الرئيسية / ملفات دراسية / الديون / حكاية حرب تطوان مع المديونية

حكاية حرب تطوان مع المديونية

 

حكاية حرب تطوان مع المديونية

منذ بداية القرن 18م، كان واضحًا أن المغرب يسير في طريق الانهيار والإفلاس الاقتصادي، فعندما توقَّدت نيران المنافسة بين الدول الإمبريالية الأوروبية وازداد نشاط تحركاتهم في العالم المتوسطي، وذلك نتيجةً لما أفرزته الثورة الصناعية من تحولات عميقة وجَذْريَّةٍ، انعكست بالإيجاب على حجمِ مبادلات التجارة العالمية بازدياد حركة الإنتاج لدى الدول الأوروبية الكبرى في تلك الفترة، ورغبتها في تصريف إنتاجها عبر السيطرة على الملاحة بالبحر الأبيض المتوسط (قلب العالم)، واستعمار بلدان جنوب المتوسط الذي كان المغرب جزءًا لا يتجزأ منه، وبِحُكْمِ موقعِها الاستراتيجي ونفوذِها التاريخي على مستوى التجارة، بدأَتْ بوادرُ التنافسِ الأوروبي على الإيالة المغربية.

كان لحرب تطوان بين المغرب واسبانيا 1859 نتائج كارثية على جميع مكونات الشعب المغربي، فقد فرضت اسبانيا المنتصرة شروط الهدنة، وبمقتضى معاهدة 05 مارس 1860 وقع الصلح بين الطرفين، شريطة ان يقدم المغرب تعويضات الحرب المقدرة في 20 مليون ريال، أي ما يعادل 100 مليون بسيطة مقابل الاحتفاظ بمدينة تطوان الى إتمام المبلغ، إضافة الى التزام المغرب بعقد اتفاقية تجارية مع اسبانيا قصد فتح الأسواق في وجهها دون رسوم جمركية)[1] . (ويذكر بعضُ المؤرخون بأن مدة تسديد مجموع الغرامات المالية الإسبانية عن حرب تطوان استغرقت أكثر من 20 سنة؛ أدت بالتالي إلى استنزاف موارد الخزينة المالية وإثقال كاهلِ الرعية بالضرائب والجِبايات.)[2](

كيف سيحصل المغرب على الأموال؟

يرى المؤرخ إبراهيم حركات أن ميزانية ” الدولة المخزنية” جد متأزمة وفقيرة ،حيث تصرف الأموال في إعداد  الجيش لخوض ” الحركات) [3]( ،لمواجهة القبائل المتمردة  ،لذلك فأول ما شغل اهتمام ” المخزن” بعد عقد معاهدة الصلح مع اسبانيا هو كيفية الحصول على المال الكافي لتغطيات تعويضات الحرب ،وكان على المغرب أن يعجل بدفع ربع المبلغ أي  خمسة  ميلون ريال ، وهذ ما دفع” المخزن” بفرض ضرائب جديدة على السكان ، علما أن البلاد  عرفت موجة جفاف حاد وندرة في المحصول الفلاحي خلال سنوات سنوات 1860 الى 1866  ،التزم المخزن بأداء  خمسة مليون ريال على شكل دفعات  سينهيها في 12 أكتوبر 1860،الا أنه وقع تعثر في استكمال الملونين المتبقيان ، وهذا ما دفع النائب الاسباني بالتهديد ، بأن أسطول بلاده سيقنبل مدينة الصويرة اذا لم يتسلم من باشاها هذا المبلغ ، وبهذا الابتزاز ضغط المخزن على عدة قبائل واستخلص المليونين ،ومنذ ذلك الحين أصبحت خزينة الدولة فارغة ولم يبقى لها الا مصروفات الجيش). [4]( وفي هذا الصدد يضيف المؤرخ محمد حركاتأخذت فكرة الاقتراض تراود المخزن بحدة .بعد أن راجت منذ أكتوبر 1860 وهكذا بدأت مفاوضات مع الأبناك الإنجليزية عن طريق تاجر انجليزي مقيم بجبل طارق ثم بواسطة المفاوضات الدبلوماسية) [5](، استمرت المفاوضات بضعة شهور ، ويقر الباحثون في تاريخ المغرب المعاصر ، ان المخز وظف الفتاوي الدينية لإقناع المعارضين وفقهاء الدين ،  حيث  نجح في الحصول بالارتشاء على فتوى  الفقيه الشريف الوزاني  الذي   افتى  دينيا في احقية المخزن الحصول على  الديون بفوائد تصل الى 10 بالمئة .)[6] (

وهكذا ادن، تسلم المغرب عشرة ملايين بسيطة في مارس 1862 وتمكن بذلك من تسديد بقية نصف مبلغ التعويضات الاسبانية بعدما  افرغ الخزينة، حيث قام بتسريح بعض الجنود وتجميد رواتب  بعض موظفي المخزن، واستطاع بهذه “السياسية التقشفية” تجميع خمسة ملايين بسيطة بطرق مختلفة .وبذلك انسحبت الجيوش الاسبانية  وسلمت المدينة الى عاملها الجديد عبد القادر أشعاش في ماي 1862 بعد ان بقيت تحت الاحتلال سنتين.)[7](

اما الباقي من التعويضات وهو عشرة ملايين من الريالات ، أي  خمسين مليون بسيطة ، فقد طبق الاتفاق الخاص بشأنها  وهو تنصيب موظفين من الاسبان الى جانب الأمناء بالموانئ المغربية قصد اقتطاع المبالغ تدريجيا،)[8]  (كما ضمنت بريطانيا استرجاع ديونها عن طريق توسيع شبكة قناصلها والاستفادة  من امتيازات الاتفاقية التجارية 1856 المعفية من بعض الرسوم الجمركية

ان الشعب المغرب عان الويلات من مجاعة وفقر وتهميش جراء الديون، التي حكمت على مصيره انداك لأزيد من 20 سنة ، وازددت محنته حينما اغرقت البلاد  بمديونية ثقيلة  الى أن فرضت عليه المعاهدة الاستعمارية ” معاهدة الحماية” في 30 مارس 1912 ،ولازال الشعب المغربي يؤدي ثمن هذه الديون التي أطلقت ايادي الرأسماليين الكبار في استنزاف خيراته وثرواته.

أكرويض الحسن/ عضو اطاك المغرب

 

 

[1] محمد داود .تاريخ تطوان .الجزء الرابع . الخزانة العامة لجماعة الشرف .طنجة

[2] – البير عياش .حصيلة السيطرة الفرنسية .ترجمة عبد القادر الشاوي ونورالدين سعودي .مراجعة وتقديم  ادريس بنسعيد وعبد الاحد السبتي .دار الخطابي  ط 1.ابريل 1985

[3]– الحركة: جمعها حركات) بفتح الحاء وتسكين الراء(، يقصد بها خروج السلطان رفقة الجيش الى القبائل الثائرة والمتمردة والتي لا تعترف بسلطته من أجل اخضاعها وجبي الضرائب التي ترفض تأديتها لعماله.

[4] إبراهيم حركات. “المغرب عبر التاريخ” . الجزء الثالث .دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء  .ط1 1994 .

[5] – المرجع نفسه

[6] -المرجع نفسه

[7] – محمد داود.تاريخ تطوان .الجزء الرابع .الخزانة العامة لجماعة الشرف طنجة.

[8] – تم ارغام المغرب على دفع تعويضات أخرى تقدر ب 25 مليون بسيطة  لأداء رواتب موظفي المواني الذين يسهرون على استخلاص الأموال.

Print Friendly

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube