قصة الطماطم…

قصة الطماطم…

عمر أزيكي

 

اعتمد الاتحاد الأوروبي في دجنبر 2013 السياسة الفلاحية المشتركة للفترة 2014-2020. وفي أبريل عام 2014 أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي، من جانب واحد ودون تفاوض، تدابير التنفيذ المترتبة عن هذا الإصلاح الذي ينطبق على الدول خارج الاتحاد بما في ذلك المغرب اعتبارا من 1 أكتوبر 2014.

وتشمل هذه التدابير تعديل أحكام سعر دخول الفواكه والخضروات من الدول الأجنبية[1]. يتعلق الأمر باستبدال آلية التعشير المحددة على أساس القيمة الحقيقية للسلع بمقدار جزافي عند الاستيراد يتم تحديده على أساس متوسط أسعار المنتجات المستوردة والمسوقة في 49 سوقا تمثيلية داخل الاتحاد الأوروبي فضلا عن إجمالي الكميات المستوردة. ومن شأن هذا التغيير أن يؤدي إلى رفع رسوم الدخول وبالتالي، الحد من حجم الواردات. وهذا ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية المغربية مما سيجعلها أقل “تنافسية” بكثير في السوق الأوروبية التي اتخذت فعلا منحى تنازليا بسبب الأزمة.

دخلت اتفاقية تحرير المنتجات الفلاحية والصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في 1 أكتوبر 2012. ويؤكد هذا الاتفاق على الإجراءات التقييدية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الواردات من المغرب عن طريق تعزيز تدابير الحماية غير الجمركية: نظام الحصص والجدول الزمني للتصدير وسعر الدخول.

يتمتع المغرب بموجب هذه الاتفاقية فيما يخص الطماطم[2] بحصة تصدير سنوية تبلغ 240،000 طن موزعة بين أكتوبر ومايو مع سعر دخول اتفاقي (46.1 أورو / 100كلغ) وإعفاء من الرسوم الجمركية. وتتمتع الكميات المصدرة خارج هذه الحصة بتخفيض قدره 60٪ من الرسوم الجمركية أي دفع 5.7٪ بدلا من الـ 14.4٪ المسجلة في التعريفة الجمركية المشتركة على أساس أسعار دخول منظمة التجارة العالمية والتي تتغير على مدار السنة على سبيل المثال من 62،6 يورو / 100 كيلوغرام في أكتوبر إلى 112،6 يورو / 100 كيلوغرام في ابريل[3]. وعلى الرغم من هذا النظام القاهر، تمكن المصدرون المغاربة في موسم 2012-2013 من تصدير حوالي 390،000 طن من الطماطم لأسواق الاتحاد الأوروبي فقط، أي 150،000 طن زائدة عن الحصة الثابتة المقدرة بـ 240،000 طن حسب الاتفاقية. وهذا الفائض هو المستهدف من خلال الأحكام الجديدة للمقدار الجزافي عند الاستيراد التي اتخذت تحت ضغط من المنتجين الأوروبيين الكبار.

سيكون من الصعب أن يتأثر المصدرون المغاربة الكبار بهذه القيود الجمركية للاتحاد الأوروبي والتي سوف تؤثر أولا على أصحاب حصص التصدير الصغيرة أي مزارعي الطماطم المتوسطين والصغار الذين سيتم إخراجهم من دائرة التصدير. فهم بالفعل ليسوا كثيرين لأن تكاليف تجهيز الأراضي[4] والمدخلات[5] مرتفعة جدا ناهيك عن الحاجة إلى الأراضي والمياه. وهذا العدد القليل مرجح إلى مزيد الانخفاض بسبب الإجراءات الجمركية الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي.

سيكون لمصدري الطماطم الكبار الإمكانيات لتنويع إنتاجهم وأسواقهم في البلدان خارج الاتحاد الأوروبي (روسيا وكندا والدول الاسكندينافية والخليج وأفريقيا). كما أنهم يتلقون المساعدات التي لا يستفيد منها صغار الفلاحين: بلغ مقدار الإعفاءات الضريبية 4 مليار درهم والإعانات 2.800 مليار في عام 2013.

إلا أن المنتجين المصدرين الرئيسيين استغلوا هذا القرار الأحادي من الاتحاد الأوروبي لمحاولة انتزاع المزيد من التنازلات من الحكومة المغربية. إذ أنهم يطالبون بتعميم العقود محددة المدة (CDD) متعللين بأن الأنشطة الفلاحية موسمية بشكل كامل[6]. كما أنهم يرفضون تحقيق المساواة بين الأجر الأدنى الفلاحي (Smag) مع الأجر الأدنى الصناعي (Smig)[7]. نسبة 12٪ فقط من العمال الزراعيين مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS). كما أن المصدرين يلوحون في إطار تعبئتهم الحالية ضد التدابير الأوروبية بشبح فقدان الشغل ويعلنون عن أرقام جنونية[8]. إنها ذريعة لتبرير هجومهم ضد النقابيين (التسريحات الجماعية للعمال) واستباق مطالبهم ووضعهم في موقف دفاعي: لا يمكن المطالبة بالحقوق في وقت حتى العمل ليس مضمونا!

وضع هذا التحرك من جانب واحد للاتحاد الأوروبي الحكومة المغربية في موقف حرج في وقت اختتمت فيه للتو الجولة الرابعة من المفاوضات بشأن الاتفاقية الشاملة والمعمقة للتبادل الحر بين المغرب والاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 11 ابريل 2014. وقد ذكرت الإدارة المغربية بطريقة دبلوماسية ممثلي الاتحاد الأوروبي أن هذا الإجراء مخالف لاتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وللمادة 20[9] منها ولقواعد منظمة التجارة العالمية. وسعى مسؤولون أوروبيون لطمأنة الحكومة المغربية مدعين أن الأحكام الجديدة كانت ذات صبغة تقنية أكثر منها تجارية وسيتم أخذ المخاوف المغربية بعين الاعتبار.

وهذا يعطينا لمحة عما ستكون عليه “مطابقة القوانين مع المكتسبات الأوروبية” التي تعد واحدة من الركائز الأساسية للمفاوضات بشأن الاتفاقية الشاملة والمعمقة للتبادل الحر، وكيف يمكن أن تُفرض القوانين الجديدة للاتفاق عبر الأطلسي. الاتحاد الأوروبي يفرض والمغرب ينفذ.

هذا النص جزء من دراسة نشرتها أطاك المغرب في شتنبر 2015. 

 

[1]  http://ec.europa.eu/agriculture/cap-post-2013/implementation/pdf/1451/c-2014-1451_fr.pdf

[2]  تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يستوعب 85٪ من الصادرات المغربية من الطماطم و 80٪ وتقريبا من قيمتها تأتي من فرنسا واسبانيا.

[3]  الإطار التنظيمي للاتحاد الأوروبي المطبق في موسم 2013-2014 http://web2.eacce.org.ma /

[4]  يقدر مبلغ الاستثمار لتركيب هكتار على الأقل من 300،000 درهم للبيوت المغطاة بالخشب و 400،000 درهم للبيوت المغطاة  بالمعدن دون احتساب ثمن الأرض.

[5] تقدر التكاليف السنوية المباشرة بما لا يقل عن 400،000 درهم للهكتار الواحد بالنسبة للطماطم المستديرة، وبين 500،000 و 600،000 درهم للهكتار الواحد بالنسبة للطماطم الصغيرة (الكرز والكوكتيل). تتطلب هذه الأخيرة المعدة حصريا للتصدير برنامج تسويق محددا مسبقا لا يمكن إلا لمجموعات المصدرين الكبار توقيعه.

[6]  أعد مشروع مرسوم (رقم 14/02/15) من قبل وزير التشغيل يحدد مجالات النشاط والحالات الاستثنائية التي يمكن أن تمضى فيها العقود المحددة المدة. www.sgg.gov.ma

[7]  أبرم اتفاق في أبريل 2011 (في سياق حركة 20 فبراير) بين النقابات والحكومة وأرباب العمل لتحقيق المساواة بين الأجر الأدنى الفلاحي (Smag) مع الأجر الأدنى في القطاعات الأخرى (SMIG)، ولكن من دون متابعة إلى الآن. يبلغ مقدار الأجر الأدنى الصناعي 2333 درهم شهريا مقابل 1.648 درهم للأجر الأدنى الفلاحي Smag. عشية 1 مايو 2014 قررت الحكومة المغربية الزيادة في الأجر الأدنى الفلاحي والأجر الأدنى الصناعي بـ 10٪ موزعة على سنتين (5٪ في يوليو 2014 و 5٪ في يوليو 2015).

[8] “سوف يولد النظام الجديد الذي يدخل حيز التنفيذ في 1 أكتوبر 2014 نقصا في الصادرات بحوالي 130،000 طن وفقدان 30،000 منصب شغل قار وهو تقدير يعتبره المهنيون متدنيا”. L’Economiste ، عدد 4269 بتاريخ 2014/05/06. وهذا يعني أن قطاع إنتاج الطماطم في البيوت المغطاة (5،500 هكتار) سيمر بسنة بيضاء وسيصبح جميع العاملين بها (30،000) عاطلين عن العمل. صريحات لا سند لها!

[9]  تقضي المادة 20 من اتفاقية الشراكة انه على الطرف الراغب في تغيير قوانينه بخصوص السياسة الفلاحية أن يعلم لجنة الشراكة مسبقا.

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube