الديون

اليونان: كيف تم استعمال آلية الديون لنهب شعب

 

اليونان: كيف تم استعمال آلية الديون لنهب شعب

 

“نطالب بتدقيق دولي للديون. قيل للشعب اليوناني ان عنده دين، دين هو يدفعه ولكن لا أحد يعرف من أين أصل هذا الدين وكيف يتم تسديده. ينبغي الكشف على الجزء من الدين الذي يعتبر غير قانوني وغير شرعي”.

صوفيا ساكورافا، برلمانية يونانية عن الحزب اليساري “سيريزا” 

 

البلدان الأولى التي اضطرت إلى خطط إنقاذ هي بلدان الأضعف في حلقة الاتحاد الأوروبي كالبرتغال، ايرلندا،اليونان و اليوم اسبانيا. السمة الأكبر في كل هذه الخطط هو العمل على تدمير ما تبقى من حماية اجتماعية و خدمات عمومية بتلك الدول، في تشابه مع مخططات التقويم الهيكلي التي عرفها دول الجنوب ابتداءا من الثمانينات. تبقى حالة اليونان مثال بارز عن ذلك.     

 تجدر الإشارة أولا أن الاهتمام الكبير بحالة اليونان من طرف ألمانيا و فرنسا يفسر رسميا بالخوف على استقرار منطقة اليورو ولكن في الواقع يعزى “نضال” فرنسا من اجل أن تسدد اليونان ديونها الخارجية بكون: الأبناك الفرنسية تمتلك: 25 في المائة من مجموع الديون 31 مليار يورو بينما البنوك الألمانية تستحوذ 15 في المائة(23 مليار) من مجموع الديون اليونانية. هذه المعلومة الجوهرية لا يقدمها دائما الإعلام. أيضا معطى لا يتم الحديث عنه كثيرا هو تكوين مديونية اليونان: ف42 في المائة فقط من ديون اليونان عمومية، الباقي هي ديون الابناك و الشركات ولكن تتحمل عبئها الدولة.

إستراتيجية الصدمة

دخلت اليونان حلقة مخططات الإنقاذ و التقشف منذ ابريل 2010.  آنذاك طلبت الحكومة اليونانية من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي تفعيل خطة إنقاذ تتضمن قروضا لمساعدة اليونان على تجنب خطر الإفلاس والتخلف عن السداد. في هذه الفترة كانت معدلات الفائدة على السندات اليونانية قد ارتفعت إلى معدلات عالية نتيجة مخاوف بين المستثمرين من عدم قدرة اليونان على الوفاء بديونها. في ماي وافق الاتحاد الأوروبي و صندوق النقد على منح اليونان سلسة من القروض المالية بمجموع 110 مليار يورو على مدى 3 سنوات من اجل خطة انقاد اقتصاد البلد في 2010. توالت بعدها العديد من خطط الإنقاذ والتقشف و تساقطت معها الحكومات وفضائحها. بينما اليونانيون أصبحوا يعيشون أزمة اجتماعية خانقة من جراء مخططات التقشف.    

تحت تأثير أزمة الديون وافقت الحكومة على تقويم هيكلي هو “استراتيجية صدمة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى:  تقليص من 20 الى 30 من اجور الموظفين، تجميد الأجور لمدة 4 سنوات، الخفض من المعاشات ب7 في المائة، الزيادة في سن التقاعد ب7 سنوات، تحديد الاستفادة من المعاش كاملا حتى سن 40 عوض 37 سنة، إلغاء الحقوق الاجتماعية مثل 13 و14 شهر، تقليص أجور الموظفي القطاع الخاص ب25 في المائة، تسريح 10000 موظف مؤقت من القطاع العام، حذف معاش تضامني مخصص للفئات الهشة (المعطلون، المعاقون، المستخدمون ذوي الدخل المحدود، المتقاعدون، الفلاحون)، الخفض من المعاش المخصص للعائلات و العجزة و التعويض عن الأطفال، الرفع بنقطتين الى 23 في المائة من الرسوم على استهلاك الكحول، السجائر و البنزين،الرفع من الحد الأدنى من الضريبة على القيمة المضافة من 11 الى 13 في المائة، الرفع من الضربية على الدخل و الخفض من الضريبة على الشركات، الرفع من تذاكر كل وسائل النقل العمومي ب30 في المائة

تواصلت برامج التقشف لتصل لقطاع الصحة في فبراير 2011. فتم تقليص النفقات بالقطاع من احل الحصول على قرض 15 مليار يورو. وتم الاتفاق ايضا على تسطير برنامج خوصصة لعدة قطاعات عمومية بقيمة 50 مليون يورو مع متم2015. القطاعات المستهدفة من هذا البرنامج هي الموانئ، المطارات، السكك، الكهرباء، الشواطئ السياحية، الخ… في نفس الوقت بقيت ميزانية الجيش على حالها. اي من اعلى الميزانيات في كل اوروبا. 4 في مائة من مجموع الناتج الداخلي الخام بينما في فرنسا لا تتجاوز 2،4 في المائة.

كل بلدان أوروبا عرفت موجة من مخططات التقشف الجد قوية. لا تختلف عن مخططات التقويم الهيكلي التي عرفتها بلدان الجنوب. فهناك دول : فرنسا، هناغاريا، اريلندا، يطاليا، ليتوانيا، اسبانيا، فيلندا، المانيا، النمسا، بولونيا، البرتغال، تشيك، رومانيا، انجلترا. حكومات هاته البلدان عملت على تقليص من ميزانيتها الاجتماعية و  ورفعت من الضرائب الغير المباشرة. المخططات التقويم الهيكلي الموجه للشمال، كانت بمثابة العودة القوية لصندوق النقد الدولي الذي قدم نفسه كالمنقذ الذي لا يمكن تجاوزه. و هكذا ظهرت كلمة “الترويكا” مكونة من صندوق النقد الدولي-البنك المركزي الاوروبي-المندوبية الأوروبية.

التقشف باليونان أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر ب 7 في المائة، حيث وصلت 27,7 أي 3 مليون يوناني. تسبب التقشف في عودة عدة أمراض كانت قد اندثرت من البلاد بسبب التقليص من الخدمات الصحية (40 في المائة) وارتفاع نسبة المصابين بداء السيدا. تزايدت كذلك الحملات ضد المهاجرين و ظهرت من جديد حركات عنصرية وفاشية وجدت حتى تعبيرا سياسيا لها من خلال الحزب النازي الجديد “الفجر الذهبي” والذي حصل على 7 في مائة من الأصوات في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

الفساد و العسكر لا يعرفون الأزمة

بالرجوع لحالة اليونان، هناك بعض الأمور الوجوب الوقوف عندها:

1.الحكومات اليونانية المتعاقبة اخفت حقيقة الوضع الاقتصادي والمالي للبلد بتواطئ مع بنك الاستثمار “كولدمان ساتش” الذي كان هو المستشار المالي لهذا البلد ورغم ذلك راهن على سقوط اليونان. للتذكير “فكولدمان ساتش”، كان احد أسباب الانهيار المالي بأمريكا.

 2.القروض الموجهة لليونان هي من تمويل البنك المركزي الأوروبي الذي يقرضها للأبناك الخاصة والتي تبيعها لليونان بأسعار فائدة جد مرتفعة تحت ذريعة أن البلد يعيش وضع اقتصادي صعب وقد لا يسدد ديونه.           

3. من اجل تنظيم الألعاب الاولمبية في 2004 تم اقتراض أموال ضخمة. ازدادت مع ارتفاع فاتورة هذه الألعاب حيث كانت من المفترض ان لا تتجاوز الميزانية 1,3 مليار يورو. في الأخير كلفة الألعاب فاقت 14 مليار. اتسم تنظيم بفضائح فساد (1 حالة شركة سيمنس الألمانية و التي أدينت من طرف القضاء الألماني بتقديم رشوة بمليون يورو).

الحلقة المفرغة للديون باليونان

بعد سنتين من التراجيدية النيولبرالية على ارض الإغريق، أين وصلت وضعية اليونان الاقتصادية؟ الاقتصاد منهار كليا، فالنمو سلبي ب7 في المائة و عجز الميزانية وصل ايضا ل7 في المائة. الديون اليونانية تساوي اليوم 171 من المائة من الناتج الداخلي الخام بعدما كانت تمثل “فقط” 129 في المائة في 2009، اي قبل بداية مخططات التقشف. 240 مليار أورو التي أعطيت لليونان لن تساهم في خلق تنمية اقتصادية بل فقط سيتم تسديد الديون. وهذا مايدل عنه تطور نسبة المديونية.

تتوقع الحكومة اليونانية ان تصل مديونية البلد الى 186,5 في مائة في 2013، وسترتفع الى 195,5 في 2014، ثم 207,7  في 2015 و ستنفجر في السنة الموالية لتصل ل 220,4 في المائة. أما النمو الاقتصادي سيخرج من  منحاه السلبي حتى 2014 و  سيصل فقط 2,2 في المائة وسيستعيد الاقتصاد “توازنه” حتى 2016. وهو ما يتعارض مع الاتفاق المبرم مع “الترويكا”، حيث تم الاتفاق على سنة 2014. فرغم فشل الحكومات المتعاقبة على الخروج من الأزمة، يستمر السياسيون اليونان تحت ضغط “الترويكا” في تدبير عبثي للأزمة الديون اليونانية. ولعله ليس عبثي تماما، فهو يخدم مصلحة الرأسمال في اخر المطاف. فالمستفيد الأكبر من تسديد الديون هم الأبناك ومن يحميهم

 انتشار الأزمة مازال مستمرا و مخططات “إنقاذ” الرأسمال، الاقتراض والتقشف متواصلة بدون ان تستطيع إعطاء حلول للخروج  من الوضع الحالي. حزب اليسار الجدري، “سيريزا” شكل الاستثناء في الساحة السياسية اليونانية. فهذا التكتل من الأحزاب اليسارية  دخل انتخابات يونيو 2012 بمطالب خمسة تتعارض مع ما تدافع عنه الأحزاب الاخرى: 1.  فسخ  كل الاتفاقيات مع “الترويكا” لكونها تتعارض مع المبادئ المؤسسة للاتحاد الأوروبي المتعلقة بالحق في الحماية الاجتماعية 2. تأميم الابناك اليوناية 3. تغيير قانون الانتخابات 4. رفع الحصانة عن الساسة الفاسدين 5. افتحاص الديون العمومية. حصل الحزب على 26,89 في المائة من الأصوات واحتل المركز الثاني. ورغم ذلك يعتبر ذلك نجاحا مهما للأفكار التي دافع عنها ويفتح الباب من اجل النضال حتى تحقيق تلك المطالب.

صلاح الدين المعيزي

عضو اطاك البيضاء     

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى