الرئيسية / متابعة النضالات / النضالات في المغرب / انتفاضة الريف: من الشعب يريد إلى عاش الشعب

انتفاضة الريف: من الشعب يريد إلى عاش الشعب

انتفاضة الريف: من الشعب يريد إلى عاش الشعب

 

دخلت انتفاضة الريفيين في الحسيمة ونواحيها شهرها الثامن، دون تراجع ولا تعثر يذكر، بالرغم من الجهود الهائلة لمحاولات إجهاضها وتوقيف اندفاعها، لم يكن لاستعمال العصا و العسكرة  والحصار أي مفعول حاسم، بل زادت ثقة الريفيين في أنفسهم، لتشرع الدولة بدورها في زيادة جرعة القمع  و الاعتقالات لتخويف المحتجين وثنيهم عن النضال الشعبي. علاوة على شحنات الكذب و التدليس التي يروجها مخبولو الإعلام الموالي للدولة، إعلام يغالب إبليس في التبرير و الدس.

عاش الشعب لا سواه

اكتسب الريفيون والريفيات ثقة من ينخرط في الصراع مع الرأسمالية و يعلم أن درب النضال طويل وعسير، والاستناد إلى قواه الذاتية من تنظيمات تحتية وديمقراطية جماعية تضمن مشاركة الأغلبية في التقرير و التسيير، إنه الانتقال الجنيني إلى أشكال أكثر ديمقراطية مما يتيحه الاستبداد مرة كل خمس سنوات عبر انتخابات تقاسم الفتات.

فتح الريفيون طورا جديدا في مسيرة كفاح كادحي المغرب، كفاح يغمره الحماس ويتخطى عبره أهالينا سقف شعار ” الشعب يريد ” المطالب الاقتصادية و الاجتماعية وإطلاق سراح المعتقلين، إلى شعار ” عاش الشعب “. شعار قوامه سياسي ينم عن فهم أولي لسؤال من يحكم ؟. وهذا ما يرعب من يحكم.

تصدح الحناجر في شوارع الحسيمة وهي تحيي الشعب لا سواه، شعب كادح ينفلت من عقاله ليجهر بحياته على رؤوس الأشهاد، بعد أن كان الشعب و شعاره “عاش الشعب” مجبران على التواري طيلة ست سنوات بفعل انكفاء حركة 20 فبراير.

 

هجوم الليبرالية المديد

ترجع الجذور الحقيقية لانتفاضة الريف، إلى الهجوم الليبرالي الشرس على الخدمات العمومية، فالمغرب تلميذ نجيب للمؤسسات المانحة الكبرى، فقد عمل طيلة عقود على تدمير الصحة العمومية و تفكيك الوظيفة والتعليم…ممهدا الطريق إلى الرأسمال الخاص للاستثمار و الاغتناء فيما تملصت الدولة عن دعمه من الميزانية العمومية للبلاد.

تحصد الدولة في انتفاضة الحسيمة غلة سياسات لا شعبية باشرتها مع المصادقة على التقويم الهيكلي سنة 1983، بإيعاز من صندوق النقد الدولي و البنك العالمي، عبر تكييف الاقتصاد الوطني مع احتياجات الرأسمال العالمي، حيث فعلت بقوة تشريعات قانونية تجرم مقاومة الأجراء للاستغلال ( الفصل 288 من القانون الجنائي) وتحرص على ديمومة الفتك بالعمال وامتصاص عرقهم. علاوة على التشريعات الأخرى مثل : مدونة الشغل و الميثاق الوطني للتربية و التكوين مع خوصصة مقدرات البلد لفائدة الشركات الكبرى و رجال المال والأعمال المنتفعين من الفساد المستشري … لقد بلغ انبطاح المغرب لأسياده من المؤسسات المالية حدا لا يوصف.

نجح صندوق النقد الدولي في إخضاع حكام المغرب إلى تلبية كل مراميه: تعليم متخلف وعمل هش وصحة معدومة و بطالة مستشرية و تكبيل للإضراب وقمع للحريات وشح الاستثمار العام…لقد أصبح البلد على شفير هاوية اجتماعية لا قرارة لها.

مقاومة الريف للإمبريالية

الحقد المتزايد و شراسة القمع المسلط على أهالينا في الريف يجد تفسيرا له في المقاومة التاريخية البطولية التي اكتسبتها الجماهير المجربة لحرب طاحنة قادتها أعتى الأنظمة العسكرية، مطلع القرن العشرين، حيث سحق الريفيون سنة 1924 الجيش الاسباني تحت قيادة الضابط بريمو دى رفرا ( primo de rivera) الذي غطت جثت ضحاياه الأرض،  قبل أن يفتح الجيش الفرنسي المعروف بانتصاراته ، جبهة عسكرية أخرى في محاولة من المارشال ليوطي رجل الحروب المتمرس، ضد عبد الكريم الخطابي في مدن الشمال ودحر جيشه المتواضع من حيث العدة و العتاد إذا ما قورن بالفرنسيين العتاة. لكن صمود ريافة والتحامهم الشعبي وإيمانهم الكامل بالتحرر من الاستعمار  استطاعوا دحر القوات الفرنسية التي لا تقهر وفتكوا بجيشها أكثر مما فعلوا مع الاسبان.

انتصر الريفيون في حرب مجدها التاريخ و أصبحت مرجعا عسكريا يدرس، إلى حين تحالف القوتين الامبرياليتين  ( فرنسا واسبانيا) واستطاع الأعداء حشد جيش عرمرم قوامه 150000 جندي على طول 300 كيلومتر، مصحوبا بسرب طائرات حربية، وأسلحة كيماوية، لتشن القوتان حرب إبادة قل نظيرها، انتهت باستسلام عبد الكريم الخطابي ونفيه.

(أصول حرب الريف، جرمان عياش)

 

مقاومة الريف لخدام الامبريالية

كانت هذه أولى ساحات المواجهة بين الريفيين و الامبريالية العالمية، مواجهة ستستمر في شكلها الحالي مع الاستعمار الاقتصادي و فقدان السيادة الوطنية لصالح المؤسسات الدولية والشركات المتعددة الجنسية. لقد صادق المغرب على اتفاقات تجارية غير متكافئة مع الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية…تغرق البلد بالسلع الأجنبية وتدمر النسيج الاقتصادي وتزيد من حدة البطالة و إفلاس المنشآت المحلية…بدأت أولى صبوات المقاومة الاجتماعية ضد السياسات النيوليبرالية مع حركة المعطلين و الطلاب، لتتدفق بعد ذلك حركات مقاومة أوسع انتشارا وعلى كل الجبهات ( بوعرفة وافني و طاطا  الأساتذة المتدربون…الخ) إلى أن بلغت ذروتها مع بروز حركة 20 فبراير 2011. ونظرا لضعف تجدر الحركة وخبرتها استطاعت الدولة تحقيق نصرا مؤقت وتفادي الضربة الشعبية.

احتوت الدولة القيادات النقابية وأغرقت الزعماء في بحر امتيازات فرص الاغتناء و سطحت الحياة السياسية في البلد ( أحزاب عديدة بلون وطعم واحد) و تغدق المدافعين عنها بالتسهيلات والرشاوى…وتحاصر المعارضين لسياساتها الليبرالية، بهذا كله اعتقد الموالون لها أنهم منحازون للقسم الأقوى في الصراع الاجتماعي.

كشفت انتفاضة الريف المجيدة أن طاقة النضال الاجتماعي لم تخبُ بعد، بل هي في قمة عنفوانها، بعد مرور ثمانية أشهر من الاحتجاج في الشوارع اكتسب الريفيون مناعة ضد دسائس الدولة وأتباعها، فقد سفهوا أطروحاتها وكشفوا مدى زيفها، إلى أن تراجعت عنها الدولة نفسها وبلع محللوها وإعلامها ألسنتهم فيما يشبه إصابتهم ” باللقوى ” .

دشنت أجهزة القمع حملة اعتقالات واسعة، بعد اتهام ناصر الزفزافي بجريمة انتهاك حرمة المسجد، ليشمل العقاب بالهروات آلاف المواطنين، وتمتد الاعتقالات إلى كل من له دور قيادي في النضال بتهم واهية. حفز القمع التحام المقهورين وأمد الملتحقين الجدد بطاقة نضال يغذيها الظلم والحكرة. ويبدوا أن الانتفاضة الريفية قد شقت طريقها نحو انتزاع النصر.

بلعت الأحزاب المغربية لسانها ولم يرفع أي منها عقيرته دفاعا عن سكان الريف وهم إن أنصفوا لنكسوا رؤوسهم خزيا، كذلك هو شأن المؤسسات الحقوقية الزائفة صنيعة الاستبداد التي تنزل الذل منزلة لا تعلوها منزلة، فحين تتكلم عصا الدولة يصمت خدام الدولة. لقد انكشف زيف المؤسسات والسياسة الرسمية أمام جلال صمود الريفيين.

عاش الشعب مرة ثانية وثالثة ورابعة…

وضع تفجري يعيشه المغرب بفعل التسارع في إغراق البلد بالمديونية وتطبيق وصفات صندوق النقد الدولي و البنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية…كما أمعن المشاركون في حكومة الواجهة على تمرير كل تلك التوصيات ووضعها موضع التنفيذ. تخريب ممنهج للاقتصاد الوطني تدفع كلفته الباهظة الشرائح الدنيا من الشعب. وحين هب هذا الأخير للدفاع عن مكتسباته التي لم تمنح منة، زعق في وجهه إعلام الدولة وجلده بالسوط جلاوزتها.

إن شعب الريف الكادح يملك إرادة جبارة لا يمكن ترويضها، هؤلاء حفيدة عبد الكريم الخطابي، وعودهم صلب بشكل غير مألوف، اكتسبوه من تاريخ تليد، وصراع مديد وغير متكافئ مع فرنسا و اسبانيا، حسم بالكيماوي و الخراب الشامل لقرى الريف.

تلبية مطالب الريف من خلال:  محاسبة قتلة محسن فكري وتنمية المناطق المهمشة وتشغيل المعطلين وإطلاق سراح المعتقلين… هو وحده من سيوقف تدفق الناس إلى الشوارع لا غيره. عاش أهل الريف وعاشت انتفاضتهم المجيدة في وجه آلة القمع الجبارة بمختلف تلاوينها، وعاشت نساء الريف المناضلات كتف بكتف مع إخوانهم الرجال.

أي بدائل تدافع عنها أطاك المغرب إزاء انتفاضة الريف المجيدة ؟

دأبت جمعية أطاك المغرب مذ تواجدها إلى بلورة بدائل شعبية مناهضة للسياسات التقشفية، ومنادية بالعدالة الاجتماعية و الكرامة وكل ما يضمن العيش الميسر للعمال و الفلاحين و عموم الشرائح الدنيا. وهذا لن يتأتى إلا بتنمية اقتصادية شاملة و التوقف الفوري عن سداد الديون الكريهة وغير الشرعية وهذا بدوره لن يتم إلا بالقطع الحازم مع صندوق النقد الدولي و البنك العالمي و منظمة التجارة العالمية…واسقاط كل الاتفاقات الاستعمارية الجديدة ( اتفاقات التبادل الحر ) مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا وباقي الامبرياليات أصل البلاء.

تتحمل جماهير الريف الكادحة، وزر النضال على جبهة المقاومة الشعبية للسياسات النيوليبرالية، ما يضع الهيئات المناضلة، العمالية و الجمعوية…أمام مسؤولية تاريخية بالتدخل الفوري للمساهمة في الحراك الريفي، تضامنا و مشاركة وتحفيزا. فالحسيمة هي خط دفاع أول في وجه السياسات الليبرالية. إذ لا خيار أخر متاح، غير بناء أدوات النضال الشعبي، على غرار لجان الأحياء في الحسيمة وإطلاق حملة تعبئة وطنية مساندة للملف المطلبي لأهل الريف.

إن كافة الأسباب التي أدت إلى انفجار الوضع في الريف، تتفاقم في عموم البلاد، ما ينذر بموجة مقاومة اجتماعية أشد قوة وأكثر انتشارا، فلنعد العدة للقادم من كفاحات الكادحين، الذين انتقلوا من الدعوة لتوفير الخدمات العمومية و الشغل إلى الاعتزاز بقوتهم وقدرتهم على الفعل. حيث ابتدأت بشعار : الشعب يريد، لترتقي إلى شعار أكثر عمقا تلخصه عبارة: عاش الشعب.

بقلم :

علي

أطاك المغرب

Print Friendly

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube