الرئيسية / متابعة النضالات / الجزائر:  التحرير والتوافق الاستبدادي

الجزائر:  التحرير والتوافق الاستبدادي

الجزائر:  التحرير والتوافق الاستبدادي

 

1 ـ يتسم الوضع الاقتصادي في الجزائر بعودة “متواضعة” ولكن حقيقية، نحو المديونية الخارجية. والواقع أن حكومة بوتفليقة قد التزمت بالحصول على قرض قيمته 900 مليون دولار من بنك التنمية الإفريقى (BAD). وهذه نقطة تحول جذرية في مواقف السلطات الجزائرية التي ترفض منذ أكثر من 15 عاما اللجوء إلى المديونية. وقد رافقت إعادة جدولة الدين العام( مرتين) في التسعينيات، في منتصف الحرب الأهلية، تدابير تقييدية شديدة. ولكن اليوم، مع عجز في الميزانية بحوالي 16٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لمصادر إعلامية، وانخفاض كبير في كل من استثمارات الدولة و العامة، يبدو أنه لا مفر من دين خارجي بالنسبة لليبرالية الجزائرية.

وبعد اختيار اللجوء للاقتراض والامتثال الطوعي للتعويض عن ندرة الموارد المالية ، الذي مكنها من  توفير حتى الآن 568 مليار دينار من المشتركين( المواطنين أصحاب الأرصدة) الجزائريين، ذهبت الحكومة في خيار التمويل الخارجي. إن رئيس الوزراء، الحذر منذ زمن طويل بشأن هذا الموضوع، يؤكد ما هو موجود بالفعل في قانون المالية لعام 2017. ومع ذلك، فإنه لا يزال حذرا خلال الخطاب. و يدافع عن مستوى المديونية حيث لا ينبغي التشكيك في “سيادة القرار الاقتصادي الوطني”. و يجب ألا يكون مستوى المديونية “مرتفعا”، ويجب ألا “يضر بمستقبل الأجيال القادمة”.

عمليا، سمحت الحكومة للشركات العامة باستخدامها في ظروف معينة. وهي تتمثل في توفير ضمانات بشأن  فعالية المشاريع المختارة للتمويل الخارجي. و إنه من خلال شركة عامة مثل Sonelgaz  التي ستمول مشروع ميناء Cherchell الكبير، سيتم اللجوء إلى منطق المديونية الخارجية الذي سيبدأ مجددا.

تشير التدابير الجديدة في “قانون المالية لعام 2017″ إلى اللجوء إلى الدين الخارجي بحيث يجب أن يرتبط  الدين بالاستثمارات التي  تخلق المشاريع . وأيضا يتعين على الشركات الوطنية المقترضة أن تثبت أن حجم تمويل مشروع ما لا يمكن دعمه  فقط بالإمكانات المحلية وحدها.

يعزز الموقف الحالي للحكومة ،”نصيحة” آخر بعثة لصندوق النقد الدولي، للجزائر العاصمة في آذار / مارس 2016،  حيث اعتبرت اللجوء إلى الديون “حتمي”.

2 ـ  بموجب اتفاق تم توقيعه في عام 2002، كان على الاتحاد الأوروبي والجزائر أن ينشئا  منطقة تجارية حرة بحلول عام 2017. ولكن الموعد النهائي تم تأجيله لمدة 3 سنوات. ستكون 2020  أخيرا الأفق الجديد لإقامة منطقة التجارة الحرة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.

وللتذكير، وقع الاتحاد الأوروبي والجزائر في 22 نيسان / أبريل عام 2002 هذا الاتفاق في فالنسيا،  من أجل “تيسير” المبادلات التجارية بينهما، فضلا عن تجميع الإمكانات من أجل  “مكافحة الجريمة” و ” الإرهاب “. و كان من المفترض  أن يكون الاتفاق  فعالا اعتبارا من عام 2017، ولكن تم فرض مراجعة للتقويم من أجل رفع الحواجز الجمركية. و بناء على إلتماس قدمته الجزائر في عام 2010، قرر الطرفان التفاوض بشأن هذا التأجيل.

وقد فضلت السلطات الجزائرية تأجيل هذا الاتفاق بهدف “ضمان قيام الشركات والصناعات الوطنية بالتحضير الأمثل وتعزيز أسواقها”. والهدف من منطقة التجارة الحرة هو عدم السماح للصناعة المحلية بإعادة بناء نفسها. منذ توقيع فالنسيا، نص الاتفاق على تخفيض تدريجي لهذه الحواجز حتى عام 2020. وكانت هناك قائمتان من المنتجات الأوروبية المستوردة إلى الجزائر تحتاج إلى التعديل. ومع ذلك، فإن الوضع “التنافسي” لبعض المنتجات الجزائرية كان مقلقا للجهات الاقتصادية الفاعلة، ولهذا السبب فضلت الجزائر تأجيل الموعد النهائي حتى عام 2020.

3 ـ  سياسيا، لا يزال الحكم حذر. إنه يواصل وضع نفسه، من خلال الخطابات ، المدافع عن الطابع الاجتماعي للدولة و “اقتصاد وطني” معين. ولكن عمليا، يفعل العكس تماما. وهو  يواصل سياسته المتمثلة في الاندماج في الاقتصاد العالمي. ويبدو أن “النموذج الاقتصادي الجديد”، باعتباره شعار الحكومة الجديد، هو خطوة أخرى في عملية التحرير التي بدأت منذ بعض الوقت.

ويرافق العودة إلى اللجوء إلى الدين الخارجي، مزايا جديدة لفائدة الاستثمارات الأجنبية، من خلال تخفيف قانون 51/49٪ وهو حاجز قانون الاستثمار في الجزائر. وقال عبد السلام بوشارب وزير الصناعة والمناجم أن هذا كان بهدف  “جذب الاستثمار الأجنبي المباشر “. وأعلن أن الحكومة تخلق “دينامية غير مسبوقة تهدف على المدى المتوسط ​​إلى تحقيق الإندماج الفعال والإيجابي للاقتصاد الجزائري في النظام الاقتصادي العالمي”. ولكن الواقع هو ضد هذا الإندماج “الإيجابي”. وقد سمحت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي للجزائر بتصدير 12 مليار يورو إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن هذا الأخير قد صدر ما يعادل 195 مليار يورو للجزائر!

بنفس النبرة فيما يخص الإعانات، تهاجم السياسة الحكومية، بدعم من النقد الليبرالي، مساعدات الدولة الضئيلة من المنتجات الأساسية والحليب والخبز والسكر … التي لا تزال سارية المفعول. و بالتالي فإن الطبقات الشعبية سوف تعاني من انخفاض الدعم على الضروريات الأساسية، وزيادة بنسبة 2٪ في ضريبة القيمة المضافة، وزيادة في أسعار الطاقة، وبالتالي الزيادة في النقل. وسيؤدي منع التوظيف في الوظيفة العمومية وتجميد بعض الاستثمارات العامة إلى زيادة البطالة.

وعلى نفس المنوال، فإن قانون المعاشات التقاعدية للموظفين الذي يمنع التقاعد قبل 32 عاما من العمل يدخل في نقاش الجمعية. وهو خطوة ستقضي على نظام الحماية الاجتماعية.

ومن ناحية أخرى، فإن المساهمات والفوائد الأخرى ستحصل عليها الطبقات الغنية والمسيطرة من خلال خفض معدل الضريبة على النشاط المهني، وغياب ضريبة على الثروة، والتراخي المالي … وفي الوقت نفسه، فإن السلطة التنفيذية تحضر خصخصة المؤسسات العامة من خلال دخول رجال الأعمال إلى رساميلها. إنها “تنظم” الأوضاع المكتسبة في القطاع غير الرسمي وتمهد الطريق لإنشاء المستشفيات والجامعات الخاصة.

4 ـ  هذه الحالة تعبير عن تناقض كامن بين سلطة ليبرالية استبدادية ومعارضة ديمقراطية ليبرالية متطرفة. ويتعارض معسكران داخل الطبقات الحاكمة. الأول، الحكم، الذي يقدم نفسه كضامن لدوام الدولة، مدعيا تعزيز مدنيتها وديمقراطيتها، من خلال التنقيحات الدستورية المتكررة ولكن أيضا خطاب يعارض السياسات الليبرالية المتطرفة. يتمتع بوتفليقة بشعبية معينة. و تتعزز هذه الشعبية بنهج زبائني وخطاب إيديولوجي إسلامي ـ  قومي. ويبدو كأنه ضامن  للاستقرار و حائط صد ضد أي أزمة سورية أو ليبية كانت.

ولكن في الواقع، الحكم ،من قبل  رئيس ضعيف جسديا، ولكنه حاضر سياسيا،  يفرض رابع تفويض ،من أجل التحكم في منظمة أرباب العمل، وCFE (منتدى الباطرونا)، وأيضا جبهة التحرير الوطني والنجاح في السيطرة على نقابة العمال (الاتحاد العام للعمال الجزائريين). إلا أن انخفاض أسعار النفط يقلل من مجال المناورة ويزيد من تفاقم تناقضاته. و أصبحت CFE أكثر عدوانية في مطالبها الاقتصادية الليبرالية مثل مطالب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمعارضة. وقد قررت الحكومة إلغاء حق الدولة في الشفعة.

أما المعسكر الثاني، فهو المعارضة الديمقراطية ذات الليبرالية المتطرفة الذي يمثله ائتلاف من الأحزاب، يحمل السلطة المستبدة الأزمة. و يطالب أيضا بالديمقراطية لكن دون الشعب خوفا من أن تتجاوزها. برنامجه  فائق الليبرالية ومضاد للوطنية. وتتمثل وظيفتها التاريخية في طرد البيروقراطية ـ البورجوازية من السلطة للسماح للبرجوازية بأن تحكم مباشرة  في النهاية.

ميزان القوى هو لصالح الحكم الذي يحتفظ برخاء مالي معين و يتوفر على دعم شعبي داخل السكان و من طرف الإمبريالية. ولا يبدو أن هذه الحالة ستسوى بتوافق، ومن المرجح أن تتعمق مثيرة أزمة سياسية مفتوحة في نهاية المطاف.

 

5 ـ هناك خوف في الوسط الشعبي وفي أوساط العمال، من أن  تؤدي المنافسة بين المعسكرين  إلى حدوث انفجار اجتماعي. الشيء الذي يبطئ وتيرة الإصلاحات الليبرالية وحجمها. وهذا يزيد من حدة التناقضات داخل المعسكرين السياسيين. ولكن يعاني العمال من ضعف كبير في التضامن والتنظيم. فالقمع يحفز بشكل موضوعي النضال الديمقراطي ويهيئ الظروف لتقارب النضالات  والاحتجاجات الشعبية.

إن غياب قوة سياسية تحمل توجها ديمقراطيا ومناهضا لليبرالية ومناهضة للإمبريالية يعيق تشكيل الحركة الشعبية في قوة مستقلة. وهذا يترك الطريق مفتوحا لهجوم الطبقات الحاكمة.

لمواجهة هذه الهجمات، و بناء على دعوة من تنسيق من الاتحادات المستقلة أو الهياكل الكفاحية من UGTA ، احتشد العمال في الآونة الأخيرة. نظم العاطلون عن العمل في مدينة ورغالة النفطية  المنتمون لـ CNDDC (اللجنة الوطنية للدفاع عن العاطلين عن العمل) مسيرات. الطلاب قلقون حول مستقبلهم يتعبئون في بومرداس، وهران، قسنطينة. إن سكان بلدات وقرى البلاد ينددون بغلاء المعيشة  (أدرار، ورغالة، بشار، الواد …) ويعربون عن استيائهم. لكن المقاومة لا تزال متعبة . و قد ظلت المظاهرات الأخيرة بشأن المعاشات التقاعدية التي نظمتها الاتحادات المستقلة دون الطموحات المرغوبة. إن التقاعد لا يعبئ بنفس الطريقة التي تعبر عنها مطالب الأجور، ، مادام هناك المزيد والمزيد من العمل غير المهيكل وغير المستقر الذي يشغل عالم العمل ، يؤكد الأمين العام لـ CLA.

وفي مواجهة القلق واليأس السياسيين المتزايدين، يرفض الحكم كل توافق و يقمع . إن الهجمات على الحريات الديمقراطية تتضاعف.

وفي مواجهة تفاقم الوضع ، حان الوقت لمقاومة سياسة نهب الثروات واقتصاد وطني لصالح أقلية من رجال الأعمال الجزائريين والشركات الأجنبية. ويجب مواصلة التنديد بالهجوم على المكاسب الاجتماعية وقمع الطبقات الشعبية وممثليها النقابيين، والفاعلين الجمعويين، والسياسيين، و تقديم الدعم الكامل والشامل لنضالات العمال، والعاطلين عن العمل، والطلاب بهدف تقارب ديمقراطي، ومناهض لليبرالية ومكافح  للإمبريالية، وبناء بديل شعبي للسياسة الحالية. (الجزائر العاصمة، 21 ديسمبر  2016 )

16 يناير  2017 Nadir Djermoune

النص الاصلي : موقع  cadtm بالفرنسية

تعريب : وحيد عسري

Print Friendly

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube