الرئيسية / متابعة النضالات / حركة عولمة بديلة / جائحة كورونا : في الحاجة لتقارب خلاق و مبدع لمواجهة استراتيجية الصدمة
جائحة كورونا : في الحاجة لتقارب خلاق و مبدع لمواجهة استراتيجية الصدمة

جائحة كورونا : في الحاجة لتقارب خلاق و مبدع لمواجهة استراتيجية الصدمة

  “إننا نواجه اليوم مشاكل حديثة لا تتوفر الحداثة على حلول لها.

أرتور إسكوبار [1]

” شكون في الدنيا عل الحق يدافع… ياك لكثير ما فيهم نفع”

مطعونين في الظهر وما ضحينا  بالعمر…ياك أخرها هو لقبر

[………..] .يكفانا اللي حنا فيه

يكفى الجوع وما قاسينا….كل شي ديالنا وحنا مواليه. ”

أغنية “المعنى” ـ مجموعة ناس الغيوان 

تُعرِّفُ ناومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث” الصادر سنة 2007 استراتيجية الصدمة باستغلال الحاكمين وضع الصدمة والضياع والخوف الذي يسيطر على الغالبية من المواطنين خلال أوقات الأزمات الحادة من أجل تمرير قوانين وقرارات يصعب تمريرها في الأوقات العادية. وتسرد ناومي في كتابها مجموعة من أمثلة لبلدان تعرضت لاستراتيجية العلاج بالصدمة انطلاقا من تشيلي بينوشيه في السبعينيات ومرورا بروسيا في التسعينات ثم العراق بعد اجتياحه بداية هذا القرن، بالإضافة إلى مدينة نيو أورلينز الامريكية. ويعد ميلتون فريدمان المنظر الرئيسي لهذه الاستراتيجية حيث كان يرأس قسم العلوم الاقتصادية بحامعة شيكاغو التي تخرّج منها العديد من المحافظين الجدد والنيوليبرالين أمثال “دونالد رامسفيلد” وزير الدفاع الأمريكي الأسبق. وتتمثل عقيدتهم الاقتصادية في ضرورة إعطاء حرية مطلقة للسوق (اليد الخفية) وانسحاب الدولة من كل عمليات الإنتاج والخدمات، بما فيها الخدمات الاجتماعية التي وجب تسليمها للرأسمالين.

تؤكد الإجراءات والقرارات التي اتخذها الحاكمون في المغرب منذ انتشار فيروس كوفيد19 تبني النخبة الحاكمة لاستراتيجية الصدمة هاته عبر استغلال جائحة كورونا لتطبيق مزيد من السياسات الليبرالية والتقشفية، من جهة، وتشديد الخناق على ما تبقى من الحريات، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، من جهة اخرى. آخر هذه القوانين التي يتم الاستعداد لتمريرها بسرعة قياسية هو قانون 22.20، الذي يستهدف بشكل خاص المواقع الإلكترونية وأدوات التواصل الاجتماعي ويوسع من دائرة المقدس لتشمل الشركات والماركات التجارية، حيث تنص المادة 14 من المسودة المسربة، في ظل تكتم تام من الحكومة حول نص المشروع، على السجن من ستة أشهر إلى سنة، وغرامة من 5000 درهم إلى 50000 درهم، لكل من يقوم على شبكات التواصل الاجتماعي بالدعوة إلى مقاطعة منتوجات أو بضائع أو القيام بالتحريض على ذلك. في حين تنص المادة 15 من نفس المسودة على عقوبات مماثلة لكل من يحرض الناس على سحب الأموال من مؤسسات الائتمان.

 يأتي هذا القانون كرد على حملة المقاطعة الناجحة التي قادها رواد مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنتين والتي استهدفت منتوجات يملكها أشخاص نافذون في الدولة كشركة أفريقيا للمحروقات، التي يملكها أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، والشركة التي تنتج ماء “سيدي علي” والمملوكة لعائلة مريم بنصالح، الرئيسة السابقة لاتحاد مقاولات المغرب[2].

كما يعد هذا القانون تعبيرا عن التوجه الأمني والقمعي الذي تعتمده الدولة استعدادا لمواجهة الاحتجاجات التي ستتزايد بفعل الازمة الاجتماعية المرتقبة. فجائحة كورونا وحالة الركود الاقتصادي العالمي الناتجة عنها ستعمقان، وبشكل غير مسبوق، أزمة المغرب الاقتصادية والاجتماعية. هذه الأزمة التي هي في الأساس نتيجة لخيارات اقتصادية ليبرالية فرضها الحاكمون بتوافق مع مستعمرينا القدامى والجدد من خلال برنامج التقويم الهيكلي والإصلاحات المالية.

تناقش هذه المقالة إجراءات الحكام في المغرب من خلال تحليل ثلاثة محاور وهي: تعميق السياسات الليبرالية والتقشفية وتعميق الطابع القمعي والبوليسي للدولة ثم في التقارب الخلاق في مواجهة التقارب الكارثي.

أولا: تعميق السياسات الليبرالية والتقشفية

بمجرد انتشار فيروس كوفيد 19 وتحوله إلى وباء عالمي سارعت الحكومة إلى تمرير مرسوم بقانون يرخص لوزير المالية بتجاوز سقف الاقتراض من الخارج، المحدد بموجب قانون المالية لسنة 2020 بـ 31 مليار درهم، كما يخول للوزارة القيام بتدابير تقشفية لامتصاص المضاعفات السلبية لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-١٩)، حسب تعبير مشروع مرسوم القانون رقم 2.20.320.

هكذا قرر الحاكمون استغلال حالة الصدمة التي فرضتها جائحة كورونا من أجل تمرير قوانين تمهد منذ الآن لتحميل تداعياتها الاقتصادية لمن هم/هن في الأسفل، سواء بصفة مباشرة، عبر تدابير تقشفية كوقف الترقيات والتوظيفات في القطاع العمومي، أو بصفة غير مباشرة عبر آلية الديون، التي سيتعين على الأغلبية من الشعب وعلى الأجيال القادمة إرجاعها مضاعفة في السنوات القادمة. كما أن هذه القروض ستزيد من رهن راهن المغاربة الآن ومستقبل الأجيال القادمة بمصالح مؤسسات مالية عالمية بسبب الشروط التي تصاحب قروضها التي تنص على تطبيق مزيد من السياسات الاقتصادية الليبرالية.

للتذكير فقط، فإن هذه الخيارات الاقتصادية الليبرالية التي انتهجها الحاكمون في المغرب منذ سنوات الاستقلال الأولى هي السبب الرئيسي في تدهور شروط عيش الأغلبية وتدمير الخدمات العمومية الأساسية، وعلى رأسها قطاعي الصحة والتعليم، وهي الحالة التي كشفتها الازمة الوبائية الحالية. لقد عملت الدولة من خلال هذه الخيارات على:

  • خوصصة المؤسسات العمومية لفائدة الشركات الخاصة العالمية والمحلية كشركة لاسمير الوحيدة المتخصصة في تكرير البترول في المغرب، واتصالات المغرب، أكبر شركة للهاتف الثابت والأنترنيت والجوال المغرب، وشركة سوناصيد المتخصصة في صناعة الحديد والصلب، و شركة شركة معادن إميضر SMI، المتخصصة في استخراج الفضة والعادن النفسية…الخ.
  • تحرير قطاعات حيوية واستراتيجية كإنتاج الطاقة وتوزيع الماء والكهرباء لتصبح تحث سيطرة الخواص.
  • تقليص ميزانية الخدمات العمومية الأساسية على رأسها الصحة والتعليم، وفتحها للاستثمار أمام الخواص.
  • فتح حدود المغرب أمام غزو المنتجات الأجنبية خاصة مع توقيع المعاهدات النيوكولونيالية للتجارة الحرة مع مجموعة من الدول، كاتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الامريكية وتركيا، والتي خلفت آثارا اقتصادية مدمرة على الصناعات المغربية.
  • تبنّي فلاحة مُوجهة نحو التصدير على حساب الفلاحات المعاشية التي تُوفر القوت الأساسي للمغاربة، مما أدى الى تفقير الفلاحين الصغار واستنزاف الموارد المائية المحدودة أصلا وتعميق تبعية البلد الغذائية[3](يستورد المغرب اليوم حوالي نصف ما يحتاج من القمح في الوقت الذي كان يتوفر على اكتفاء ذاتي في الستينيات).

ثانيا: تعميق الطابع القمعي و البوليسي للدولة

صاحب قرار الحجر الذي اتخذته السلطات المغربية تجاوزات عديدة للسلطات بالتعدي الجسدي واللفظي والتهكم على المواطنين، خاصة في الأحياء الشعبية. كل هذه المشاهد يتم تصويرها وترويجها في الصحافة بهدف إعادة التطبيع مع القمع تحت ذريعة التطبيق الحازم للحجر الصحي.

وأظهرت العديد من الفيديوهات الموثقة بالصوت والصورة تعنيف مواطنات ومواطنين من طرف رجال السلطة بدعوى عدم احترامهم لحالة الطوارئ، كقائد منطقة عين حرودة، القريبة من الرباط، الذي لم يتردد في صفع وركل المواطنين أمام عدسات الصحفيين[4]. كما أن السلطات شنت حملة ضد الباعة المتجولين عبر تكسير العربات التي يستخدمونها لعرض مبيعاتهم[5]. وتذكر المشاهد المتكررة لأعوان السلطة وهم يقومون بتدمير ممتلكات ومصادر عيش المفقرين في الأحياء الشعبية والسطو عليها بحادثة الشهيد محسن فكري التي كانت الشرارة وراء اندلاع حراك الريف. ففي يوم الجمعة 28 أكتوبر 2016، وقعت حادثة مأساوية مميتة في مدينة الحسيمة في شمال شرق المغرب عندما استولى مسؤول حكومي على بضاعة محسن فكري، بائع أسماك، وألقي بها في شاحنة قمامة بدعوى أن صيد هذا النوع من السمك ممنوع في تلك الفترة من السنة. عندما صعد محسن إلى الشاحنة لاستعادة أسماكه، تم تشغيل العصارة لتدهسه فظيع محسن فكري وترديه قتيلا في الحال.

كما أن هذه الممارسات ومحاولات التطبيع معها، بالإضافة الى القوانين التسلطية التي تسعى الحكومة إلى تمريرها، تؤكد نية الحاكمين استغلال هذه الجائحة من أجل مواصلة وتعميق سياستهم القمعية التي بدأوها منذ سنوات، عبر محاكمات سياسية ظالمة بحق نشطاء الريف وجرادة وكذلك المتابعات التي يتعرض لها كل من فضح الحاكمين وظلمهم، ودافع عن المقهورين والمظلومين أو قال كلمة حق.

بخلاف ما يتم الترويج له بأن الليبرالية الاقتصادية غالبا ما يصاحبها انفتاح ديمقراطي وتطور في مجال الحريات الجماعية والفردية، شكل الاستبداد السياسي في المغرب وتمركز القرار أكبر حليف ومُسهل لفرض الخيارات الاقتصادية الليبرالية،[6]وفتح الباب أمام الشركات العالمية للسيطرة على القطاعات الحيوية ذات المردودية العالية كتوزيع الماء والكهرباء وإنتاج الطاقة.

ثالثا: الاستدانة ثم الاستدانة ولا شيء غير الاستدانة

دأب الحاكمون في المغرب و أدمنوا على الالتجاء إلى الاقتراض منذ الاستقلال بالاستناد على علاقاتهم مع المستعمرين كما ان جزء من الديون استخدمت في سداد ديون الاستعمار الفرنسي وفرض نموذج تنموي يجمع الكل اليوم على فشله. تجدر الإشارة إلى أن إجمالي الديون العمومية (الداخلية والخارجية والمضمونة) للسنة الماضية قارب الألف مليار درهم (923 مليار -يونيو 2019) أي ما يفوق 90 في المائة من الناتج الداخلي العام في حين أن خدمة الدين (أصل الدين + الفوائد) تمتص كل سنة ما يزيد عن ثلث الميزانية وفاقت 140 مليار درهم أي ما يعادل 10 مرات ميزانية الصحة. [7]

يصور الحاكمون الديون كحل سحري لا مفر منه للخروج من الأزمات في حين أن الديون شكلت جزءا وسببا في أزمة المغرب البنيوية وأداة سياسية لديمومة تبعيته الاقتصادية والمالية. ولا يمكن تصور أي بديل تنموي جدي دون القطع مع دوامة المديونية.

هكذا، وتحت ذريعة مواجهة تأثيرات الركود الاقتصادي العالمي الناتج عن جائحة كورونا، سارع الحاكمون إلى الإعلان في بيان لبنك المغرب بداية شهر أبريل عن قرارهم باستخدام اتفاق خط الوقاية والسيولة الموقع مع صندوق النقد الدولي من أجل سحب 3 مليار دولار. يأتي هذا بعد الإعلان في وقت سابق عن اقتراض المغرب مبلغ 275 مليون دولار من البنك العالمي لنفس الغرض.

عوض حل الاقتراض السهل والجبان، كان بمقدور الحكومة أن تقرر بشكل أحادي وسيادي وقف تسديد الديون لهذه السنة الاستثنائية. بنفس المنطق الذي دفع الحكومة الى الاقتطاع من أجور الموظفين بدعوى التضامن في ظل الأزمة ومن دون استشارتهم، كان من الأولى للحكومة أن تفرض على الدائنين المحليين الذين يستحوذون على ثلثي ديون الخزينة وقف تسديد الديون وهو ما كان سيمكن الخزينة من حوالي 30 مليار درهم. كما كان بإمكان الحكومة الالتحاق بالمبادرة التي أطلقتها مجموعة دول الجنوب في إفريقيا وأمريكا الجنوبية لمطالبة المؤسسات المالية والبنوك بتعليق تسديد الديون في ظل الازمة الوبائية الحالية. كما كان بإمكانها فرض ضريبة استثنائية على الأثرياء من أجل مواجهة هذه الازمة، وبدلا من ذلك نجدها تقترض ديونا سيكون الأغنياء أول المستفيدين منها وسيلقى على المفقرين وأبنائهم سدادها مضاعفة.

  1. البديل التنموي المخزني

تبني الحاكمين استراتيجية الصدمة في التعامل مع أزمة كورونا و إصرارهم على الاقتراض ونهج نفس السياسات الاقتصادية الليبرالية و التقشفية التي أثبت التاريخ فشلها على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية يطرح العديد من الأسئلة حول جدية مبادرتهم الأخيرة التي تدعي البحث عن نموذج تنموي جديد.

فأمام هول الأزمة الاجتماعية البنيوية التي يعرفها المغرب منذ مدة وتحذير العديد من التقارير الدولية من تزايد الفوارق الاجتماعية، [8] أعلن الحاكمون، منذ خريف سنة 2017، عن اكتشافهم لخلل في النموذج التنموي الذي فرضوه على الشعب، واستغربوا لعدم استفادة الأغلبية من هكذا نموذج، كما عبروا عن ضرورة إيجاد بديل له. وكالعادة تم تعيين لجنة أوكلت إليها مهمة صياغة مقترحات لنموذج تنموي جديد. لجنة يترأسها وزير الداخلية السابق شكيب بنموسى إلى جانب شخصيات أخرى معظمها يتحمل مسؤولية تطبيق النموذج التنموي الذي يجمعون اليوم على فشله. فهل يعقل حل مشكلة بنفس المنطق والأشخاص والأدوات التي كانت سببا فيها؟

تجدر الإشارة إلى أن نفس المطلب، أي بديل اقتصادي وتنموي، حمله كل من حراكيْ جرادة والريف ليتم التصدي لهما بالقمع وأحكام سجنية وصلت ل 20 سنة. وهو ما يرجح أن تكون هذه المبادرة محاولة جديدة للسطو على هذا المطلب الشعبي وتحويره وافراغه من محتواه، بالضبط كما فعل الحاكمون مع مطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة.

 إن تبني الحاكمين للمفاهيم والشعارات، التي ينتجها المقهورون من أجل التعبير عن تطلعاتهم، بعد تحريف مدلولها الشعبي وتكييفها مع مصالحهم يسمح لهم بتمييعها والحد من مفعولها التعبوي. كما أن تظاهر الحاكمين بتبني شعارات تقدمية كالمساواة والعدل والديمقراطية وحقوق الانسان يعطيهم مشروعية رمزية هم في أمس الحاجة إليها، حيث يظهرون بمظهر الممثل لمصالح وتطلعات كل فئات المجتمع[9].

  1. رأسمالية الكوارث

في الوقت الذي تبنى فيه الحاكمون استراتيجية الصدمة عبر استغلال جائحة كورونا من أجل تمرير قوانين تسلطية والتطبيع مع أساليب القمع والحكرة، سارع جزء من القطاع الخاص إلى تبني رأسمالية الكوارث وذلك باستغلال الأزمة الوبائية وإقبال المواطنين على منتوجاتهم وخدماتهم من أجل التلاعب في الأثمنة وجودة الخدمات وكذلك التلاعب من أجل الاستفادة من صندوق تدبير جائحة كورونا. وتتعدد هنا الأمثلة من فرض البنوك فوائد مضاعفة على المواطنين مقابل تأجيل سداد القروض ومطالبة مؤسسات التعليم الحرة بالاستفادة من الصندوق وابتزازها أولياء التلاميذ من أجل الأداء، دون الحديث عن شركات الاتصالات والأسواق التجارية الكبرى بالإضافة الى المضاربة في المواد الغذائية الأساسية والخضر التي عرفت أثمنتها ارتفاعا ملحوظا منذ بداية الأزمة الوبائية.

رابعا: في التقارب الخلاق في مواجهة التقارب الكارثي

أكدت نعومي كلاين في أحد آخر استجواباتها على موقع (ذي أنتيرسبت) بعنوان: كيف نهزم رأسمالية كورونا؟[10] أن ميلتون فريدمان، منظر استراتيجية العلاج بالصدمة وأحد اقتصاديي السوق الحرة الأكثر تطرفا، كان مخطئا بشأن الكثير، لكنه كان محقا حين صرح أنه في أوقات الأزمات تصبح الأفكار التي كانت تبدو مستحيلة فجأة ممكنة. لكن ما هي هذه الأفكار ولمصلحة من تصبح ممكنة؟

في الوقت الذي يحاول الحاكمون استغلال الازمة من أجل تعميق سياساتهم وإحكام قبضتهم باستغلال جائحة كورونا وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة، قد تشكل هذه الازمة فرصة تاريخية للدفاع عن بدائل جذرية تمكن من مواجهة أزمة الحضارة الرأسمالية التي أصبحت اليوم تهدد كل أشكال الحياة على كوكب الأرض.

أمام كارثية الوضع اليوم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والايكولوجي واحتداد مختلف أشكال الظلم، يبقى الحل الواقعي هو تغيير جذري وشامل منبثق ومبني مع من هم في الأسفل. تغيير جذري يهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع والعلاقات داخله، بما فيها علاقات الإنتاج لتكون في خدمة تلبية الحاجيات الأساسية للأغلبية وكذلك احترام استدامة الموارد والدورات الطبيعية.

إن أي مشروع لتغيير جذري جدي لا يمكنه أن يتجاهل أشكال القهر والظلم التالية:

  • الظلم السياسي: الاستبداد السياسي والتسلط وغياب الديمقراطية.
  • الظلم الاقتصادي الرأسمالي: الليبرالية الاقتصادية والخصخصة والتوجه نحو التصدير بالإضافة الى التبعية الاقتصادية وأشكال الاستعمار الجديد وما ينتج عنه من تزايد وتعميق للتفاوتات الاجتماعية وتفقير الفقراء وإغناء الأغنياء.
  • الظلم البطريركي والمعاناة المضاعفة التي تلحق النساء وتحقير وتجاهل مهام إعادة الإنتاج التي تتحملنها النساء من أجل إعادة إنتاج المجتمع وإمكانية بقاء العنصر البشري [11].
  • الظلم الثقافي وعمليات الهيمنة الثقافية وطمس وتحقير هويتنا وكل أشكال المعرفة الأصيلة والمحلية وتعميق الهيمنة الثقافية الاستعمارية خاصة الفرنسية.
  • الظلم المناخي والبيئي وعمليات السلب والاستحواذ التي تقوم بها الطبقات السائدة على ثروات المُفقَرين والمُهمشين من أرض وماء وريح وشمس ومعادن …

كما لا يمكننا أن نتجاهل التقارب الكارثي والمركب بين هذه الأشكال القهرية وتغذيتها لبعضها البعض واستنادها على نموذج التنمية السائد الذي يعمل على تعميقها.

أمام هذا التقارب الكارثي لابد أن يُبْدَع تقارب خلاق ينبني على توحيد مختلف النضالات وأشكال المقاومة التي يبتدعها المواطنات والمواطنون في مختلف المجالات ومختلف المناطق (الحقوق الشُّغلية، والنساء، والسكن، والدفاع عن الأرض والثروات، والحريات الجماعية والفردية …) يجب أن يُبْنى هذا التقارب على مبادئ التواضع والحوار في مقابل التكبر والإقصاء. يسعى هذا التقارب الى بلورة بدائل بعيدة المدى لمواجهة استراتيجية الصدمة ورأسمالية الكوارث التي تتبناها النخب الحاكمة.  بدائل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار واقعنا الملموس، وتنطلق من الإيجابي في ثقافتنا وتراثنا وتتصالح مع هويتنا. بدائلنا يجب أن تقطع مع المنظورات السائدة للحداثة المبنية على ضرورة اللحاق بركب الدول المتقدمة على الشاكلة الغربية. يجب، كما أكد على ذلك فرانز فانون،[12] أن تتعدى أحلامنا وأهدافنا نموذج عيش الأوربيين والأمريكيين نظرا لفشل هذه النماذج اجتماعيا وهو ما أكدته مرة أخرى كارثة كورونا وحجم الدمار الذي خلفته خاصة في صفوف من هم في الأسفل.[13] بالإضافة الى النتائج الكارثية للنموذج الرأسمالي على المستوى الايكولوجي، خاصة ظاهرة الاحتباس الحراري[14] وتراجع مروع في التنوع البيولوجي.

في مقابل كل أشكال السيطرة الممركزة والبيروقراطية وجب أن نضع في صلب بدائلنا تمتع السكان المحليين بسيادة كاملة على ثرواتهم المادية من أرض وماء وشمس ومعادن، يسيروها بشكل ديمقراطي فيما بينهم/هن وبشكل تضامني وتكاملي مع باقي السكان، ونفس الشيء بالنسبة لثرواتهم غير المادية، من ثقافة وفن وأشكال متوارثة من المعرفة وطرق العيش المشترك في تفاعل مع الطبيعة.

البيضاء ـ ماي 2020

م.جواد (مناضل أطاك المغرب)

هوامش

[1] أرتورو إسكوبار (مواليد 1952) عالم أنثروبولوجيا كولومبي٬ من رواد مدرسة نقد التنمية التي تعتبر خطاب التنمية والحداثة الغربي استمرارا للاستعمار والهيمنة على شعوب دول الجنوب.

[2] للمزيد حول حملة المقاطعة هاته يمكن الرجوع لمقال لي في أبريل سنة 2018 بعنوان: أمام ظلم الحاكمين وطغيانهم يصبح عصيانهم ومقاطعة منتوجاتهم واجبا وطنيا

[3]  للمزيد من المعلومات انظر الدراسة الميدانية الذي انجزتها جمعية أطاك المغرب سنتي 2018ـ2019 تحت عنوان: دفاعاً عن السّيادة الغذائيّة بالمغرب: دراسةٌ ميدانيّة حول السياسات الفلاحيّة ونهب الموارد

[4] يمكن مشاهدة الفيديو الذي يوثق لهذه الأحداث على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?time_continue=204&v=MxWiWSfV5XE&feature=emb_logo

[5] يوثق الرابط التالي لمثال عن هذه الحملات بمنطقة الحي المحمدي الشعبية وكذلك احتجاج المواطنين على هذه المماراسات: https://www.youtube.com/watch?v=pyesOSXiDHA

[6]  من أجل المزيد حول العلاقة المركبة بين الاستبداد السياسي والليبرالية الاقتصادية وكيف يستفيد ويغذي كلاهما الآخر يمكن الرجوع لمقالي بعنوان: الشعب المغربي تحت نير الطواحين الثلاث: الاستبداد السياسي، والليبرالية الاقتصادية/الاستعمار الجديد، والتغيرات المناخية.

[7]  انظر مثلا مقالة بجريدة لافي ايكونوميك الصادرة بتاريخ 25 نونبر بعنوان: الدين العمومي يقارب ألف مليار درهم٬ يمكن الوصول إلى هذا المقال عبر الرابط التالي: https://www.lavieeco.com/economie/la-dette-publique-pas-loin-de-1-000-milliards-de-dh/

[8] اعتبر تقرير منظمة أوكسفام لسنة 2019 المغرب من أكثر الدول اتساعا من ناحية الفوارق الاجتماعية ومن بين الدول المفتقرة للعدالة الإجتماعية على المستوى الدولي. ففي الوقت الذي يعاني فيه أكثر من 1.6 مليون شخص من الفقر والتهميش وانعدام الضرورات الأساسية، بلغ مجموع ثروة أغنى ثلاثة من أصحاب المليارات بالمغرب سنة 2018  حوالي 4.5 مليار دولار، بينما يعيش 4.2 مليون شخص في الفقر. يمكن الحصول على نسخة من هذا التقرير عبر الرابط التالي: https://oi-files-d8-prod.s3.eu-west-2.amazonaws.com/s3fs-public/file_attachments/rapport_oxfam_2019_un_maroc_egalitaire_une_taxation_juste.pdf

[9] أو بتعبير غرامشي: تبني هذه المثل من طرف الطبقة المسيطرة يؤمن لها رضى الطبقات الأخرى وقبولها بقيادتها لها.

[10] يمكن مشاهدة النسخة الكاملة من الاستجواب على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=uVTZlu6MdE&t=397s

[11] للمزيد من المعطيات حول مفهوم إعادة الانتاج الاجتماعي أنصح بمنشور: نسوانية لأجل الـ 99% بقلم تشينسيا أروتسا Cinzia Arruzza *تيتي باتاشاريا Tithi Bhattacharya** نانسي فرايزر Nancy Fraser

[12] “يجب أن يكون مشروعنا محاولة لحل المشكلات التي لم تتمكن أوروبا من إيجاد الإجابات عليها”.  فرانتز فانون، “المعذبون في الأرض” (1961)

[13]  شكل سكان الاحياء الفقيرة خاصة السود غالبية ضحايا فيروس كورونا في الولايات المتحدة الامريكية وصلت هذه النسبة لأكثر من الثلثين في بعض المناطق كشيكاغو و ميشيغان

[14] اكدت كل التقارير العلمية على ان الإنسانية تتوفر على اقل من 10 سنوات من اجل تفادي نقطة اللا عودة المتمثلة في نسبة احترار عالمي يتجاوز1.5 درجة مئوية و نتاجها الكارثية و التي يصعب التنبؤ بها حاليا. انظر مثلا التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ‎(IPCC)‏الصادر سنة 2019 بعنوان : الاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجة مئوية. يمكن تحميله على الرابط التالي : https://www.ipcc.ch/site/assets/uploads/sites/2/2019/09/IPCC-Special-Report-1.5_SPM_ar.pdf

 

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube