الرئيسية / أنشطة الجمعية / الحركة النضالية بالمغرب بين التنظيمات النقابية والتنسيقيات الفئوية
نضالات التنسيقيات
الحركة النضالية بالمغرب بين التنظيمات النقابية والتنسيقيات الفئوية

الحركة النضالية بالمغرب بين التنظيمات النقابية والتنسيقيات الفئوية

الحركة النضالية بالمغرب بين التنظيمات النقابية والتنسيقيات الفئوية

نظمت أطاك المغرب و الكنفدرالية الديمقراطية للشغل  نشاط  تثقيفي في مدينة طنجة، في ما يلي نقدم لقراء موقع أطاك المغرب مداخلة  عضو الجمعية الرفيق يونس الحبوسي .

مدخل :

 تسعى هذه المداخلة لتقديم عناصر إجابة عن:

ما المقصود بالحركة النضالية؟

ما المقصود بالتنظيمات النقابية؟

ما المقصود بالتنسيقيات الفئوية؟

ما شروط إنبعاث حركة نضالية ظافرة بالمغرب؟

ما الحركة النضالية ؟

تشمل الحركة النضالية كل الافعال الملموسة التي يقوم بها جسم اجتماعي ما بشكل جماعي تضامني من أجل التأثير في ميزان القوى لأجل الحصول على مكاسب أو صد تراجعات. وتعني الأفعال الملموسة “كل ما يصدر عن الحركة النضالية من أعمال ومواقف وشعارات ومطالب واشكال تنظيم وطرق نضال”. بينما نعني بالجسم الاجتماعي : مجموعة بشرية ذات سمات أو مصالح او اهداف مشتركة. قد تكون لتلك الحركة مطالب اجتماعية او اقتصادية او سياسية، أي أن الحركة النضالية تعني هنا كل الحركات الاجتماعية : حركات شعبية – حركة عمالية- مطلبية – سياسية- مناطقية – شاملة – دفاعية – هجمومية…

في سياقنا المغربي : الحركة الحقوقية – الحركة النسائية – الحركة الطلابية – الحراكات المناطقية ( الريف مثلا) – حركة 20 فبراير – الحركة النقابية …

ما التنظيمات النقابية ؟

العمل النقابي هو تنظيم طوعي حر بين أجراء ( بائعي قوة العمل) بقصد التفاوض حول ثمن قوة العمل وشروط استهلاكها من طرف الرأسمال. إنه إذن تنظيم للدفاع عن مصالح الاجراء دون غيرهم.

إذن النقابة هي منظمة للعاملين بأجر، تجسد تضامنهم واشتراكهم الجماعي في مهمة الدفاع عن مصالحهم الآنية، اي أنه الإطار الذي يتم عبره تحسين شروط بيع قوة العمل، عبر نضال يتخذ عموما ثلاثة مضامين كبرى :

  • نضال ذو بعد مادي صرف : التحسين المباشر للأجور ومكملاتها والاجور غير المباشرة …
  • نضال ذو بعد سياسي : ويعنى بتحسين وضع عموم الطبقة في المجتمع، ليس على المستوى المادي، بل على مستويات أخرى : الحق في التنظيم – في التعبير – في الإضراب …
  • نضال يدمج البعدين : النضال ضد قوانين سنتها السلطة السياسية ولها تأثير على الوضع المادي أو المعنوي للأجراء.

التنظيمات النقابية، منظورا إليها من زاوية المجتمع ككل، هي تنظيمات فئوية ( للعاملين بأجر)، لكن ما ينزع عنها ذاك البعد الفئوي هو:

+ ميلها الدائم نحو تشكيل اتحادات نقابية عابرة للمهن. وبالتالي امتلاكها لمنظور عام لموقع الطبقة العاملة في المجتمع ونوع مساهماتها في تطوره. وهو ما نطلق عليه بالمغرب المركزيات النقابية.

+ انسحاب البعد السياسي في نضالها على عموم المجتمع أو إن شئنا الدقة عموم الكادحين.

في سياق الدفاع عن مصالحها، يخوض الأجراء أشكالا متعددة من النضالات ويواجهون في سبيل ذلك بردود فعل من مشغليهم سواء كانوا رأسماليين افراد (شركات ..) أو رأسمال جماعي ( الدولة)، الذين يسعون إلى إبقاء الاجور في مستويات تتيح الحفاظ على معدلات ربح مرتفعة وعلى اكلاف تشغيل منخفضة.

شكل التعاطي مع هذا التعادي الموضوعي بين رأسالمال والعمل هو ما يحدد ما نسميه الاستراتيجية النقابية : هل استراتيجية تعاون طبقي، ام استراتيجية كفاح طبقي.

تتيح الأداة النقابية الدفاع عن حقوق العمال يوميا من خلال معارك نضالية تكبر او تصغر. ولهذه المعارك ميزتان :

  • الأولى : تتيح الحد من تدهور شروط الحياة.
  • الثانية : يكسب الأجراء، حين يظفرون بمعارك، حتى بسيطة ومحلية جدا، الثقة في قوتهم الذاتية ويساعدهم هذا على الاقتناع بأن الالتزام الجماعي يستحق العناء وان النضال والإضراب مثمر.

تتيح النقابة كذلك للأجراء تعلم التسيير الذاتي دونما الحاجة لأرباب عمل أو مديرين أو اختصاصيين. وفي سعيها للاستمرار كأداة نضال فإنها تلجأ إلى اصطفاء محترفين للنضال في صفوفها، يؤمنون التدبير اليومي التنظيمي لها، ولهؤلاء أدوار متناقضة يلعبونها في معمعان النضال النقابي. سنعوذ لها لاحقا.

في المغرب يمكن إعطاء الملاحظات السريعة التالية على الحركة النقابية :

  • لا تنظم الحركة النقابية إلا نسبة ضئيلة من الماجورين ( من 4 إلى 6 بالمئة).
  • قطاعات كبيرة جدا لا اثر فيها للتنظيم النقابي.
  • تعدد نقابي كبير ( على الأقل هناك 7 مركزيات نقابية تعمل بانتظام وباستمرارية)
  • في البداية ارتبطت الحركة النقابية المغربية بالحركة الوطنية، وأبدت ميولا اشتراكية، بل إن الكدش قامت بوضوح على أساس مشروع تحرري اشتراكي.
  • الحركة النقابية بالمغرب ذات ارث انشقاقي كبير.
  • هناك دمج متزايد للحركة النقابية في بنيات الدولة منذ اتفاق فاتح غشت 1996، أي تم تقوية منذئذ اتجاه التعاون الطبقي في الحركة النقابية المغربية.

ما التنسيقيات الفئوية؟

لا زالت الإجابة الشاملة عن هذا السؤال غير ممكنة الآن، باعتبار الظاهرة لا زالت تتفاعل وتعطي تعبيرات مختلفة.

يمكن اعتبار الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب أول تنظيم فئوي داخل الحركة النضالية “العمالية” المغربية. ونشؤها نتج بشكل اساسي عن تقصير تاريخي للحركة النقابية في تنظيم العاطلين : سواء العمال المسرحين أو الملتحقين الجدد ب”سوق الشغل”. رغم أن استراتيجية الجيش الاحتياطي هي استراتيجية رأسمالية معروفة هدفها الضغط على الاجور وعلى شروط العمل. طبعت حركة المعطلين مجموع النضالات الاجتماعية بالبلد، وكانت في أصل انتقال اشكال نضال كفاحية إلى مختلف قطاعاته ومن بينها الحركة النقابية. وإن كان لنضال المعطلين حاملي الشهادات طابعا خاصا، لكنه شكل قنطرة لعبور ذلك النضال الفئوي إلى داخل الحركة النقابية.

  • في العشرية الأولى من سنوات الألفين :

نشأت التنسيقيات الفئوية بالمغرب بداية في أحضان الحركة النقابية المغربية أو على الأقل بالقرب منها، ولعل أول نضال فئوي دال بالمغرب كان هو تجربة المعلمين العرضيين ( وقد كانوا في اغلبيتهم معطلون أعضاء في جمعية المعطلين)، عملوا وطنيا بشكل ما في إطار الاتحاد المغربي للشغل. وانتزعت جزئيا حق الإدماج في الوظيفة العمومية وفي سلمها العاشر لبعض من حاملي الإجازة.

ما أوجه الجديد في هذه الحركة :

+ كل/أغلب المنخرطين فيها يناقشون الخطوات النضالية والمطالب.

+ ليست هناك تفويضات دائمة

+إضرابات ممتدة/ احتلال الشارع ( خاصة ساحة الوزارة)

+ مطالب قليلة وواضحة : مادية ( الادماج في السلم العاشر بالوظيفة العمومية) سياسية ( اسقاط المنشور الثلاثي)

جاءت دينامية العرضيين متزامنة مع مشروع الدولة ( معلن جزئيا) لإعادة هيكلة الوظيفة العمومية، وفي سياق تميز بامتداد وتوسع إشراكها المنظمات النقابية الرئيسية في عدد من الهياكل.

في الوظيفة العمومية كانت أهم جبهة هجمت عليها الدولة هي الترقية بالشهادات، وفصل التكوين عن التوظيف ( ابتداء من قطاع الصحة)… ضد هذه التراجعات ولدت عدد من التنسيقيات لأجل الدفاع عن هذه الحقوق. وتحولت معظم تلك التنسيقيات إلى أدوات دائمة للنضال الفئوي، حيث سمت نفسها نقابات: النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام – النقابة المستقلة للتعليم الابتدائي – الهيئة الوطنية للتعليم …

خاضت هاته الأشكال التنظيمية نضالات متعددة، توجت بمكاسب لتلك الفئات، لكنها كرست في واقع نضالات الأجراء بالمغرب ممارسة نقابية انتهازية لا تساهم في مراكمة التجربة ولا تساعد على بناء ميزان قوى لصالح عموم الشغيلة يمكن من تحصين المكتسبات والاستمرار في الدفاع عن المصالح الحيوية للشغيلة. لم تعرقل هذه الادوات، وبالأحرى لم تسقط أيا من الإجراءات التراجعية التي شرعت فيها الدولة منذ بداية سنوات ال 2000.

  • في نهاية العشرية الأولى وبداية الثانية من سنوات الألفين :

 انتقلت الدولة للهجوم بشكل أشرس على عدد من المكاسب، قانون الإضراب – قانون النقابات – التقاعد – المقاصة…..، مع فاصل قصير خلال سنة 2011 بعد انطلاق حركة 20 فبراير والتي وضعت الحركة النقابية المغربية نفسها على هامشها مكتفية بما أتى به اتفاق 26 أبريل ( الذي لم تنفذ بنوده الاستراتيجية : توحيد الحد الادنى للأجور والدرجة الجديدة..).

أثرت دينامية 20 فبراير وما أيقظته وفتحته من إمكانات نضالية، عدد من الفئات الجديدة للنضال، وهنا وجب الانتباه لبعض السمات :

  • كانت هناك نضالات كفاحية كبرى لفئات من المعطلين، خارج جمعيتهم التاريخية.
  • كانت هناك نضالات كبيرة لفئات من الطلاب خارج منظمتهم التاريخية المفقودة.
  • استمرت فئات كبيرة في التعليم والصحة في النضال خارج النقابات.
  • انفجرت نضالات طلبة الطب في إطار تنسيقيتهم، وبأشكال نضال وتنظيم تمتح من تقاليد ديموقراطية مجيدة.
  • انفجرت نضالات تنسيقية الأساتذة المتدربين ضد فصل التكوين عن التوظيف، وأعطت للنضال الفئوي وجها جديدا، اضطرت معه الحركة النقابية إلى الاعتراف بها، ومحاولة لعب دور، ضمن حدود لم ترد تجاوزها.
  • بجانب هذا كانت هناك نضالات عمالية غير مرتبطة باي تنظيم نقابي، وتستلهم أشكال التنظيم الذاتي المباشر، أبرزها نضال عمال مناجم جبل عوام في ماي 2016 .

لقد كانت هاته النضالات تعبيرا عن وصول الأزمة العميقة التي تضرب مختلف أدوات النضال التقليدية إلى مستويات خطيرة: (معطلين وطلبة ونقابات).

في هذا السياق انفجر حراك الريف، واطلق شعار الدكاكين، كان ذلك إيذانا بأن وضع منظماتنا التقليدية وصل إلى الحد الذي لا يمكنه التدخل بفعالية في أي من النضالات الشعبية والعمالية.

وبعده انتصبت نضالات تنسيقية المفروض عليهم التعاقد، ومعها موسم نضالي استثنائي للشغيلة التعليمية، مع فرصة للحركة النقابية في القطاع على تبين الاسئلة الحقيقية وتقديم اجوبة صائبة عليها.

قدمت التنسيقيات في الممارسة أجوبة ( وجب تجميعها وتقييمها من وجهة نظر عمالية) لأسئلة لم تستطع الحركة النقابية المغربية طرحها والجواب عنها :

  • سؤال العلاقة بين النقابي والسياسي بشكل عام والحزبي بشكل خاص.
  • سؤال الاستقلالية عن الدولة ومؤسساتها.
  • سؤال الديموقراطية الداخلية العمالية في النقابات : ديموقراطية تسيير الجهاز، وديموقراطية تسيير النضال.
  • سؤال الوحدة النقابية.
  • سؤال البديل العمالي عن التعديات الليبرالية.
  • سؤال اية استراتيجية نضالية : تعاون طبقي/كفاح طبقي.

المستقبل

سيتعمق الهجوم الليبرالي على مكاسب وأوضاع الأجراء، وستصبح الحاجة إلى النضال وأدواته اكثر ملحاحية، لا تمثل الحركة النقابية بوضعها الحالي ولا التنسيقيات الفئوية جوابا مناسبا على التحديات النضالية التي تطرحها إعادة الهيكلة الليبرالية لعالم الشغل وللمجتمع برمته.

تقدم التنسيقيات الفئوية الدليل على إمكانية التسيير الذاتي الديموقراطي للنضال، كما قدمت البرهان على امكانية المشاركة الكفاحية للنساء في التنظيم والنضال، وإمكانية توحيد نضال الأجراء. لكنها تبقى قاصرة عن تقديم الأجوبة الشاملة عن كيفية مواجهة الهجوم الشامل، وهو امر سيبقى موكولا للحركة النقابية شرط ابتعادها عن نهج التعاون الطبقي، مع دولة وأرباب عمل لا يتقنون سوى الهجوم الطبقي، وبالتالي شرط حلها لمعضلة قديمة قدم النقابة : كيف السبيل لحل التناقض القائم بين ضرورة توفر النقابة على جهاز يؤمن استمراريتها دون أن يتحول إلى كابح للنضالات، أي كيف السبيل لإخضاع فعلي للجهاز النقابي للمساءلة وتقديمه الحساب.

يمثل إيجاد الجواب عن الأسئلة الست المطروحة أعلاه معبرا للخروج من الثنائية : نقابة الوساطة والحوار/ تنسيقيات النضال الميداني.

لن يسعى الجميع إلى إيجاد الجواب، فهناك مستفيدون من حالة المنظمات النقابية الحالية او على الأقل لا يشيرهم استمرارها على ذلك النحو. فليسع المتضررون من الوضع الحالي للحركة النضالية العمالية بالمغرب، وهم عموم الاجراء، إلى ايجاد الاجوبة في معمعان النضال.

يونس الحبوسي

10 ماي 2019

Print Friendly, PDF & Email

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube