الرئيسية / ملفات دراسية / البيئة / دراسة:السيادة على الغذاء: الأرض لمن يفلحها ومزارعو الوطن يجب أن ينتجوا معظم الغذاء المُسْتَهْلَك محليا 
الزراعات المعاشية
دراسة:السيادة على الغذاء: الأرض لمن يفلحها ومزارعو الوطن يجب أن ينتجوا معظم الغذاء المُسْتَهْلَك محليا 

دراسة:السيادة على الغذاء: الأرض لمن يفلحها ومزارعو الوطن يجب أن ينتجوا معظم الغذاء المُسْتَهْلَك محليا 

المنظور الأميركي الكولونيالي: “الأمن الغذائي” للشعوب الفقيرة يتحقق من خلال اعتمادها على المنتجات الزراعية الأميركية الرخيصة!
السيادة على الغذاء: الأرض لمن يفلحها ومزارعو الوطن يجب أن ينتجوا معظم الغذاء المُسْتَهْلَك محليا 
السياسة التجارية يجب أن تركز على حماية الزراعة المحلية من الدمار الناتج عن إغراق الأسواق الفلسطينية بالسلع الأجنبية والإسرائيلية المدعومة والمسوقة بأسعار مخفضة بشكل مصطنع

كثر في السنين الأخيرة الجدل والنقاش حول مفهوم السيادة على الغذاء، وبخاصة سيادة الشعوب المقهورة والشرائح الشعبية الرازحة تحت تحكم ورحمة حفنة من الاحتكارات الأجنبية العابرة للقارات وشركات البذور والكيماويات الزراعية العالمية، إضافة للشعوب الرازحة تحت احتلال أجنبي، كما الشعب الفلسطيني.  لقد سبق أن ناقش كاتب هذه السطور هذه المسألة أكثر من مرة، في سياق الوطن الفلسطيني المحتل، والمكانة الإستراتيجية المصيرية الوجودية التي تحتلها الأرض والإنتاج الزراعي لشعبنا الذي تذله يوميا بساطير احتلال استيطاني اقتلاعي يتحكم وأعوانه في عملية إطعام أو تجويع الناس.  في هذه المقالة التحليلية، سأتناول السيادة على الغذاء من منظور أكثر شمولي، يأخذ في الاعتبار ما يفترض أن تتضمنه هذه السيادة من مفهوم الغذاء كحق أساسي من حقوق الإنسان، إضافة إلى الإصلاح الزراعي، وحماية الموارد الطبيعية، وعدالة تجارة الأغذية، والقضاء على عولمة التجويع، ومسألتي السلم الاجتماعي والرقابة الشعبية الديمقراطية.  كما نسترشد هنا من الدروس المستفادة من منظمات المزارعين الصغار عبر العالم، مثل حركة “فِيا كَمْبِيسِينا” (Via Campesina )، ومن ما يسمى أزمة الغذاء العالمية (2007-2008)، ومن الآثار الصارخة لظاهرة الاحترار العالمي؛ هذه الدروس تشير إلى أن تحولا نموذجيا في اتجاه السيادة على الغذاء آخذ في الحدوث بالعديد من المجتمعات. جورج كرزم
خاص بآفاق البيئة والتنمية

لقد دلت “أزمة الغذاء” (2007-2008) على مدى هشاشة النظام العالمي لتجارة الأغذية الذي ثبت عجزه عن القضاء على ظاهرة الجوع التي يعاني منها أكثر من مليار نسمة من الشرائح السكانية المعدمة في البلدان ذات الدخل المتدني، المتوسط، بل وحتى المرتفع.  وقد ثبت أن أزمة الغذاء لم يكن سببها أساسا نقص الطعام، بل عدم قدرة وعجز الفقراء على تحمل الارتفاع الكبير في الأسعار الناتج عن بضعة عوامل أبرزها: أولا، انعدام العدالة الرهيب في نظم التجارة العالمية، وبروز الحاجة الملحة لتقليص المسافات الطويلة التي يستغرقها نقل الأغذية.  ثانيا، ارتفاع أسعار الطاقة والمدخلات (مثل الأسمدة) وما يترتب على ذلك من زيادة الديون بخاصة، وديون المزارعين الصغار والبلدان متدنية الدخل بعامة، ما أدى إلى هجرات متواصلة لملايين فقراء الأرياف والملاكين الصغار نحو الأحياء الفقيرة في المدن والعمل المهزوز في الاقتصاد غير الرسمي.  ثالثا، مواصلة تقويض الإنتاج الغذائي في البلدان متدنية الدخل، من خلال إغراق الأخيرة بفوائض الإنتاج المدعومة من الأنظمة الغربية الرأسمالية، أو من خلال جرها نحو التخصص في إنتاج غذائي كمالي تصديري رخيص لصالح الاقتصاديات الرأسمالية.  رابعا، الاحتكار المتفاقم للحبوب والبذور وتجارة أغذية أخرى تتحكم بها حفنة من شركات الكيماويات الضخمة متعددة الجنسيات.  خامسا، المضاربات المالية الدولية لأسواق “العقود الآجلة” للسلع الغذائية.  سادسا، تحويل الغابات والأراضي الزراعية الصغيرة متعدد المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي.  سابعا، ضياع المعارف التقليدية والتنوع البيولوجي، وانتشار المحاصيل الأحادية المسجلة ببراءات اختراع، وهشاشة المحاصيل المعدلة وراثيا، والتغيرات المرتبطة بتغير المناخ وبخاصة تأثير تغير المناخ على إنتاج الأغذية.  وأخيرا، الإفراط في الاستغلال غير المستدام للموارد الطبيعية.

أسس السيادة على الغذاء   
استطراداً لما ورد نتساءل: ما هي أهم أسس السيادة على الغذاء وكيف يمكننا بلوغها؟  يمكننا إيجاز مفهوم السيادة الغذائية في تسعة عناصر أساسية:
أولا:  هدف أية سياسة زراعية محلية ووطنية يجب أن يكون الاكتفاء الذاتي غذائيا.  بمعنى أن مزارعي الوطن يجب أن ينتجوا معظم الغذاء المستهلك محليا.  هذا الشرط تحديدا، لا يشمله مفهوم “الأمن الغذائي” الذي طوعته الدول والشركات الصناعية الغربية والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية لصالح المصالح التجارية الاحتكارية في أوروبا وأميركا الشمالية.  ممثلو احتكارات الغذاء الأميركية يعرفون “الأمن الغذائي” باعتباره القدرة على تلبية الاحتياجات الغذائية للبلد، من خلال الإنتاج المحلي أو الاستيراد.  والأساس هنا، وفق المفهوم الإمبريالي، هو الاستيراد من خلال إغراق أسواق الشعوب الفقيرة بالسلع الغذائية الغربية المدعومة والرخيصة، وبالتالي القضاء على الإنتاج الغذائي الوطني، كما حدث في العديد من دول أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.  وقد وصلت العجرفة الأنجلو-سكسونية الاستعلائية لدى جون بلوك وزير الزراعة الأميركي السابق لدرجة تعريفه “الأمن الغذائي” بقوله إن “المفهوم القائل بأن الدول النامية يجب أن تُطْعِمَ نفسها بنفسها يعتبر في غير زمانه وقد عفا عليه الزمن.  فبإمكان هذه الدول أن تضمن بشكل أفضل أمنها الغذائي من خلال اعتمادها على المنتجات الزراعية الأميركية، وهي متاحة، في أغلب الأحيان، بتكلفة أقل”!
ثانيا:  من حق الناس والشرائح الشعبية أن تقرر أنماط إنتاجها واستهلاكها الغذائي، آخذين في الاعتبار التنوع الريفي والإنتاجي، وعدم السماح بإخضاع هذه الأنماط للتجارة الدولية المنفلتة وغير المنضبطة.
ثالثا:  الاعتبار الأساسي في عملية إنتاج واستهلاك الغذاء يجب أن يكون رفاهية ومنفعة المزارعين والمستهلكين على حد سواء، وليس أرباح أصحاب المصالح الكبار والشركات التجارية الزراعية.
رابعا:  أنظمة الغذاء الوطنية يجب أن تنتج غذاءً صحيا ذات جودة جيدة وينسجم مع التراث والثقافة المحليين، وذلك للسوق المحلي بالدرجة الأولى.  وهذا يعني تجنب الوجبات الاصطناعية السريعة والقوالب والمعايير العالمية الجاهزة للأغذية المصنعة، كما يعني أيضا رفض التوجه الذي يعتبر الغذاء مجرد سلعة أخرى أو عنصرا من عناصر الصناعات الزراعية العالمية.
خامسا:  يجب إعادة التوازن بين الزراعة والصناعة؛ بين الريف والمدينة؛ وعكس الاتجاه القائم المتمثل بتبعية الزراعة والريف للصناعة ونخب المدينة، وما نتج عن ذلك من أرياف منكوبة وتدمير للاقتصاديات الزراعية، الناتج إلى حد كبير، في الحالة الفلسطينية، بسبب نهب الاحتلال للأراضي والموارد الطبيعية.
سادسا:  وضع حد لسيطرة الشركات التجارية والوكلاء على الأراضي الزراعية، وبخاصة لإقامة مشاريع صناعية وتجارية وزراعية مشتركة مع الاحتلال (ما يسمى المناطق الصناعية الحدودية)، بهدف التصدير لصالح أرباح حفنة من السماسرة والوكلاء والمنتفعين من التبعية الاقتصادية للاحتلال.  ومن خلال برنامج إصلاح زراعي حقيقي،  يجب إعادة توزيع الأرض الزراعية الحكومية، لصالح الذين يفلحونها (الأرض لمن يفلحها) فقط.  بمعنى أن السيادة الحقيقية على الأرض الزراعية، المراعي، المياه، البذور، الثروة الحيوانية والسمكية يجب أن تكون لمنتجي الغذاء المحليين الذين يجب ضمان احترام حقوقهم.  كما أن الإصلاح يجب أن يتضمن أحكاما خاصة بأشكال الملكية المجتمعية والجماعية، وبالإنتاج الذي يعزز حس الانتماء البيئي والزراعي.
سابعا:  ممارسة الإنتاج الزراعي يجب أن تكون بشكل أساسي بواسطة المزارعين الصغار أو التعاونيات أو المنشآت المملوكة للدولة (القطاع العام)؛ كما أن توزيع الغذاء واستهلاكه يجب أن يحكمهما التسعير العادل الذي يأخذ في الاعتبار حقوق ورفاهية المزارعين والمستهلكين على حد سواء.  وهذا يعني، بشكل أساسي، القضاء على سياسة الإغراق السلعي الذي تمارسه الشركات الإسرائيلية وسائر الشركات الأجنبية والاحتكارية، من خلال إغراقها الأسواق المحلية بسلعها الزراعية المدعومة، وبالتالي الرخيصة بشكل مصطنع، ما أدى ويؤدي إلى عملية تدمير متواصلة للمزارعين الصغار.  وهذا التوجه الزراعي الوطني يعني أيضا ضرورة حماية الإنتاج الغذائي المحلي، وإنتاج وتخزين احتياطي منن الحبوب الإستراتيجية، وتشجيع القروض الزراعية الميسرة وأشكال دعم أخرى تحفز عملية استرداد القدرات الوطنية للبلد على إنتاج الغذاء.  علاوة على إعادة النظر بأولويات الموازنات العامة والحكومية لصالح الإنتاج الزراعي والمزارعين، وتحديد أسقف للأسعار.
ثامنا:  معارضة ورفض الزراعات الصناعية القائمة على الهندسة الوراثية وما يسمى “الثورة الخضراء” المكثفة كيميائيا، لأن التحكم الاحتكاري بالبذور يصب بالدرجة الأولى في مصلحة الأجندات التجارية الربحية للشركات، ولأن الزراعة الصناعية تعتبر غير مستدامة بيئيا.
تاسعا:  تحوي التقنيات الفلاحية التقليدية والزراعية المحلية كما هائلا من المعرفة والحكمة والمهارات المتوارثة، وهي تجسد تطور التوازن الكبير الذي كان قائما إلى حد كبير بين المجتمع البشري والمحيط الحيوي.  لذا، فإن تطوير التقنيات الزراعية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية المحلية يجب أن يأخذ الممارسات التقليدية المتوازنة كنقطة بداية، بدلا من الإطاحة بها باعتبارها متقادمة وعفا عليها الزمن.

الجمع بين المعرفة التقليدية والتكنولوجيا الجديدة
تثمن مدرسة السيادة على الغذاء عناصر وقيم أساسية بخستها الرأسمالية واعتبرتها معيقات أمام الأنماط “المتقدمة” للنظام الاقتصادي؛ ومن هذه العناصر مثلا:  الزراعة الفلاحية التقليدية، الإنتاج الصغير والبيئة.  لقد تطورت سمات الزراعة الفلاحية، عبر التاريخ، لتلبية الاحتياجات المجتمعية والحوكمة المحلية، والاستقرار البيئي، وبالتالي يجب ألا يقذف بها بالطريقة المتعجرفة التي قامت بها الزراعة الرأسمالية الصناعية.  ومن أبرز هذه السمات:  القرب من الأرض، الرابط العضوي بين الأسرة والمزرعة، التركيز على السوق المحلي، الإنتاج كثيف العمل، والإحساس بالعمل مع الطبيعة بدلا من الهيمنة عليها.
السيادة على الغذاء، في الممارسة والنظرية، تجسد بديلا سياسيا وبيئيا وثقافيا لزراعة الشركات التجارية “عالية الحداثة” والقائمة على معايير موحدة من المدخلات والمخرجات، وتخدم أقلية من سكان العالم.  مبدأ السيادة على الغذاء لا يعني العودة إلى الزراعات التقليدية بحد ذاتها، أو العودة إلى الزراعة الفلاحية الرعوية؛ بل إنها الرد الشامل والمعاصر للواقع النيوليبرالي الحالي الذي لا يملك حلولا مستدامة لمشاكله المستعصية.
النموذج الزراعي الفلاحي الذي نتحدث عنه لا يعني رفض التقدم أو التكنولوجيا أو التجارة؛ أو العودة الرومانسية إلى الماضي القديم الغارق في التقاليد الريفية؛ بل إنه النموذج البديل القائم على بعض الأخلاقيات والقيم التي تحتل فيها الثقافة والعدالة الاجتماعية مكانة هامة، وحيث تبرز الممارسات الملموسة التي تضمن مستقبلا دون مجاعة.  وينطوي هذا البديل على الإمساك مجددا بجوانب المعرفة التقليدية والمحلية، أو معرفة المزارعين؛ والجمع بين هذه المعرفة والتكنولوجيا الجديدة، عندما وأينما هو مناسب للقيام بذلك.
ومن خلال الدمج الحذر لبعض التقنيات الحديثة مع الممارسة التقليدية، فإن الفلاحين وصغار المزارعين في كل مكان يؤكدون من جديد دروس تاريخهم، كما يعيدون تشكيل المشهد الريفي لصالح العاملين في الأرض، في الوقت الذي يعيدون فيه بشكل جماعي تعريف ما ينتج من غذاء، وكيف وأين ولمن يتم إنتاجه.

استدخال الطبيعة والبناء عليها؛ كما أن الإنتاج المشترك والتطور المشترك أمران أساسيانالعلوم المتقدمة والزراعة الفلاحية لا يتعارضان
السؤال المطروح:  هل يمكن للزراعة الفلاحية التقليدية تلبية الطلب الكبير على المنتجات الزراعية في عصرنا الحاضر؟  في الواقع، بعض أهل العلم “المتعاطفين” مع معاناة طبقة الفلاحين أو العمال الريفيين، يزعمون بأن مناصرة النمط الفلاحي “تتجاهل إلى حد بعيد المسائل المتعلقة بإطعام سكان العالم الذين ازدادوا كثيرا في كل مكان بعصرنا الحاضر؛ ذلك الإطعام الذي أصبح في جزئه الأكبر ممكنا بفضل ثورة الإنتاجية التي تحققت من خلال تطور الرأسمالية”.
يتلخص ردنا على ذلك، بادئ ذي بدء، في أن تفوق الزراعة الرأسمالية الصناعية، من حيث الإنتاج، غير مدعم بالتجربة.  فبالرغم من المغالطة الشائعة بأن المزارع أو الحيازات الزراعية الصغيرة متخلفة وغير منتجة، إلا أن الأبحاث تدلل على أن المزارع الصغيرة أكثر إنتاجية بكثير من المزارع الكبيرة، وذلك إذا أخذ في الاعتبار مجمل المخرجات، وليس فقط الغلة الناتجة من محصول واحد.  فعلى سبيل المثال، أنظمة الزراعة المتكاملة الصغيرة التي تنتج تنوعا من الحبوب، والفاكهة، والخضروات، والعلف والمنتجات الحيوانية، تتجاوز غلتها (إنتاجها) في الوحدة الواحدة، غلة المحصول الأحادي في المزارع الكبيرة، مثل الذرة في الزراعات الأحادية.  وعندما تؤخذ في الاعتبار عوامل زعزعة الاستقرار البيئي التي صاحبت عملية تعميم الزراعة الصناعية؛ نجد أن ميزانية التكاليف والمنافع تترنح بشكل حاد نحو السلبية.  ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تسافر السلعة الغذائية المتوسطة أكثر من ألفي كيلومتر قبل أن تصبح جزءا من وجبة الطعام؛ علما أن الفاكهة والخضروات تبرد، وتشمع، وتصبغ، وتعرض للإشعاع، وتدخن، وتعبأ، ثم تشحن.  وبالطبع، فإن أيا من هذه العمليات لا تحسن جودة الغذاء، وإنما تمكن فقط توزيعه لمسافات بعيدة، وتزيد فترة صلاحيته.
لقد خلقت الزراعة الصناعية حالة منافية للعقل؛ إذ أن إنتاج سعر حراري واحد من الطاقة الغذائية يتطلب عشر سعرات من الطاقة خلال مراحل الإنتاج، والمعالجة، والتوزيع والتحضير.
في الواقع، قدرة زراعة النطاق الصغير أو الزراعة الفلاحية على الجمع بين الإنتاجية والاستقرار البيئي يشكل بعدا أساسيا في تفوقها على الزراعة الصناعية (الكيميائية).  وبالطبع، تتماشى الميكنة الزائدة تماما مع الزراعات الأحادية التي تترك فيها مساحات أرضية عارية بين الصفوف المزروعة.  وعكس ذلك، تميل المزارع الصغيرة إلى الاستفادة المكثفة أكثر من مثل هذه المساحات، وذلك من خلال تنويع الأنماط المحصولية التي تدمج أنواعا نباتية تكمل بعضها بعضا.  فضلا عن دمج بعض الحيوانات الصغيرة واستخدام دواب الجر المقبولة بيئيا.
كثافة أنماط المحاصيل المنوعة التي تزرع في دورات زراعية، و”ترييح” الأرض من فترة لأخرى، وتكامل التنوع النباتي مع الحيوانات الصغيرة ودواب الجر، تعزز بقوة الكائنات الدقيقة التي تحلل التربة، واللافقاريات، والكائنات المستهلِكة التي تتغذى على الفضلات العضوية؛ ما يدعم، في المجمل، التنظيم البيولوجي لخصوبة التربة والآفات ودورات المرض والأعشاب الضارة، دون كيماويات كما في الزراعات الأحادية.  هذه القدرة على تجديد وتحسين التربة مع مر الزمن، هي أيضا نتاج جداول زمنية لإدارة المزرعة، مختلفة جذريا عن المزارع الصناعية؛ إذ أن المزارع الصغيرة غالبا ما تعتمد على المعرفة المتوارثة عبر الأجيال؛ لذا فإنها تميل إلى تنظيم ذاتها من خلال وضع أهداف موازنة أبعد مدى بكثير من الميزانية السنوية التي تحكم الزراعات الأحادية الصناعية.
المغالطة الشائعة والقائلة بأن زراعة الحيازة الصغيرة والفلاحية متخلفة، نابعة من مجموعة مزاعم أسسها في الواقع ضعيفة؛ وأبرزها ثلاثة مزاعم غامضة حول الإنتاج في الزراعة الفلاحية.  الزعم الأول يقول بأن هناك “سقف تقني” لا تستطيع الزراعة الفلاحية تجاوزه.  الزعم الثاني يقول بما يسمى قانون تناقص العائدات في الإنتاج الفلاحي كثيف العمل.  وثالث المزاعم يستند إلى الركود المفترض في الإنتاج الفلاحي.
الأدلة القائمة على المزاعم السابقة واهية.  ومن المفيد التذكير، في هذا السياق، بأن الزراعة الهولندية أصبحت، في الفترة الممتدة بين 1850 و1956، طليعية في الإنتاج على مستوى عالمي، وذلك تحديدا عندما ازداد عدد المزارعين الصغار بالأرقام المطلقة، وعندما سادت الأنماط كثيفة العمالة واختفت المزارع الرأسمالية ومزارع أصحاب الأعمال؛ بل كانت الحركة تسير باتجاه العودة إلى الزراعة الفلاحية.  إن منطق النمط الفلاحي للإنتاج يختلف عن المنطق الرأسمالي، حيث أن أساس التحدي التكنولوجي في هذا النمط هو البناء على عناصر النموذج الفلاحي، وليس إزاحتها بالتكنولوجيا الرأسمالية.  ومن أهم هذه العناصر:

  • الابتعاد عن الأسواق في جانب المدخلات؛ والتمايز في جانب المخرجات (قدر ضئيل من التسليع)
  • مركزية الحرف والتقنيات المرتكزة على المهارات
  • تكثيف مستمر يعتمد على كمية ونوعية العمل
  • تعدد الوظائف
  • استمرارية الماضي، الحاضر والمستقبل
  • زيادة الثروة الاجتماعية

وبالطبع، يوجد في الزراعة الفلاحية تقدم، ولكنه يقع ضمن عملية تكون التكنولوجيا فيها انتقائية وليست تخريبية لنمط الإنتاج، بل في توافق معه.  التقدم التكنولوجي في الزراعة الفلاحية لا صلة له بتوحيد معايير الإنتاج، وإنما بناء القدرة على التعامل مع التنوع في سياق عملية الإنتاج.  التكنولوجيا، بالمعنى الحقيقي، تعتمد على المسار الذي تتبعه؛ فتطورها يأخذ مسارات مختلفة في نماذج الإنتاج المختلفة.
العلوم المتقدمة والزراعة الفلاحية لا تتعارضان.  دمج العلم في الزراعة الصغيرة يمثل تحديا لكنه ممكن.  فالزيادة الكبيرة في مدى الممارسات العضوية وشبه العضوية تتطلب قدرا أكبر من البحث العلمي والتدريب الهادفين إلى تحقيق فهم أفضل لكيفية عمل الأنظمة الإيكولوجية-الزراعية.  فعلى سبيل المثال، البحث في أوجه التكامل الوظيفي للحشرات المختلفة من شأنه تحسين المكافحة الطبيعية للآفات.  بينما معرفة أكبر لخصائص ولبنية التربة ولديناميات إعادة تدوير المغذيات يمكن أن ترشد المزارعين نحو أفضل ما يمكن استعماله من أنماط الزراعات المتداخلة والدورات الزراعية والنباتات المثبتة للنيتروجين والأسمدة الخضراء، لتحسين خصوبة التربة.

معركة نشطة ضد الشركات الزراعية الصناعية
في العقدين الأخيرين اعتبرت الزراعة العضوية أو الإنتاج دون مبيدات وبأقل قدر أو دون أسمدة كيميائية، من أكثر مبادرات الأعمال الناجحة.  ومع انتشار الوعي بالمخاطر الصحية الناجمة عن الزراعات الصناعية وآثارها البيئية السلبية، أصبح سوق الإنتاج العضوي شديد الدينامية.  كما أن المزارعين الصغار والمستهلكين ارتبطوا ببعضهم من خلال أسواق المزارعين، أو من خلال إقامة شبكات مزارع-مستهلك تربط الطرفين الأخيرين بشكل مباشر.  وحينما لا تتمكن من منافسة أسعار منتجات الزراعة الصناعية، فإن المنتجات العضوية تعوض الأسعار المنافسة للسلع الأخيرة، من خلال آثارها الصحية والبيئية الإيجابية بما لا يقارن مع المنتجات الزراعية الصناعية.
وهنا لا بد من التحذير من أن تبني الزراعة الطبيعية أو العضوية البديلة باعتبارها مسألة تكنولوجية فقط، سيزج بهذا النمط الزراعي في معركة خاسرة؛ لأن ازدهار أي نوع من التكنولوجيا يكون فقط في سياق اجتماعي واقتصادي داعم.
فإذا قامت الزراعة العضوية بإحلال مبيد بيولوجي مكان مبيدات كيميائية أكثر سمية، ولكنها تترك البنية الأحادية للزراعة دون مساس، فإنها تسير ضد التيار.
إذن، قبول البنية الحالية للزراعة كأمر واقع يقلص إمكانية تطبيق البدائل التي تتحدى هذه البنية.  وهكذا، على سبيل المثال، فإن الاتجاهات الحالية المتصلة بحجم المزرعة والميكنة تعيق خيارات الزراعة المتنوعة.  فتطبيق نمط الزراعات المختلطة يصبح ممكنا فقط إذا أصبح هذا النمط جزءا من برنامج أشمل للإصلاح الزراعي، بحيث يشمل هذا الإصلاح إعادة تصميم الميكنة لتتناسب مع الزراعات المتعددة.  إن مجرد إدخال التصاميم الزراعية البديلة سيفعل القليل لتغيير القوى الأساسية التي أدت إلى الإنتاج الزراعي الأحادي وانتشار المزارع الكبيرة والميكنة الواسعة النطاق بالدرجة الأولى.
من ناحية أخرى، لا بد من لفت الانتباه إلى ظاهرة مقلقة آخذة في الانتشار، وهي أن العديد من الشركات الزراعية تزعم بأنها سلكت الخيار العضوي.  وفي ظل سوق من الزراعة العضوية في الولايات المتحدة حجمه تجاوز 40 مليار دولار، فإن بعض المتاجر الكبرى والشركات حصلت على علامات تجارية عضوية وشركات صغيرة، وأقامت شراكات مع شركات عضوية أو أنشأت خطوطها الخاصة بها للإنتاج العضوي.  ومن بينها توجد بعض الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة، مثل “كادبوري”، “كوكا كولا”، “دانون”، “ديل”، “هاينز”، “كيلوغ”، “كرافت”، و”سارا لي”.  وبحسب بعض التقارير، فإن هذه النماذج من الزراعة الصناعية تهيمن بشكل متزايد على قطاع الغذاء العضوي.
لذا، دون شن معركة نشطة ضد الشركات الزراعية الصناعية، ودون ضمان الأبعاد الاجتماعية للزراعة البديلة؛ مثل إنتاج الحيازة الصغيرة، والملكية الأسرية أو المجتمعية، والتكافل المجتمعي بين المزارعين والمستهلكين، والمسافات القصيرة بين المزرعة والمائدة- والاكتفاء بالتركيز على المسائل التكنولوجية فقط، فإن الزراعة البديلة يتهددها خطر التحول إلى مجرد ذراع للزراعة الصناعية، وتحديدا كسوق متخصصة لها.

السيادة على الغذاء تتناغم مع مناهضة العولمة
لاقى نموذج السيادة على الغذاء قبولا قليلا خارج المنظمات التي تركز في عملها على تغيير أنظمة الأغذية الزراعية القائمة.  وذلك ربما لأن انعكاسات هذا النموذج على العمال، والصناعة، والخدمات، وسائر قطاعات الاقتصاد غير واضحة.  فعندما يؤخذ سكان المدن في اعتبار هذا النموذج، يتم التعامل معهم أساسا كمستهلكين يجب دمجهم في أسواق المزارعين، أو كممارسي البستنة الحضرية.  لذا، فإن التركيز على تقاطعات نهج السيادة على الغذاء مع مفاهيم أخرى أشمل تركز على ذات المبادئ، مثل الحيازات الصغيرة والتشعب والتنوع والمساواة والديمقراطية، يفترض، نظريا، أن يحدث دون مشاكل مستعصية.  وهنا، لا بد من التنويه إلى أن نموذج السيادة على الغذاء، يتناغم مع المدرسة المناهضة للعولمة.
مناهضة العولمة، تحديدا، لا تعني الانسحاب من الاقتصاد العالمي، بل إنها تعني جعل المشاركة في هذا الاقتصاد وسيلة لبناء وتعزيز قدرات الاقتصاد المحلي وليس هدمها، كما تفعل سياسات التجارة النيوليبرالية.  ومن هنا، فإن مناهضة العولمة تنطوي على ما يلي:

  • تركيز الإنتاج الزراعي من أجل السوق المحلي أساسا، وليس التصدير.
  • تكريس مبدأ التشعب (اللامركزية) في الحياة الإقتصادية، من خلال تشجيع الإنتاج السلعي في المستوى المحلي (المجتمعي الصغير) والمستوى القومي، إذا ما كان ذلك ممكنا من ناحية التكلفة المعقولة، لحماية المجتمع المحلي.
  • استخدام السياسة التجارية لحماية الزراعة المحلية من الدمار بسبب إغراق الأسواق الفلسطينية بالسلع الأجنبية والإسرائيلية الاحتكارية المدعومة والمسوقة بأسعار مخفضة بشكل مصطنع.
  • استخدام السياسة الصناعية لتنشيط وتقوية قطاع التصنيع.
  • تنفيذ الإجراءات التي طالما تم تأجيلها، والمتعلقة بإعادة توزيع المداخيل والأراضي (بما في ذلك الإصلاح الزراعي في المدن)، لخلق سوق داخلية تنبض بالحياة وتكون بمثابة مرساة للإقتصاد، وتنشئ موارد مالية محلية للاستثمار.
  • التقليل من أهمية النمو (الإقتصادي) والتركيز على تحسين جودة الحياة، وتحقيق أقصى قدر من المساواة، لتقليص اختلال التوازن البيئي.
  • عدم ترك القرارات الاقتصادية الإستراتيجية للسوق أو للتكنوقراط، بل توسيع نطاق اتخاذ القرار الديمقراطي في الاقتصاد؛ بحيث تصبح كل المسائل الحيوية خاضعة للخيار الديمقراطي؛ ومن بين هذه المسائل مثلا: أي الصناعات يجب دعمها وتطويرها، وأيها التخلص التدريجي منها؛ أي نسبة من الموازنة الحكومية يجب أن تخصص للزراعة…إلخ.
  • إخضاع القطاع الخاص والدولة للرقابة والإشراف المستمرين من قبل المجتمع المدني (النقابات، الاتحادات…إلخ).
  • مَوْضَعَة الملكيات العقارية (العامة والمملوكة أجنبيا) بشكل أساسي في إطار “الاقتصاد المختلط” الذي يشمل التعاونيات المجتمعية، منشآت القطاع الخاص ومنشآت الدولة، ويستثني الشركات الاحتكارية العابرة للقوميات.
  • تشجيع عملية تطوير وتعميم التكنولوجيا الصديقة للبيئة والملائمة للزراعة والصناعة المحليتين.

وتهدف كلا مدرستي السيادة على الغذاء ومناهضة العولمة، إلى تجاوز المفهوم الضيق لكفاءة الاقتصاد والمتمثلة (أي الكفاءة) في أن معيارها الرئيسي هو خفض كلفة الوحدة، بصرف النظر عما يسببه ذلك من زعزعة للاستقرار الاجتماعي والبيئي (البعدان الاجتماعي والبيئي يعتبران في الاقتصاد الرأسمالي عوامل خارجية).  وفي المقابل، الاقتصاد الفعّال، نقيض الاقتصاد المعولم والمنسجم مع مبدأ السيادة على الغذاء، هو ذلك الاقتصاد الذي يعزز التضامن والتكافل الاجتماعي، من خلال إخضاع عمليات السوق لقيم المساواة والعدالة والمجتمع المحلي عبر توسيع دائرة اتخاذ القرارات.  وبكلمات أخرى، السيادة على الغذاء ومناهضة العولمة تعنيان “إعادة إجلاس” الاقتصاد في المجتمع، بدلا من أن يكون المجتمع مقودا من قبل الاقتصاد.
ومن بين القواسم المشتركة الرئيسية الأخرى لنموذجي السيادة على الغذاء ومناهضة العولمة القناعة الراسخة بأن التعميم القائل: “مقاس واحد يناسب كافة الموديلات” كما تروج مدرسة الليبرالية الجديدة- هذا التعميم أثبت اختلاله الوظيفي، فضلا عن كونه مزعزعا للاستقرار.  وبدلا من ذلك يجب تشجيع التنوع كما هو قائم في الطبيعة.  وهذا لا يعني عدم وجود مبادئ مشتركة في الاقتصاد البديل؛ بل إنها قائمة، وقد ظهرت بالفعل، إلى حد كبير، أثناء النضال والتفكير النقدي الهادفين إلى إبراز فشل الليبرالية الجديدة، وبالتالي العمل على إسقاطها.  لكن، كيف تصاغ هذه المبادئ بشكل ملموس سوف يعتمد على القيم، والإيقاعات، والخيارات الاستراتيجية لكل مجتمع.
ومع تداعي النظام المالي العالمي، وما ترتب عليه من انهيار “الاقتصاد العالمي” الذي هو تركة عصر الليبرالية الجديدة، فإن مدارس السيادة على الغذاء ومناهضة العولمة أصبحت ذات صلة تماماً بعالم خاب أمله من الليبرالية الجديدة ويبحث يائسا عن بدائل.
لقد أطعم المزارعون والفلاحون في كل مكان مجتمعاتهم المحلية وأوطانهم؛ وهذا هو الوضع الاقتصادي-الزراعي الطبيعي الذي كان سائدا في فلسطين وسائر أنحاء الوطن العربي.  أما الرأسمالية، وتحديدا بطبيعتها النيوليبرالية بشكل عام، والرأسمالية الكولونيالية بطبيعتها الصهيونية في فلسطين بشكل خاص، فقد عملت على إلقائهم في “مزبلة التاريخ”، واستبدالهم بالزراعة الأحادية كثيفة رأس المال الموجهة أساسا إلى “السوبر ماركت” العالمية التي تشكل النخبة الرأسمالية والطبقة الوسطى مستهلكيها الأساسيين.  وفي سياق الترويج لهدفها المتمثل بتغيير كامل النظام العالمي لإنتاج الأغذية وتوزيعها، فإن أحد المبررات الذي طالما تذرعت به الشركات الزراعية الصناعية لتشريد الفلاحين وصغار المزارعين، يقول بأن الأخيرين لا يملكون القدرة على إطعام العالم.  وفي الحقيقة، صغار المزارعين والفلاحين لا يطمحون إلى إطعام العالم، بل إن آفاقهم تقتصر على توفير الطعام لمجتمعاتهم المحلية والوطنية.  فمن خلال توفير القوت لمجتمعاتهم بأفضل ما في وسعهم، يمكن القول بأن الفلاحين والمزارعين في كل مكان يطعمون العالم.  وعلى الرغم من مزاعم ممثلي تلك الشركات بأن الزراعات الكبيرة والاحتكارية أفضل لإطعام العالم، فقد اقترن إنشاء سلاسل الإنتاج العالمي ومحلات السوبر ماركت العالمية، مدفوعا بالبحث عن الأرباح الاحتكارية- اقترن بمزيد من الجوع، وبنوعية أسوأ من الطعام، وبمزيد من خلخلة التوازن البيئي بسبب الزراعات الكيميائية كثيفة رأس المال، وذلك في جميع أنحاء العالم وأكثر من أي وقت مضى في التاريخ.
وإجمالا، أسفرت أيديولوجية السوق الليبرالية الجديدة التي يروج لها في ما يسمى تحرير التجارة، عن انعدام التكافؤ الصارخ والمجاعة والفقر المدقع بين شرائح شعبية واسعة تم تهميشها وإفقارها.  لذا، السيادة الغذائية تعتبر نموذجا بديلا يشجع على ممارسة الحق في التنظيم الجماعي لإنتاج الغذاء ولإدارة الأراضي والموارد الطبيعية.
ومع ذلك، يمتلك الفلاحون وصغار المزارعين مرونة جيدة؛ وهم، في هذا الوقت بالذات من الأزمة العالمية، يقدمون رؤية من الاستقلالية، والتنوع، والتعاون، والتي قد تشكل عناصر رئيسية للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي الضروري. وبينما تتكاثر الأزمات البيئية، وتتراكم الاختلالات الاجتماعية للبنى الصناعية الحضرية، وتعمل العولمة على توريط العالم في كساد عالمي، فإن أعداداً كبيرة من الناس خارج الريف يزدادون ارتباطا  “بالطريق الفلاحي”.
وفي الوقت الذي يترك فيه العديد من مزارعي “رواد الأعمال” الزراعة الرأسمالية، نجد حركات عالمية تدعو إلى العودة للحياة الفلاحية ورد اعتبارها، كما يزداد عدد أهل المدن الذين يمارسون الزراعات الصغيرة.  ويمكننا القول بأن نشوء الزراعة الحضرية في العديد من مناطق العالم، يشير إلى بروز أعداد جديدة من الفلاحين (بدوام جزئي)، بالتزامن مع تحول مكاني للشريحة الفلاحية من الريف إلى المدن الكبرى في العالم.

استشراف آفاق المستقبل  
شكلت الحركة العالمية لصغار المزارعين والفلاحين، في السنين الأخيرة، واحدة من أهم المصادر الدينامية لمقاومة العولمة التي تقودها الشركات.  وتزخر الحركة بقيادات جذابة وبمنظمات جماهيرية مثل MST وVia Campesina اللتين أسرتا الخيال وكسبتا دعم قطاعات متنوعة من المجتمع المدني العالمي.
وتعكف الحركة على بناء ائتلافات مع شبكات وقطاعات أخرى من حركة العدالة العالمية. وفي حالة Via Campesina ،  ترتكز هذه الحملة على الإيمان الراسخ بأن صغار المزارعين والفلاحين يستطيعون مواجهة واقع تهميشهم بنجاح، فقط لدى مشاركتهم في حركات أوسع نطاقا لإحداث التغيير العالمي.
وبينما شكلت مقاومة مؤسسات دولية مثل منظمة التجارة العالمية سمة مميزة لتلك الحركة، فقد أخذت الأخيرة على عاتقها مواجهة تحدي طرح البديل لنظام الإنتاج الزراعي الحالي.  وعند كل نقطة، تتحدى مدرسة السيادة على الغذاء أركان الزراعة الصناعية الرأسمالية، مشددة، على مبادئ أساسية، أهمها الاكتفاء الذاتي، وحق الناس في اختيار أنماط إنتاجهم الزراعي، والعمل الزراعي الذي لا يعتمد على الزراعة ذات الكثافة الكيميائية أو التكنولوجيا الحيوية، والمساواة في توزيع الأرض، والإنتاج الزراعي والتوزيع المرتكزان أساسا على المزارع الصغيرة والمشاريع التعاونية.
كما تثمن الحركة أنماط الإنتاج التقليدية، وترى بأنها تحوي كما هائلا من المعرفة والحكمة المتوارثتين منذ قرون، في إطار من التفاعل المتوازن مع المحيط الحيوي.  ولا يشكل هذا الموقف حنينا رومانسيا إلى الماضي، بل إن العديد من أنصار الزراعة الفلاحية ينتهجون علاقة تكافلية بين العلوم المتقدمة والزراعة الفلاحية صغيرة النطاق،؛ بحيث  تبنى مثل هذه العلاقة على الزراعة الفلاحية التقليدية، بدلا من تدميرها.  وعندما يبينون ما تسببت به الزراعة الصناعية الرأسمالية من تخريب بيئي، ومخاطر صحية، ومنتجات متدنية الجودة، فإن أنصار الزراعة الصغيرة يكونون على قناعة بتفوقها.
ومع انهيار الاقتصاد العالمي، وتسارع الحركة المناهضة لعولمة الإنتاج، يصبح المزارع الصغير والزراعة الفلاحية نموذجا للاقتصادات المحلية أو الإقليمية البديلة والمستدامة التي يبحث عنها الناس.  وفي هذا السياق، يدلل  الفلاحون وحلفاؤهم على أن السيادة الغذائية والنماذج الأخرى المرتكزة على ذات المبادئ، تشكل بديلا فعليا وحاسما لجميع قطاعات المجتمع.
وفي سياق الدفاع عن السيادة الغذائية، وعدالة توزيع الأراضي، والعدالة المائية، من الأهمية بمكان معارضة استراتيجيات “التنمية” التي تركز على الاستيلاء على أراضي الفلاحين، والخصخصة، أو عقود تأجير الأراضي وبخاصة الزراعية للبلدان الأجنبية، بذريعة زيادة الإنتاج الغذائي الصناعي / التجاري لمواجهة تغير المناخ. ومن الضرورة بمكان أيضا مقاومة عملية إملاء وفرض التكنولوجيات على شرائح الفلاحين، مثل المحاصيل الأحادية المعدلة وراثيا (GM )، واحتكار الشركات للبذور، وتحديدا من خلال ما يسمى (terminator technology ) أي التكنولوجيا التي تحظر على المزارعين حفظ وإعادة إنتاج البذور التي تم جمعها (بحجة منع التلوث الجيني)، الأمر الذي سيهدد غذاء نحو 1.5 مليار نسمة في العالم يعتمدون على حفظ البذور من الحقول وإعادة إنتاجها.  وفي الواقع، لتمرير هذه التكنولوجيا الأخيرة، تتستر شركات البذور تحت غطاء ما يسمى الملكية الفكرية للشركات، وهذا الغطاء ليس أكثر من عملية قرصنة بيولوجية تقترفها تلك الشركات، لأن الموارد الوراثية التي تسعى الشركات إلى احتكارها تحت مسمى “الاختراع المسجل” هي محصلة جهود المزارعين الجماعية لتحسين وإعادة إنتاج البذور عبر آلاف السنين، وهي بالتالي ملك للبشرية.
وفي سياق العمل على تعزيز القدرات الفلاحية المحلية، من الضروري ربط المجموعات الفلاحية المحلية المختلفة في إطار الاقتصاد التكافلي المحلي، وفي ذات الوقت، ربطهم في الحركة الأوسع للسيادة على الغذاء، على المستوى العالمي.  وهذا يعني العمل على إقناع المؤسسات المحلية والسلطات الرسمية لدعم زراعات الحيازات الصغيرة المحلية، لصالح نهج السيادة على الغذاء والاقتصاد المحلي والعدالة.
وعلى ضوء التحرك الدولي لمواجهة أزمة المناخ، يفترض العمل على تشجيع وتعزيز تنوع المحاصيل والبذور غير المعدلة وراثيا، وأساليب الزراعة العضوية.  كما، ولدى التخطيط أو الشروع في تنفيذ برامج تتعلق بالإنتاج الغذائي      يجب التشديد على الاستدامة الزراعية والمحصولية؛ إضافة إلى إيلاء الاهتمام المناسب لمسألة وفرة المياه والجدوى البيئية.
ويمكننا الإشارة إلى بعض المشاريع المحلية الداعمة لنهج السيادة على الغذاء:

  • تشجيع المشاريع الإنتاجية القائمة على قاعدة الزراعة المدعومة مجتمعيا أو “الزراعة بالحماية الشعبية”.  وفي مثل هذه المشاريع المجتمعية المكونة من منتِج زراعي (أو أكثر) ومجموعة من المستهلكين (وقد تكون في أغلب الأحيان مجموعات من الأسر الشبابية في القرية أو المدينة)، يدفع المستهلك سلفا للمنتِج في بداية الموسم مبلغا ماليا محددا، لدعمه في عملية الإنتاج العضوي بمختلف مراحلها (وهذا نمط من الدعم الشعبي للإنتاج المحلي).  وفي المقابل، يحصل المستهلك على نسبة معينة من الإنتاج. ويمتلك المستهلك رأيا مقرِرا في ما سيُزرع.

وقد تختلف آليات العمل والإنتاج من مشروع لآخر، ولكن في معظم الحالات يدفع المستهلك رسما محددا في بداية الموسم لمشاركة المنتِج في المخاطرة أو في الثروة الإنتاجية.  وليس بالضرورة أن تكون المشاركة مالية دائما، فقد يساهم المستهلك من خلال عمله بالمشروع، سواء بالفلاحة أو بالحصاد أو بالتوزيع.  وقد يكون المستهلك نفسه منتجا لمنتجات بلدية لا ينتجها المشروع الذي ينتمي إليه، وبالتالي قد تكون مساهمته، كليا أو جزئيا، عبارة عن مقايضة بعض منتجاته بمنتجات أخرى في المشروع.  وتعد الزراعة المدعومة مجتمعيا أسلوبا فعالا لتسويق المنتجات العضوية (أو البلدية) في مواقع الاستهلاك بالمدن أو بالمخيمات الفلسطينية. وعادة ما يتم نقل منتجات المشروع أو التعاونية إلى نقطة تجميع متفق عليها، حيث يتم من هناك إعادة توزيعها محليا.
وتحل هذه العملية مكان سلسلة المتاجر الكبيرة وأسعارها المرتفعة (بسبب تكاليف التغليف والنقل والتسويق وغيرها) وتدعم المزارع البلدي أو العضوي الصغير، بحيث تمنحه استقلالية أكبر عن إملاءات السوق والتجار وابتزازاتهم، وتضمن عمليا تزويد المستهلك مباشرة بالغذاء العضوي الطازج ذي الجودة العالية. أي أن مثل هذه المبادرات عبارة عن مصلحة مشتركة وقوية لكلا المنتجين والمستهلكين؛ فالمنتجون يحفزون على الإنتاج الزراعي النظيف وضمان تسويقه الأكيد بأسعار معقولة، كما أن المستهلكين يضمنون الحصول على غذاء صحي وخال من الأوساخ الكيميائية.
ومثل هذه المبادرات تشجع وتنشر الزراعات البلدية والعضوية التي تتميز مدخلاتها بأنها محلية، سواء على مستوى السماد البلدي المحلي أو السماد الأخضر أو الحيوانات أو الأيدي العاملة أو البذور البلدية غير الصناعية، أو العلاجات الزراعية الطبيعية والعضوية المشتقة من الموارد والنباتات المحلية.  وهذا التوجه الإنتاجي الغذائي الاستراتيجي، يضمن بقاء وتدفق الثروة ورأس المال وتدويرهما داخل بلدنا؛ لأن الاعتماد على المستلزمات الزراعية التي يعيد المزارعون إنتاجها بأنفسهم محليا، يكون في إطار نفس دائرة الإنتاج والاستهلاك المحلية. وهذا يعني الاعتماد على الذات وتحقيق الاستقلال والسيادة الغذائيين وطنيا.

  • تصميم وتنفيذ مشاريع تدريبية للمزارعين والمزارعات في مجالات التغذية، الصحة الغذائية، حفظ وتخزين الأغذية وأساليب الزراعة البيئية، بما في ذلك التنوع الزراعي والزراعة العضوية وغيرها من الزراعات الطبيعية التي تزيد من الإنتاج الغذائي المحلي النظيف.
  • تصميم وتنفيذ مشاريع خاصة بتعزيز قدرات المجتمع المدني وبعض الأجسام الحكومية، باتجاه تأسيس مجالس ديمقراطية شاملة للسيادة على الغذاء، وذلك على المستوى المحلي، والمستويات المناطقية والوطنية والإقليمية (العربية)، بما يسهم في زيادة الرقابة الديمقراطية على إنتاج الغذاء ومدخلات الإنتاج وتخزين الأغذية والتجارة والعرض، وبما يسهم أيضا في تعزيز الحصاد المحلي المستدام للموارد الطبيعية، بما في ذلك الثروة السمكية.
  • توفير الدعم لمنظمات واتحادات الفلاحين والمزارعين، والمعدمين الذين لا يملكون أرضاً؛ وحيثما أمكن، دعم مطالب إعادة التوزيع العادل للأراضي (بهدف فلاحتها).
  • دعم التعاونيات وبخاصة: تعاونيات مدخري البذور، وحافظي تقنيات الزراعة الحرجية التقليدية، أو الهيئات المهتمة بجمع وتوثيق المعرفة التقليدية المتوارثة.  إضافة إلى بنوك الحبوب والأغذية التي تعمل على ضمان مكافحة فترات تفاقم الفقر والجوع، أو تخزين احتياطات إستراتيجية من الحبوب والأغذية الأساسية.  كما يجب التركيز على دعم وتطوير تعاونيات المنتجين (المزارعين) وصيادي الأسماك، والمستهلكين (تعاونيات استهلاكية للمنتجات المحلية والبيئية).

دعم وتعميم الحدائق الغذائية الجماعية في المناطق وشبه الحضرية الحضرية (المناطق المحيطة بالمدن)، بما في ذلك في المدارس والجامعات أو بمحاذاتها.

المصدر الاصلي للدراسة

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube