول البيئي الخطير إلى حد ما. لا يمكن معالجة هذا حتى يتم كسر الحلقة المفرغة. لقد أصبح من الملح على نحو متزايد استبعاد الحلول الزائفة التي تتراوح بين الرأسمالية الخضراء إلى تعليق الديون و”مبادلات الديون- مناخ” “25”.  كل المؤشرات اليوم تشير إلى أننا على حافة أزمة ديون جديدة في بلدان الجنوب. وتهدد هذه الأزمة بالتأثير بشكل أكبر على القدرات الاستثمارية للدول ودفع المزيد من البلدان إلى الجمود فيما يتعلق بالصراعات البيئية والمناخية.

من الضروري اليوم، سواء فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، أو العدالة المناخية، أو أيضا مصلحتنا المشتركة في مستقبل صالح للعيش، أن نسمح لشعوب بلدان الجنوب بأن تتحرر من سداد الديون المشكوك في مشروعيتها، ينتج عنه تنظيم تحول إيكولوجي. أصبح إلغاء هذه الديون اليوم، كما كان بالأمس، أمرا بالغ الأهمية، لكن التأثير الحيوي لهذه القضية على البلدان في جميع أنحاء العالم أصبح أكثر جلاء من أي وقت مضى.

بقلم: بابلو لايكساي

ترجمة: جدال حسن/ عضو جمعية أطاك المغرب- المجموعة المحلية انزكان.

الاحالات في الرابط الأصلي للمقال

زر الذهاب إلى الأعلى