الرئيسية / ملفات دراسية / الديون / الشراكة الإستراتيجية بين البنك الدولي والمغرب شراكة العبد والسيد

الشراكة الإستراتيجية بين البنك الدولي والمغرب شراكة العبد والسيد

الشراكة الإستراتيجية بين البنك الدولي والمغرب

شراكة العبد والسيد

علي اموزاي

   صادق مجلس إدارة البنك الدولي على خطة الشراكة الإستراتيجية الذي تربطه بالمغرب لفترة 2014- 2017 بعد أن انتهت الشراكة الإستراتيجية لسنوات 2010- 2013.

   يعتبر المغرب من البلدان المنفذة لتوصيات البنك الدولي- وصندوق النقد الدولي- وينال التنويه بشكل سنوي من طرف هذه المؤسسات لقدرته على تنفيذ إملاءاتها التي تمكنه حسب منظورها من تجاوز تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. ولا تخفي هذه المؤسسات أن المغرب يتمكن من ذلك على حساب الشعب وكل ما هو عمومي؛ تمكن “الاقتصاد المغربي من اجتياز الأزمات المتلاحقة التي هزت الاقتصاد العالمي منذ سنة 2008” بسبب “الجهود التي بذلت على مستوى المالية العمومية منذ بداية سنة 2000”. (المدير القطري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى البنك الدولي- سيمون غراي ، 02/05/2014).

   لكن التنويه يكون مصحوبا دائما بانتقادات موجهة لتعميق الإصلاحات المفروضة من طرف البنك الدولي، هذا ما أشار إليه سيمون غراي: “النمو الاقتصادي تأثر بعجز الميزان التجاري وعجز ميزان الأداءات الجارية.. الدين العمومي عرف ارتفاعا كبيرا فضلا عن تقلص احتياطات الصرف”، دون أن يغفل ما على المغرب القيام به لتجاوز مظاهر العجز هذه؛ “الاقتصاد المغربي سيدخل مرحلة جديدة حيث يتعين من الآن فصاعدا تعزيز العرض لاسيما العرض القابل للتصدير واستعادة هامش المناورة الماكرو اقتصادية لمواجهة الأزمات المستقبلية”. أي المزيد من السياسات النيوليبرالية التي كانت في الأصل سبب الأزمة.

 

وهم الشراكة

 

   يعمل البنك الدولي على تغليف إملاءاته بغلاف الشراكة بينه وبين البلدان التي تفرض عليها هذه الإملاءات، وفي نفس الوقت إخفاء أهدافها الحقيقية؛ أي اندراجها في إطار الهجمة النيوليبرالية التي انطلقت عقب أزمة الدين العالمي في بداية الثمانينيات. بدل ذلك يعلن مسؤولو البنك الدولي أن هدف هذه الشراكة هو التنمية ومحاربة الفقر؛ “تقع هذه الإستراتيجية في صلب أولويات التنمية القطرية، وتتسق مع هدفي مجموعة البنك الدولي للحد من الفقر وتشجيع الرخاء المشترك. وهي تنبع من مشاورات مكثفة مع ممثلي الحكومة، وعناصر المجتمع المدني، والقطاع الخاص، فضلاً عن أصحاب المصلحة الرئيسيين”. (سايمون غراي، المدير القطري لمنطقة المغرب العربي لدى البنك الدولي، موقع البنك الدولي الالكتروني، بلاغ صحفي، 2014/04/29).

 

مشاورات للإيهام بديمقراطية البنك

 

   يعاني البنك الدولي من أزمة عميقة في شرعيته أمام الرأي العام العالمي خصوصا بعد الأزمات الاقتصادية التي كانت سياساته وراء اندلاعها، ومنذ ذلك يسعى إلى استعادة تلك الشرعية المفتقدة بالتركيز على خطاب “الديمقراطية” المتهالك بزرع مجموعة من المنظمات غير الحكومية تقوم بالدفاع عن خطابه ومنظوره للتنمية. وقد عمل على الترويج لشراكته الإستراتيجية بإدعاء إشراك المجتمع المدني وكل الفاعلين في صياغة هذه الشراكة.

   عقد مسؤولو البنك القطريين والإقليميين مجموعة من اللقاءات التشاورية حول عدة قطاعات في مجموعة من المدن المغربية للإيهام بأن شراكة 2014- 2017 ليست محض إملاء من البنك؛ مشاورات حول موضوع الشباب والتنمية، سلا- 29- 08- 2013-؛ مشاورات في موضوع التعليم العالي/ التكوين المهني، طنجة- 24- 10- 2013؛ مشاورات في موضع الصحة، الرباط- 24 سبتمبر 2013.. الخ.

   وتندرج مشاورات التحضير لإطار الشراكة الإستراتيجية حسب القطاعات في إطار أدوات التمويل الجديدة التي ابتكرها البنك الدولي المسماة “”أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج”، التي تركز على قروض لتمويل برامج بعينها يتم تتبع تنفيذها وتقتير القروض حسب النتائج المتوصل إليها حسب كل برنامج.

 

ديمقراطية البنك الدولي.. الوجه الآخر لاستبداد رأس المال العالمي

 

   من المفارقة أن يكون البنك الدولي هو من يتحدث هنا عن الديمقراطية، وهو من يتعامل مع كل الدول باختلاف أنظمتها السياسية، بل يفضل إلى جانب صندوق النقد الدولي الأنظمة الديكتاتورية ما دامت تنفذ خططهما النيوليبرالية بحذافيرها. وهو نفسه أعطى شهادة حسن سلوك للحكم الفردي بالمغرب عقب احتجاجات العشرين من فبراير؛ “وسط الأحداث التاريخية التي اجتاحت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2011، شرعت المغرب من تلقاء نفسها في إجراء تغييرات سياسية واجتماعية مهمة حيث تصدر الملك محمد السادس مشهد صياغة الدستور الجديد للبلاد، وتطبيق نطاق واسع من الإصلاحات للاستجابة للمطالب الشعبية المتمثلة في مزيد من الحكم الديمقراطي، وتحسين الفرص الاقتصادية”. (“المغرب، عرض عام”، موقع مجموعة البنك الدولي الإلكترونية).

   كيف لا والبنك الدولي هو أعلى هيئة للحكم الفردي المطلق على المستوى العالمي، تنفرد بتسيير البنك الدولي الدول الصناعية الكبرى؛ فرئيسه على الدوام يكون مواطنا أمريكيا، تختاره حكومة الولايات المتحدة، وعادة ما تقع مسؤولية هذا الاختيار على عاتق وزارة الخزينة… وتم تحويل معظم سلطات الحاكمين لمجلس المديرين التنفيذيين. أما وزن التصويت فيتناسب طردا مع المبلغ الذي تدفعه البلدان التي يمثلونها للبنك الدولي. ولا يتعلق المبلغ المدفوع برغبة كل عضو، بل تحدده إدارة البنك… تسيطر البلدان التسعة المصنعة الأكثر ثراء على أكثر من %50 من حقوق التصويت (الولايات المتحدة الأمريكية %16.41)، بالمقابل لا يمتلك الخمسة والأربعون بلدا أفريقيا معا إلى %5.41 من الأصوات. إن أي عمل لتغيير مواد الميثاق التأسيسي أو بتعديل حقوق التصويت يتطلب موافقة ثلاثة أخماس الأعضاء على الأقل و%85 من مجموع حصص التصويت. هذا يعني أن الولايات المتحدة، بحيازتها على %16.41 من الأصوات، حق نقض أي تغيير في وضع حقوق التصويت وتوزيعها، وباختصار أي إصلاح بمؤسسات بريتون وودز”. (“المال ضد الشعوب، البورصة أو الحياة”، إريك توسان ص 200- 201- 202).

 

شراكة 2010- 2013: ما هو المآل؟ 

 

   الحصيلة المالية للشراكة الإستراتيجية 2010- 2013 بلغت 2458.8 مليون دولا كقروض من البنك الدولي للمغرب. وكان أكبر القروض الموجهة لمحفظة المغرب لدى البنك، هو قرض بقيمة 300 مليون دور أمريكي يعبأ لدعم المرحلة الثانية من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

   يؤكد البنك الدولي في وثيقة “إطار الشراكة الإستراتيجية الخاصة بالمملكة المغربية لفترة السنوات المالية 2010- 2013″، “أن نسب النمو المرتفعة أدت  إلى تناقص في مستويات الفقر والبطالة… فقد انخفضت نسبة الفقر المطلق انخفاضا حادا من %15.3 إلى حوالي %9 بين عامي 2001 و2007” وأعلن في نفس الإطار أن “التحدي الرئيسي، الذي يجب التصدي له على الأمد الطويل، يتمثل في زيادة النمو، وخلق فرص الشغل، مع الحد من التفاوتات الاجتماعية، وضمان الاستدامة البيئية لنموذج التنمية”. (موقع البنك الإلكتروني).

   إن الإيمان الأعمى بقدرة النمو الاقتصادي على محاربة الفقر، وهو إيمان كرس من خلاله البنك والصندوق فكرة أن الفقر بوصفه ظاهرة هامشية يمكن معالجته دون المس بسياسات البنك الدولي، ويندرج ذلك “في إطار الرغبة في إنكار الفشل المدوي لسياسات التكييف الهيكلي التي يفرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مما يسمح أيضا بالتنكر للحاجة الملحة لإجراء تغييرات أساسية تسمح بإعادة توزيع الثروة على نحو يأخذ بعين الاعتبار المساواة، وهو شرط لا يمكن دونه إجراء تنمية حقيقية”. (البورصة أو الحياة، ص 35).

   ومحاربة الفقر عند البنك مجرد لعبة أرقام يتقنها جيدا من خلال التحديد التعسفي “لعتبة الفقر” من طرف البنك الدولي عند دولار يوميا بالنسبة للفرد. “و”منهجية” البنك الدولي تخفض في يسر الفقر المسجل، دون الحاجة إلى جمع بيانات على مستوى البلدان، ويجري هذا التقييم “الذاتي” المتحيز بغض النظر عن الظروف الفعلية على مستوى البلدان. وإجراء الدولار يوميا إجراء أحمق: فالشواهد تؤكد بجلاء أن مجموعات سكان يبلغ دخلها بالنسبة للفرد 2 أو 3 أو حتى 5 دولارات يوميا تظل فقيرة (أي عاجزة عن الوفاء بالمصروفات الأساسية على الطعام والملبس والملجأ والصحة والتعليم)”. (“عولمة الفقر”، ميشيل تشوسودوفسكي).

   لقد كان هدف شراكة 2010- 2013 الإستراتيجية مندرجة في إطار السياسة العامة للبنك العالمي الساعية إلى لبرلة الاقتصاد المغرب وتشجيع القطاع الخاص ودعمه، ويتجلى ذلك في “قيام شركة التمويل الدولية التي تمثل فرع البنك الدولي الذي يركز على القطاع الخاص بالتركيز على دعم الشراكة بين القطاع العمومي والقطاع الخاص: مشروع بين القطاعين العام والخاص في مجال الطاقة الشمسية في ورزازات، وتنفيذ أول مشروع قطاع عام- قطاع خاص بالمغرب في مجال تحلية المياه والري المندمج في منطقة شتوكة، بالإضافة إلى دعمها لبناء قدرات وزارة الاقتصاد والمالية لإعداد وتنفيذ مشاريع قطاع عام- قطاع خاص في مجال الصحة والتربية”. (بيان صحفي للبنك الدولي- 2014/04/29).

   يلخص البنك نتائج هذه الشراكة كالآتي: “على مدى إستراتيجية الشراكة القطرية السابقة للسنوات 2010 – 2013، قام البنك بعمل مزج بين العمل التحليلي، وعمليات الإقراض، والمساعدة الفنية. وتناول هذا البرنامج إصلاح القطاع الخاص والقطاع المالي، وتوفير التعليم والخدمات الأساسية، والحد من التعرض للأخطار وقابلية التأثر بها، والاستبعاد الاجتماعي، وتحسين قطاع الزراعة، وإدارة المخلفات الصلبة. وقد تم تقديم مساندة محددة للمغرب فيما يتعلق بما يلي”: تحسين بيئة أنشطة الأعمال وجذب الاستثمارات، جعل التعليم في خدمة السوق، مشروع مساندة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مساندة خطة المغرب الأخضر.. وهي إصلاحات يعرف الكادحون نتائجها بشكل جيد دون الحاجة إلى وثائق البنك الدولي التقييمية.

   وكان تقييم البنك الدولي لهذه الفترة واضحا في وفائه لتوجهاته النيوليبرالية؛ “بدأت الحكومة الائتلافية التي تم تشكيلها في يناير 2012 في تنفيذ برنامج إصلاحي طموح، لكنها أخفقت في الاتفاق حول الإصلاحات الإستراتيجية، وهو ما أدى إلى إقالتها، وتشكيل حكومة ائتلافية جديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2013″، موجها نصائح للحكومة الجديدة “بإجراء إصلاحات تتمثل في خفض الدعم، وإصلاح نظام المعاشات التقاعدية، وحفز المنافسة، وخلق فرص عمل، وتحسين جودة الخدمات في القطاعات الرئيسية”. وهو ما ثمنه فيما بعد؛ “تم اتخاذ خطوات لخفض الدعم بقيمة نقطتين مئويتين تقريباً من إجمالي الناتج المحلي من خلال آلية جدولة. وتتسم الأجندة التشريعية بأنها طموحة إذ من المتوقع أن تقوم الحكومة بتمرير 20 قانوناً أساسياً قبل نهاية الدورة البرلمانية”. (المغرب، عرض عام، موقع البنك الدولي الالكتروني).

   لا يمكن إذن أن تكون شراكة 2014- 2017 إلا تتمة لتنفيذ الهجمات النيوليبرالية التي سنها البنك العالمي وفرض تطبيقها على المغرب. وهو ما يظهر جليا من الهدف الذي سطره البنك لشراكة 2014- 2017؛ “يهدف الإطار الجديد للشراكة لتمكين حكومة المغرب من الاستفادة من دعم مجموعة البنك الدولي في السعي لإنشاء مجتمع أكثر انفتاحا من خلال الترويج لمزيد من الفرص الاقتصادية والاجتماعية لكل المغاربة”. (موقع البنك الالكتروني).

 

شراكة 2014- 2017

 

    يقدم البنك الدولي هذه الشراكة على أنها تستند إلى ثلاث ركائز هي:

  • تشجيع النمو القادر على المنافسة والشامل للجميع؛
  • بناء مستقبل قادر على تحقيق الاستدامة البيئية والتصدي للتقلبات المناخية؛
  • تعزيز الحوكمة والمؤسسات من أجل تحسين تقديم الخدمات لجميع المواطنين.

 

   إنه رأس مال كلامي يقدمه البنك للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على قدم وساق لترويج خطابه الأيديولوجي في مسعى لتلميع مصداقيته المخدوشة. فالمضمون الليبرالي لخطط الشراكة في القطاعات التي شملها مشاورات التحضير للشراكة يفقأ الأعين.

   يتحدث المحور الأول من اتفاقية الشراكة الذي يحمل عنوان “نمو يتسم بالتضامن والتنافسية” عن ما يسعى البنك لتقديمه للقطاع الخاص: تشجيع مناخ أفضل للأعمال والاستثمارات (تنمية القطاع الخاص، وأسواق رؤوس الأموال، ابتكار)، والتقليص من حالات الاختناق مع إعادة تخصيص الأموال العمومية وتدبيرها (التعويضات، والاستهداف، والنظام الضريبي، واللجوء للشراكة بين القطاعين العام والخاص).

   وهو عين خلاصات استشارة حول جذب التمويل المباشر الأجنبي وتمويل المشاريع المهيكلة والمجددة التي انعقدت الدار البيضاء، 7 نوفمبر 2013؛ ” الشراكة بين القطاعين العام والخاص، التي تلعب دورا أساسيا في وضع مشاريع مهيكلة، لا تزال غير مقننة، بسبب التأخير في اعتماد القانون المتعلق بهذه الشركات”.

   أما فيما يخص موضوع التعليم فخلاصات هاته المشاورات لا تخرج عن سياق الإصلاحات التي فرضها البنك على المغرب؛ ” يجب إنشاء آليات للوساطة بين عالمي المقاولات والتكوين. ولا يجب على حاجيات أو تطورات عالم المقاولات أن تبتعد على التوجهات الكبرى لسياسة التعليم بالمغرب”. (مشاورات حول موضوع الشباب والتنمية، سلا- 29- 08- 2013)، :ينبغي أن تحدد الجامعة المغربية مهمتها الاجتماعية الاقتصادية في الاستجابة لمتطلبات سوق الشغل”. (مشاورات في موضوع التعليم العالي/ التكوين المهني، طنجة- 24- 10- 2013، موقع البنك الدولي الالكتروني).

 

أ- أسطورة النمو الذي يحارب الفقر

 

   “تقع هذه الإستراتيجية في صلب أولويات التنمية القطرية، وتتسق مع هدفي مجموعة البنك الدولي للحد من الفقر وتشجيع الرخاء المشترك. وهي تنبع من مشاورات مكثفة مع ممثلي الحكومة، وعناصر المجتمع المدني، والقطاع الخاص، فضلاً عن أصحاب المصلحة الرئيسيين”. (سايمون غراي، المدير القطري لمنطقة المغرب العربي لدى البنك الدولي، بيان صحفي للبنك الدولي- 2014/04/29).

   عمل البنك الدولي دائما على نشر “أفكار زائفة وإضفاء القداسة عليها بمفهوم راسخ ويقيني كأنه إنجيل، وهو أن النمو الاقتصادي يفيد البشرية عامة، وأنه كلما زاد هذا النمو، ازداد انتفاع البشرية.. وبالطبع هذا مفهوم خاطئ، فنحن نعلم أنه في بلاد كثيرة هناك قلة ضئيلة من الشعب هي التي تستفيد من النمو الاقتصادي، بينما ينتج هذا النمو ظروفا أكثر بؤسا للأغلبية”. (اعترافات قرصان اقتصادي، الاغتيال الاقتصادي للأمم”، جون بيركنز).

   إن التركيز على محاربة الفقر من طرف البنك الدولي ليس بريئا بل يندرج في صلب إستراتيجيته لإعادة مشروعيته التي عصفت به أزمة الدين العالمي منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين والأزمات المالية لتسعينياته: ” في محاولة من مؤسسات بريتون وودز للإحاطة بأزمة شرعيتها مع احتفاظها بالتوجه نحو تعميق الإجراءات النيوليبرالية، اتخذت منذ سبتمبر 1996 مبادرة جديدة تدعوها: “إستراتيجية تقليص الفقر”. وهي تطالب حكومات البلدان الفقيرة مرتفعة المديونية الراغبة في الحصول على تخفيض لديونها بتطوير وثيقة إستراتيجية لتقليص الفقر.. يتعلق الأمر رسميا بإضفاء صبغة إنسانية على التكييف الهيكلي عبر زيادة النفقات في مجال الصحة والتعليم في ما يخص الطبقات الشعبية وبتحقيق سياسات موجهة نحو أكثر السكان فقرا. لكن لا يمكن للوثيقة في أي حال أن تتعدى على مواصلة التكييف الهيكلي”. (البورصة أو الحياة، ص 227).

   لكن النمو لا يحارب الفقر بشكل حتمي بل على العكس “قد ينمو الناتج الإجمالي القومي حتى ولو صب في مصلحة شخص واحد فقط، فرد يمتلك شركة مرافق حتى ولو كانت أغلبية السكان تقع تحت عبء الديون، فالأغنياء يزدادون ثراء، والفقراء يزدادون فقرا، ولكن من الناحية الإحصائية، فإن هذا الوضع يسجل كنمو اقتصادي”. (“اعترافات قرصان اقتصادي،الاغتيال الاقتصادي للأمم”، جون بركينز).

   قد تترفع نسبة نمو الإنتاج الفلاحي في إطار خطة “المغرب الأخضر” لكن يجب أن لا ننسى أن ذلك سيكون على حساب فقراء الفلاحين والعمال الزراعيين ولكن أيضا على حساب أمننا الغذائي؛ فهذه الخطة “استجابة لضغوط البنك العالمي والمجموعات الرأسمالية المحلية الكبيرة، وتأكيدا لمرتكزات النموذج الرأسمالي الذي حكم السياسة الفلاحية منذ الاستقلال الشكلي، والذي يخضع لتوجيهات الإمبريالية في إطار التقسيم الدولي للعمل المفروض على البلدان التابعة. فمنذ أوائل الستينات، استبعد خيار منح الأولوية لقطاع الصناعة في التنمية الاقتصادية، وتم التركيز على الفلاحة لمواصلة تزويد الأسواق الأجنبية بنفس منتجات الحقبة الاستعمارية”. (“خطة المغرب الأخضر: شروط استثمار للرأسمال الاجنبي والمحلي، وتشديد إفقار الفلاحين الكادحين”، المناضل-ة عدد: 21).

   بلغت نسبة النمو سنة 2006 ما يقارب %8 وفي نفس الوقت كانت نسبة الفقر تفوق %14 (%15 حسب تقرير البنك الدولي يونيو 2007)، وفي تناقض مع خطاب النمو الذي يحارب الفقر سجلت نسب النمو بالمغرب منذ 2006 هبوطا لتصل إلى أدنى نقطة عام 2012 بـ %4 وتقول مؤشرات البنك الدولي نفسه بأن نسبة النمو لن تتعدى %3، ورغم ذلك يتحدث البنك عن دور نسبة النمو في تراجع نسب الفقر بالمغرب.

 

محاربة الفقر… برامج موازية

 

   يعمل البنك الدولي على جعل محاربة الفقر على شكل برامج موازية “تكسر قالب البرامج التي تحركها اعتبارات مركزية والتي لا تمت بصلة لواقع المجتمعات المحلية” حسب تعبير “شامشاد أختار” في المنتدى العالمي للتنمية البشرية المنعقد بالمغرب نوفمبر 2011. هذه البرامج يتم انتزاعها من يد الدولة التي يجب عليها تخصيص المالية العمومية لأداء الديون وتشجيع القطاع الخاص ودعمه.

   ولأن النمو بالنسبة للبنك مجرد مؤشرات وأرقام، فإن الفقر بالنسبة له كذلك مجرد أرقام يمكن التلاعب بها بسهولة لتزييف حجم الفقر، وذلك بالتركيز على معايير شكلية لا يمكن تتبعها واقعيا، فيكفي أن يسجل طفل في المستوى الابتدائي سواء أكمل مساره الدراسي أم لا، حتى ينعكس ذلك إيجابا في مؤشر الفقر لدى البنك، ويكفي كذلك أن يربط دوار بساقية للماء الصالح للشرب حتى تخفض نسبة الفقر. أما كيف تنعكس السياسات العامة للبنك على الفقر فذلك ما لا يعنيه؛ كيف سيرفع إلغاء الدعم عن المواد الاستهلاكية وخصخصة خدمات التعليم والصحة نسبة فقراء المغرب، كل ذلك لا يهم ما دامت “أكثر الفئات ضعفا” قد استهدفت من طرف برامج البنك.

   إن النظام الاقتصادي الدولي الذي يرعى البنك الدولي مصالحه “يتغذى على الفقر البشري والعمل الرخيص” على حد تعبير ميشيل تشوسودوفسكي. لذلك لا يمكن تصور نمو اقتصادي يخدم مصالح الكادحين ويؤدي إلى “الرخاء المشترك”، بل على العكس فإن نمو الأرباح يكون على حساب الأجور والحقوق الاجتماعية، فمنذ انطلاق الهجمة النيوليبرالية شهدنا إعادة توزيع للثروة لصالح الرأسمال على حساب العمل.

 

ب. القطاع الخاص.. قاطرة تنمية الأغنياء

 

   في إطار الشراكة الإستراتيجية 2010- 2013 “قامت شركة التمويل الدولية، والتي تمثل فرع البنك الدولي الذي يركز على القطاع الخاص، بالرفع من مستوى دعمها للمغرب بشكل كبير خلال فترة الشراكة الإستراتيجية الأخير”. (إطار الشراكة الإستراتيجية 2014- 2017.. موقع البنك الدولي اللاكتروني).

   وأكدت الاستشارة حول جذب التمويل الأجنبي المنعقدة بالدار البيضاء 7 نوفمبر 2013 على ضرورة “الدفع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، لا سيما في تدبير القطاعات الرئيسية كالصحة أو الإنارة العمومية أو الطرق”. “وتركز إستراتيجية مؤسسة التمويل الدولية في المغرب على التنمية من خلال القطاع الخاص، وتعزيز ثقة المستثمرين، وزيادة فرص الشركات الصغيرة والمتوسطة في الحصول على التمويل. ومنذ عام 2011، رفعت المؤسسة استثماراتها في المغرب إلى 590 مليون دولار لمساندة تنمية القطاع الخاص.”. (بيان صحفي للبنك الدولي- 2014/04/29).

   إنها سياسة قديمة قدم تدخل البنك العالمي في تحديد الخيارات الاقتصادية للمغرب، ولم تؤدي كما يدعي البنك العالمي إلا إلى تحويل المالية العمومية إلى بقرة حلوب وترحيل ثروات المغرب إلى الخارج كما مع شركات التدبير المفوض في قطاع الماء والكهرباء (ليديك وأمانديس وريضال)، وإلى تحميل الكادحين فاتورة أرباح هذه الشركات من خلال الفواتير الصاروخية وفي الأخير تشديد استغلال العمال.

 

ج. نفاق الغيرة على البيئة

 

   إن الأزمة البيئية التي تهدد كوكب الأرض والذي تتحمل الرأسمالية في طورها المعولم مسؤوليتها الرئيسية بتحويل الكوكب إلى ميدان يعلو فيه منطق الربح على كل أولوية أخرى حتى ولو كان بقاء الكوكب ذاته، هذه الأزمة إلى جانب النضالات ضد التغيرات المناخية والأزمة البيئية، دفعت البنك الدولي لاستدماج خطاب بيئي بالحديث عن “تشجيع نمو مستديم أقل كلفة بيئيا، وترشيد الموارد الطبيعية، واعتماد سياسة وقائية وتدبير مندمج لمخاطر الكوارث الطبيعية”. (إطار الشراكة الإستراتيجية 2014- 2017 … موقع البنك العالمي الالكتروني).

   لكن البنك العالمي يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية الأزمة البيئية. فبمنظوره الإنتاجي إلى التنمية (أرقام وإحصائيات النمو، التصدير والسلع..)، سبق له أن شجع ما عرف تاريخيا بـ”الثورة الخضراء” والتي كانت وبالا على شعوب العالم الثالث. فقد أدت هذه الثورة إلى “تأثيرات كارثية على البيئة وزادت عمليا تبعية البلدان التي طبقتها لشركات الصناعات الغذائية عابرة القوميات. جرى تنفيذ السدود الكبيرة ومحطات الطاقة الضخمة وشبكات الطرق العملاقة دون أن يؤخذ التأثير البيئي بالاعتبار، كما منحت الأولوية لزراعات التصدير على حساب زراعة القوت. (البورصة أو الحياة، ص 203).

   كان للثورة “الخضراء” نتائج أخرى ضارة، إذ تحققت على حساب الأملاك المشتركة (المراعي، الغابات..). كما أدت إلى إفقار شديد للتنوع الحيوي، وإلى زيادة أمراض النباتات.. وإفقار للتربة. كما أنها تتطلب ريا أكبر بكثير مما تتطلبه الزراعات التقليدية.. وأدى الاستخدام الكبير للمواد المضافة إلى تمليح مساحات شاسعة من الأراضي. وفي النتيجة، تدمر التوازن البيئي على نحو غير قابل للإصلاح عبر تكثيف الزراعات الأحادية.. وفي بعض البلدان أدت المشاريع التي يدعمها البنك الدولي إلى استيطان للمساحات الحراجية بهدف تطوير الزراعة التصديرية فيها… والنتائج: انحسار الغابات ونزوح السكان وتدمير التوازن البيئي وإنقاص التنوع الحيوي وتدهور شروط حياة السكان المقيمين في الغابة”.  (البورصة أو الحياة، ص 204-  206).

   أليس ذلك ما ينتظر المغرب من خطة “المغرب الأخضر” التي يدعمها البنك الدولي، فالفلاحة تمتص نسبة 80 إلى 90% من الاستهلاك الوطني للماء. وتشهد خمسة أحواض مائية رئيسية (من أصل 8) وضعية عجز على المدى الصغير والمتوسط. وثمة أبعاد بيئية أخرى لا تقل أهمية منها استنزاف التربة من جراء الاستعمال الكثيف للأسمدة والمبيدات السامة والبلاستيك والمزابل الملوثة، إلخ.

   “إن الحفاظ على ثروتنا المائية النادرة يتعارض مع منطق جلب الاستثمارات في القطاع الفلاحي. فلا يمكن مثلا خوصصة ضيعات صوديا وصوجيطا الكبيرة دون منح رخص بحفر الآبار حتى في مناطق استنزفت فرشتها المائية وصنفت في الخانة الحمراء (منطقة سوس مثلا). إننا إزاء كارثة بيئية واجتماعية حقيقية مع استمرار سنوات الجفاف” (“خطة المغرب الأخضر: شروط استثمار للرأسمال الاجنبي والمحلي، وتشديد إفقار الفلاحين الكادحين”، المناضل-ة عدد: 21).

 

ج. الحكامة.. مفاهيم للتسويق

 

   لا مجال هنا للحديث عن نوايا تعزيز الحكامة والشفافية من طرف مؤسسة تثني على محاولات حكم مطلق لتفادي سياق ثوري بالقيام بإصلاحات ظاهرية على دستور قائم على الاستفراد بالسلطة وحماية نهب ثروات البلد وتحويلها إلى الخارج، سواء بآلية المديونية أو بالنهب الصريح للمال العام وتهريبه إلى الخارج.

   كل الكلام عن الحكامة موجه لإيهام الحراك الشعبي بأن البنك يلتقي مع مطالبه بالديمقراطية؛ “إن أهم أحداث سنة 2011 قد جعلت الحكامة والمساءلة في صلب جدول الأعمال في المنطقة”. (بيان صحفي عن زيارة نائبة رئيس البنك الدولي للمغرب، 2012/09/07).

   وحتى في هذا الميدان لا ينسى البنك نصيبه من الكعكة حيث يعمل على إدراج “الحكامة” ضمن البرامج التي يمولها بقروضه: “إن البنك الدولي.. يساند جهود المغرب الرامية لإصلاح الحكامة وذلك في إطار برنامج سيتم إطلاقه  في مستهل سنة 2013 بهدف تطوير سياسة تتسم بالشفافية والمساءلة”. (بيان صحفي عن زيارة نائبة رئيس البنك الدولي للمغرب، 2012/09/07).

 

المغرب رأس حربة موجهة إلى قلب إفريقيا

 

   تركز الإمبريالية كثيرا على دور المغرب الإقليمي، ليس السياسي وحده بل كذلك الاقتصادي، باعتباره منصة إطلاق نحو اقتصادات بلدان شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، وذلك من خلال ما تسميه هذه المؤسسات تعزيز الاندماج الإقليمي بين هذه الدول. ويقع هذا الدور في صلب إستراتيجية الشراكة بين المغرب والبنك الدولي كما وضحت جومانا كوبين، مديرة منطقة المغرب العربي في مؤسسة التمويل الدولية؛ “تعزز الإستراتيجية الجديدة التزامنا بتقوية الاندماج الإقليمي عبر توسيع نطاق عمل الشركات المغربية في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وخلق الظروف المناسبة لكي يصبح المغرب مركزاً لجذب الاستثمارات على مستوى المنطقة”.

   يسعى البنك الدولي إلى “جعل المغرب المركز المالي لأفريقيا، وذلك نظراً لموقعها الجغرافي الذي يسمح لها بأن تكون جسراً للعبور والتلاقي مع الأسواق الأوروبية الأكثر ثراء”. (“تنمية القطاع الخاص أمر حيوي للمغرب”، جومانا كوبان، موقع البنك الدولي الالكتروني، 04/30/2014).

    إن السوق الأفريقية قد ضاقت بفعل الصراعات السياسية بين هذه الدول وهو واقع وإن كان البنك الدولي إحدى صانعيه الرئيسيين، إلا أنه أصبح عباءة ضيقة على جسد المطامح الاقتصادية للبرجوازية العالمية والمحلية على السواء، لذلك تسعى المؤسسات المالية الدولية إلى دفع برجوازيات بلدان المنطقة إلى الدفع بسبل الاستثمار المتجاوز للحدود؛ “كذلك يمكن للشركات المغربية أن توسع أعمالها وآفاقها من خلال ما يسمى بالاستثمارات الجنوبية- الجنوبية، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء، الأمر الذي يخولها تنمية الاقتصاد المحلي”. (“تنمية القطاع الخاص أمر حيوي للمغرب”، جومانا كوبان، موقع البنك الدولي الالكتروني، 04/30/2014).

 

من سيمول هذه الشراكة؟

 

   نصل هنا إلى مربط فرس كل إستراتيجية البنك الدولي. من سيمول إستراتيجية الشراكة هاته؟ ما هي شروط هذا التمويل؟ ومن سيكون المستفيد النهائي منها ومن سيؤدي تكلفتها؟

   إن الصيغة الوحيدة التي يمول بها البنك الدولي المشاريع والبرامج هي القروض أو ما يسميه البنك أدوات التمويل، والملاحظة الأساسية هي اندراج هذه الأدوات ضمن سياسة البنك الدولي لمحاربة الفقر التي لا ترفض برامجه القائمة على تشجيع الإجراءات النيوليبرالية والقطاع الخاص.

   تتحدث وثيقة الشراكة الإستراتيجية بين المغرب والبنك عن آلية تمويل جديدة تدعى “أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج”، وهي أداة مكملة لأداتين للتمويل من قبل البنك في الوقت الحالي هما التمويل لأغراض الاستثمار (IL) والتي تهدف لدعم مشاريع محددة وصرف مدفوعات القروض على أساس عمليات محددة؛ بالإضافة إلى التمويل لأغراض سياسات التنمية (DPL) من أجل دعم الإصلاحات على صعيد السياسات والمؤسسات. (موجز إعلاني- فبراير 2011، أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج، البنك الدولي).

   ولا يمنح البنك أدوات التمويل هاته لأي بلد في حاجة إلى قروض بل لا بد من توفر شروط معينة تنضبط لسياسات البنك العامة وروحها النيوليبرالي؛ فشروط الأهلية حسب البنك هي “الحفاظ على إطار سليم لسياسات الاقتصاد الكلي”، إضافة إلى إخضاع البلد المعني “لرقابة بشأن السياسات والإصلاحات المؤسسية”. كل هذا “شريطة ألا تكون عليها أية متأخرات مُستحقة لمجموعة البنك”. (موقع البنك الدولي الالكتروني).

   طبعا فالبنك الدولي مؤسسة ربحية و”ليس مؤسسة خيرية. وعلى الرغم من أنه لا يحب لفت النظر إلى ذلك، فهو يحقق وفرا وسطيا يزيد على 1500 مليون دولار بين عام وآخر، تضاف إلى احتياطاته. من أين يأتي هذا الوفر إن لم يكن من تحولات شعوب المحيط له عبر تسديد الديون”. (البورصة أو الحياة، ص 224).

   وتنحصر أداة التمويل فيما يخص إستراتيجية الشراكة 2014- 2017 على الأداة المستحدثة أي “أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج”. وقد تم تصميمها “لمساندة تنفيذ برامج حكومية في قطاعات أو قطاعات فرعية معينة في إطار نتائج محددة بصورة واضحة المعالم”. (مذكرة منقحة حول المفاهيم الأساسية).

   أي أن تمويل البنك لبرامج هذه الشراكة يقتصر على دعم برامج الإصلاح التي تقوم بها الحكومة؛ “ستساعد هذه الأداة، من خلال المساندة المباشرة لبرامج الحكومة، على تحسين أنظمة البرامج، وبناء القدرات، وتعزيز الشراكات مع الحكومات وشركاء التنمية الآخرين”.(موجز إعلاني- فبراير 2011، أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج، البنك الدولي).

   حسب “مذكرة منقحة حول المفاهيم الأساسية” التي أصدرها البنك الدولي في فبراير 2011، لتدقيق أداة تمويل البرامج وفقا للنتائج، “يغطي الطلب على هذا النوع من التمويل مجموعة واسعة من القطاعات- كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والطرق والمياه والطاقة والتنمية الحضرية والزراعة”.

   والهدف وراء أداة التمويل هاته حسب البنك الدولي هو “الربط رسميا بين صرف مدفوعات حصيلة القروض ونتائج برنامج مصروفات محددة”. ويتم القيام بمراجعات دورية في سياق مساندة التنفيذ: بصرف النظر عن المنهج المحدد المتبع، تتم مراجعة نفقات البرنامج طوال مرحلة التنفيذ لضمان استمرار الاتساق مع أهداف البرنامج وتوافر الأنظمة الملائمة.. ومن شأن ذلك أن يتيح الفرصة لمراجعة الكفاءة ومكاسب حقوق المساهمين المتأتية من النفقات، بالإضافة إلى استدامتها، بما في ذلك مدى جودة التقييم الاقتصادي للبرنامج في التنبؤ بالأسعار الفعلية”. (“مذكرة منقحة حول المفاهيم الأساسية”، فبراير 2011).

   وحسب هذه الآلية يتم تصميم “المؤشرات المرتبطة بالصرف على نحو قابل للتوسع للسماح بصرف مدفوعات تتناسب مع الأداء الجزئي. وتسمح بعض العمليات القائمة فعليا بزيادة الإنفاق الممول من قبل البنك في  حالة بلوغ أهداف معينة أو تجاوزها، بينما تقوم عمليات أخرى بخفض المبالغ لمخصصة للصرف عند تحقيق النتائج بصورة جزئية فقط”. (“مذكرة منقحة حول المفاهيم الأساسية”، فبراير 2011).

   إن آلية الصرف التدريجي للقروض يمكن البنك من رقابة صارمة على سياسات الدولة وفي نفس الوقت يتم تقديم ذلك على أنه مساهمة من طرف البنك في محاربة الفساد والمراقبة الصارمة على أوجه صرف المالية العمومية. ولكنه في التعيين الأخير ليس إلا رد فعل من البنك على المآل الذي آلت إليه كل مشاريعه على المستوى العالمي، فحسب “تقرير لجنة كونغرس الولايات المتحدة حول البنك والصندوق في فبراير 2000 اعتبر أن % 65 إلى %70 من مشاريع البنك في البلدان الأكثر فقرا قد فشلت (%55 إلى %60 من الفشل في مجموع البلدان النامية)”. (البورصة أو الحياة، ص 224).

   رغم كل هذه الدعاية الهائلة حول أدوات التمويل والقروض، فالبنك العالمي لا يساهم إلا بالنزر اليسير جدا فحسب “مذكرة منقحة حول المفاهيم الأساسية”؛ “تخصص مدفوعات القرض لتمويل جزء من الإنفاق الإجمالي للبرنامج. وفي معظم العمليات المشابهة المعتمدة حتى تاريخه، تمثل مدفوعات القروض من قبل البنك نسبة متواضعة من نفقات البرنامج، يشير استعراض المشاريع القائمة إلى أن متوسط نسبة التمويل من قبل البنك تقل عادة عن %10”.. بالفعل لقد تمخض الجبل فولد فأرا، على الكادحين أن يمولوا خطط إصلاح اقتصادهم بروح البنك الدولي وفي نفس الوقت أن يتحملوا نتائج هذه الإصلاحات.

   وطبعا فرغم النسبة الضئيلة لتمويله إلا أن البنك يعتبرها ذريعة للتدخل في سياسة الدولة التي تعقد معه شراكة إستراتيجية فينتج خططا لإصلاح قطاعات تمس بشكل مباشر حياة الكادحين مثل التعليم والصحة وبرامج الدعم وتفويض خدمات معينة للقطاع الخاص، إلى جانب ذلك لا يتخلى البنك أبدا عن استرداد قرض قام يمنحه ولا عن حصص و”مكاسب حقوق المساهمين المتأتية من النفقات”. (“مذكرة منقحة حول المفاهيم الأساسية”، فبراير 2011).

 

الشراكة لتنمية الديون

 

   ارتفعت مديونية المغرب الخارجية للمغرب بنسبة 11.06% سنة 2013 ليصل إلى أزيد من 129.8 مليار درهم بدلا من 116.87 مليار درهم عند متم سنة 2012. وكشف الحليمي المندوب السامي للتخطيط عن ارتفاع الدين العمومي الإجمالي لينتقل من 75.5 في المئة من الناتج الداخلي سنة 2013 إلى 79.7 في المائة سنة 2014، و 81.4 في المائة سنة 2015، في حين سينتقل معدل الدين للخزينة من 63.5 من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2013 إلى 66.4 في المائة سنة 2014 و67.6 في المائة سنة 2015. (هسبريس- 26 يونيو 2014).

   حسب معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، فإن حوالي نصف هذا المبلغ بنسبة 50.6% تم الحصول عليه من طرف المؤسسات المالية الدولية، فيما بلغت نسبة الديون الثنائية الأطراف 23.7% من المبلغ الإجمالي المؤسسات المالية والبنوك التجارية الخاصة 25.7%. وعلى مستوى بنية العملات لهذه الديون، فإن الأورو نال حصة الأسد بنسبة 77.2% بينما لم تتعد نسبة الدولار في هذه البنية 13.3%.

 

علي أموزاي

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube