الرئيسية / متابعة النضالات / النضالات في المغرب / لماذا يتم استهداف المناضلين البيئيين : محمد العقاد نموذجا

لماذا يتم استهداف المناضلين البيئيين : محمد العقاد نموذجا

لماذا يتم استهداف المناضلين البيئيين

محمد العقاد نموذجا

      « يستنزف رأس المال المصدرين  الوحيدين لكل ثروة: الارض و العامل»

ماركس- رأس االمال

 «قد أكون فقيرة وأمّيّة ولكنني أعلم أن البحيرات والجبال هي كنزنا الحقيقي وسأناضل كي لا يدمّرها المنجم»

مكسيما أكونيا دي تشاوبي(1) 

«ستظلّ جبهتي مرفوعة، وسأقول لهم بكل كرامة: يخطئ رجال الأعمال خطأً فادحًا إن كانوا يعتقدون أنّ شعب الانكا سيكفّ عن نضاله التاريخي دفاعًا عن أرضه وأملاكه المشتركة… جريمتي هي أنني حملت بطانيات عليها شعار المجلس المدني للمنظّمات الشّعبيّة والأهليّة (COPINH) ، وأنني هتفتُ وكتبت القصائد دفاعًا عن النّهر الأبيض».

بيرتا كاسيرس  (2)

«البيئة ليست كلمة تردد أو شعارات تكتب أو منشورات تلصق، وإنما هي هواء نقي للتنفس، وماء صالح للشرب، وشاطئ نظيف، وبحر غير ملوث، وتربة صالحة للزراعة»

سناء النعيمي(3)

 

تشكل قوة العمل إلى جانب الموارد الطبيعية العناصر الاساسية اللازمة لمواصلة الاستغلال الرأسمالي. فطالما هناك موارد طبيعية يتم نهبها و يد عالمة  يتم استغلالها  تستمر الماكينا الرأسمالية في الدوران. و بالطبع بدون يد عاملة لا يمكن انتاج  السلع و نفس الشيء بالنسبة للموارد الطبيعية.  و لهذا السبب بالضبط  لا يمكن للرأسمال، كلما توفر على القوة اللازمة، ان يسمح بمس هده المقدسات. و مع ذلك يضطر العمال للاحتجاج تحت نير الاستغلال من اجل تحقيق احد المطالب او من اجل تحسين اوضاعهم . و سيبقى الصراع قائما بين الرأسمال و العمال طالما ظل النظام الرأسمالي مستمرا رغم استعمال دولته لكل اجهزتها القمعية و الدعائية لجعله مقبولا لدى المضطهدين  و المستغلين و بذل كل الجهد لجعل الحركة العمالية تحت تأثيره  المباشر  او تحت تأثير خدامه الليبراليين.

بالموازاة مع استغلال الاجراء يجري استنزاف الموارد الطبيعية بشكل جنوني لا منطق له سوى تحقيق الارباح لمراكمة الرأسمال و بداية دورة جنونية جديدة في سعي متواصل للبحث عن مزيد من الارباح. هذا المنطق الجنوني يجعل استنزاف الموارد الطبيعية مكثفا و غير محدود.

 اثناء الاستعمار المباشر، كان المستعمر يستعمل العنف المباشر لإسكات الاصوات المناضلة و الحركات الجماهيرية الاحتجاجية التي تدافع عن  ثرواتها  و عن كرامتها . اما اليوم، في ظل الاستعمار الجديد الذي استبدل العسكر و الاحتلال بأشكال غير مباشرة للهيمنة، فيستمر استخراج الموارد الطبيعية و بشكل مفرط حيث تعمق المديونية هذا الوضع  لدى بلدان الجنوب ، التي تضطر للسماح باستخراج كميات كبيرة من مواردها الطبيعية،  اولا لتسديد الديون لأنها في حاجة للعملات القوية و ثانيا لأنها تجد نفسها في وضع من التنافس ينقص من قيمة مواردها و هذا يعني استخراج كميات اكبر للاستجابة لما تتطلبه حاجياتها رغم التكاليف البيئية و الاجتماعية و السياسية الخطيرة.

تنعكس  كلفة الاستخراج المفرط بشكل مباشر على الوضع البيئي، وتكون النتيجة استنزاف الثروات البحرية و المائية او تدمير الغابات و التربة : حسب البنك الافريقي للتنمية، تخسر افريقيا حوالي 1.3 مليون  هكتار من الغابات كل سنة و منذ 1950 حتى 2004  تأثر حوالي 500 مليون من الاراضي بسبب تدهور التربة (منها ℅65 من الارضي الزراعية)(4) . كما يتم تلويث المناطق المحيطة بأماكن الاستخراج من خلال المس بالفرشة المائية او تحويل الاراضي الى مساحات قاحلة غير صالحة للزراعة…الخ. وعلى المستوى السياسي تخضع بلدان الجنوب للابتزاز لاستخراج مواردها  و تصبح رهينة قرارات المؤسسات المالية و التجارية الدولية خدمة لمصالح اغنياء الشمال و البورجوازية المحلية المرتبطة بهم.

اما على المستوى الاجتماعي فتكون النتائج كارتيه من خلال تدمير العديد من الفلاحات المعاشية و القضاء على الفلاحين الصغار و تشريدهم  نتيجة الصعوبات الكبيرة التي تعترضهم للحصول على المياه بسبب استنزاف الفرشات المائية او من خلال تشريد الصيادين الصغار عبر القضاء على الاسماك التي تعيش بالساحل من خلال صيدها بشكل عشوائي او القضاء عليها من خلال تلويث مياه البحر …الخ . كما  يجري التأثير المباشر على السكان في مناطق متعددة من العالم بسبب الاستخراج الكثيف الذي يسبب كوارث بيئية نتيجة لخطورة التأثير و اتساع دائرته ، ويصبح هؤلاء السكان امام خيارين الهجرة لإنقاذ حياتهم او الموت . و بالطبع يفضل الناس الحياة على الموت، فيضطرون إلى هجرة أوطانهم الاصلية .  وفي هذا السياق، تشير الدراسات إلى أن عدد اللاجئين الذين سيهجرون مناطقهم، أي المهاجرون البيئيون،  بفعل الكوارث البيئية سيتجاوز 300 مليون بحلول 2050 (5)  خاصة أن القوى الكبرى  لا شيء يلزمها بضخ ما يتجاوز المئة مليار دولار لدعم الاقتصاد الإفريقي لتجاوز الأزمات المناخية وهو الاتفاق الذي تم التوصل إليه عقب قمة المناخ في باريس في  ديسمبر 2015.

امام هكذا وضع ينتصب مناضلون بيئيون و حركات السكان الاصليين و حركات مدنية لمناهضة الاستخراج الكثيف للموارد الطبيعية . و لان الموارد الطبيعية مقدسة لدى الرأسمال  و تشكل عنصرا لا غنى عنه في الانتاج فقد كانت في الماضي احد الاسباب لاستعمار الشعوب و فرض الارادة الاستعمارية عليها. لذلك  لن يسمح الراسمال ، من تلقاء نفسه و بطواعية، المس بها و لهذا السبب بالضبط يضحي بالبشر الذي يرى انه يقف في وجه آلته الاستخراجية الجهنمية. و تماما كما يتسامح مع الحركة العمالية في حدود من التنظيم و النقد فإنه قد يتسامح مع الحركة البيئية في حدود من النقد و النضال، لكن عندما يتحول هذا النضال الى تهديد لإيقاف الاستخراج فمعنى ذلك انه تهديد للإنتاج و الارباح وبالطبع الرأسمال لا يرحم  ، يستعمل كل الوسائل، من الاعتقال الى التصفيات الجسدية و هذا ما وقع بالفعل في العديد من البلدان.

بأمريكا اللاتينية، فجّرت مثلا طفرة التعدين التاريخية حركاتٍ اجتماعيّةً وانتفاضاتٍ شعبيّةً في العديد من بلدان القارة رفضًا لسياسات التعدين وخصخصة الموارد وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات بتسهيل من الحكومات المستولية على السلطة. لكن عندما تكون الدولة نفسها آلية لتسهيل عمل الشركات متعددة الجنسيات تاركةً السكان بلا حماية ، فلا يتبقى أمامهم سوى خيار الدفاع عن أنفسهم بأساليبهم الخاصة، من خلال تنظيماتٍ للدفاع عن النفس وحشد الجماعات المتضرّرة و ابتكار سبل خاصة لمنع انتزاع أملاكهم.

 مكسيما، المرأة البيروفية، ليست سوى نموذجا داخل هذا المد النضالي. تملك مع أسرتها مزرعة تحتل موقعًا استراتيجيًا قرب البحيرة الزّرقاء في شمال البيرو، وهي بحيرة غنيّة بالذّهب والنحاس. ولكن هذا الغنى انقلب من نعمة إلى نقمة على العائلة التي تعيش على زراعة الكفاف وتعتمد على البحيرة لبقائها والمحافظة على أسلوب حياتها، بعد أن دخلت الشركات متعددة الجنسيات على الخط، محاولةً الاستحواذ على المنطقة لبناء منجم كان مقرّرًا أن يصبح أكبر منجم ذهب في أميركا اللاتينية، وثاني أكبر منجم في العالم.

منذ العام 2011  تعرضت مكسيما إلى أكثر من عشرين اعتداء من قبل الأمن الخاص التابع لشركة ياناكوتشا وحتى من قبل شرطة البيرو، فعوضًا عن حمايتها وعائلتها واعتقال المعتدين عليهم، قامت الشرطة بالتواطؤ والمشاركة في الاعتداء على الأسرة وحرق مزرعتهم وتدمير بيتهم ومحاولة تهجيرهم. اما المناضلة النسوية والبيئية  بيرتا كاسيرس  فقد تم اغتيالها سنة 2016 لأنها وقفت بالمرصاد لمخطط بناء سد على أراضي شعب اللينكا بهندوراس.إن معظم النضالات الاجتماعية والبيئية في أميركا اللاتينية تقودها النساء، فهنّ الأكثر ارتباطًا بالأرض ماديًّا ومعنويًّا.

يذكر تقرير نشرته مجموعة Global Witness في ابريل 2015 أن 116 مدافعًا بيئيًا قتلوا في العام 2014، ثلاثة أرباعهم سقطوا في أميركا اللاتينية وحدها. ووثّقت المجموعة في التقرير نفسه مقتل سبعة وأربعين من السكان الأصليين لدفاعهم عن أرضهم. إن النضال البيئي في أميركا اللاتينية مكلفٌ يدفع النساء والرجال ثمنه بدمائهم وسلامتهم وأمنهم ويواجهون نظامًا عالميَّا يجرّمهم لدفاعهم عن أرضهم.

اوربا التي تدعى تفوق الديمقراطية البورجوازية تضايق ايضا المناضلين البيئيين. ففي فرنسا مثلا خضع اربعة و عشرون مناضلا للإقامة الجبرية في اطار حالة الطوارئ بعد احداث باريس الدموية في 13 نونبر 2015   و منعوا من الاحتجاج بباريس بمناسبة انعقاد قمة المناخ الواحدة و العشرون حول التغيرات المناخية بباريس في نونبر 2015 .

بالمغرب، على الرغم من حداثة النضال البيئي، إلا ان النضال ضد الآثار السلبية لتدهور البيئة ليس جديدا ، فالسكان المحيطون بمناطق الاستخراج غالبا ما يناضلون و يحتجون لتدمير وسط عيشهم و تهديد حياتهم. فمنذ 2011، و بتنظيم من حركة على درب 96،  قرر سكان ايميضر  والقرى المجاورة الصعود لقمة جبل “ألبان” أعلى قمة بالقرية احتجاجا على استنزاف المنجم لمياه القرية المخصصة للسقي، وعدم استفادة السكان من أي شكل من أشكال التنمية، ومن الأرباح التي تجنيها الشركة المستغلة للمنجم الذي يعتبر الأكبر لاستخراج الفضة بأفريقيا( حوالي 240 طن سنويا). لم تكن هذه الاحتجاجات الاولى من نوعها، لقد سبقتها احتجاجات 1996 حيث طالب السكان بتشغيل سكان المنطقة في المنجم، أو تعويضهم عن استنزاف المياه اتي أدت إلى تقلص الأنشطة الفلاحية. ولقد نظم السكان ايضا اشكال اخرى للاحتجاج واجهت السلطات بعضها بالمنع او القمع و قد تم استعمال طائرة مروحية لتفريق إحدى التظاهرات. اما سكان جماعة بني وكيل التابعة ترابيا لنفوذ عمالة وجدة أنجاد فقد نظموا أشكال احتجاجية لمنع تفجير جبل الدشيرة التاريخي و منعوا  لجنة إقليمية صباح الأربعاء 25 ماي 2016 ، من المرور نحو جبل الدشيرة، حيث كانت ستعطي الانطلاقة لاستعمال المتفجرات لتفجير الجبل الذي فوت لأحد الخواص قصد اسغلاله كمقلع للحجارة. كما نظموا  يوم الأربعاء 15 فبراير2017، وقفة احتجاجية أمام مقر المحكمة الابتدائية بوجدة. الوقفة الاحتجاجية جاءت أيضا للتنديد باستدعاء 15 شخصا، بينهم فعاليات جمعوية ومدنية، بتهمة “عرقلة أشغال المقلع وإحداث الفوضى والشغب”، بناء على شكاية تقدم بها صاحب المقلع.  و معلوم ان السماح بتفجير الجبل  سيؤثر على صحة الساكنة و ماشيتهم وغطائهم النباتي جراء قوة التفجيرات والغبار الكثيف الذي ينجم عنه، خاصة وأن كمية المتفجرات المراد استعمالها – حسب رئيسة جمعية بني وكيل للبيئة والتنمية الفلاحية – تصل إلى 7 أطنان،. لذلك نجد في الرسالة التي وجهتها الساكنة الى والي الجهة  “لن نسمح بالمساس بكرامتنا وعرضنا وأرضنا وهوية أجدادنا.  و لن تمر المتفجرات… إلا على جثثنا” و اكدت سناء النعيمي اثناء الوقفة الاحتجاجية أن “الساكنة مستعدة للتصعيد في وجه والي الجهة، الذي وقع قرار التفجير” ، مضيفة: “خاصة أن القرار يقضي كذلك بإلقاء القبض على شخص يحاول أن يقف في وجه العملية، وبذلك نحن جميعنا مهددون بالاعتقال، أو الموت تحت الأنقاض، في وقت ندافع عن أرضنا فقط”. كما نظم سكان المنطقة الشرقية احتجاجات على استخراج الغاز الصخري. هذه نماذج فقط، لكن النضالات المرتبطة بالتدهور البيئي ليست بالقليلة ، إنها موجودة لكنها مشتتة بسبب غياب حركة بيئية مناضلة و مكافحة او تنظيم قادر على تنظيم هذه الاحتجاجات. يحتج الناس بأشكال مختلفة ضد تلويث الوديان او تدهور السواحل او قطع الغابات أو نهب الاراضي وتسليمها لمافيا العقار…الخ

في هذا السياق النضالي تم اعتقال محمد العقاد لأنه وقف الى جانب ساكنة بني وكيل بالقول و الفعل في وجه تدمير الموارد الطبيعية وقد دلت معركة بني وكيل من جديد على انحياز الدولة للباترونا وأصحاب الاموال و لم تهتم بالعديد من شكايات السكان  ولم تنتظر حتى حكم القضاء في الموضوع .

ستظل النضالات البيئية مناسبة لإبراز الصراع بين الدولة و الباترونا  و اصحاب الاموال، الفاقدين لاي حس سوى حس البحث عن الاموال و جني الارباح، من جهة و الساكنة المتضررة من نتائج الاستخراج من جهة ثانية لان الموارد الطبيعية هي احد المصادر الضرورية لثروة الأغنياء لكنها في المقابل مصدر لحياة المئات  من ملايين الناس. في هذا الصراع يختار المناضلون و كل الأحرار الوقوف إلى جانب الحياة و ليس إلى جانب ثروة الاغنياء التي  لها انعكاسات بيئية خطيرة على حياتنا و على حياة الاجيال القادمة. ان جوهر الصراع على كوكبنا هو كيفية امتلاك و توزيع هذه الثروة .

 إننا نعتقد ان النضال البيئي هو واجهة اساسية اليوم للنضال ضد النظام الرأسمالي، هذا النظام المفرط في استخراج الموارد الطبيعية لن يقبل طواعية بالتنازل عن اي شيء من اجل البيئة و لن يتوانى  في التصدي و الانتقام ممن يقفون في وجهه . إنه مسار صعب، و كما قالت سناء فالبيئة ليست كلمة تردد أو شعارات تكتب أو منشورات تلصق، وإنما هي هواء نقي للتنفس، وماء صالح للشرب، وشاطئ نظيف، وبحر غير ملوث، وتربة صالحة للزراعة وهذا يعني ضرورة مواصلة النضال الفكري و الميداني، لكن وحدهم العازمون سيواصلون الطريق.  لذلك ستظل كل المطالب البيئية مهما كانت صغيرة، صعبة التحقيق و يظل الانتصار و الاخفاق ملازمين للحركات البيئية المناضلة في مسلسل من المعارك، لا ينتهي إلا بالقضاء على هذا النظام و بناء نظام اجتماعي على انقاضه، نظام يحترم البيئة و يحترم التوزيع العادل للثروة هذا النظام لا يمكن ان يكون سوى نظام تنتفي فيه الاحتكارات و الملكية الخاصة لوسائل الانتاج  .

العربي الحفيظي – أطاك المغرب

****************

(1)مناضلة بيئية من البيرو

(2)مناضلة بيئية و نسوية من الهندوراس

(3)رئيسة جمعية بني وكيل للبيئة والتنمية الفلاحية. اما الاشارة اعلاه، فهي مقتطف من مداخلة لها أثناء يوم دراسي، في 30 ابريل 2016 بالمنطقة الشرقية.

(4) انظر:  http://jupiter.uqo.ca/ries2001/carnet/spip.php?article116

(5) – انظر: محمد عاشور، التغيرات المناخية وقضايا الصراع والأمن في إفريقيا، جامعة القاهرة، برنامج التدريب وبناء القدرات الإفريقية، 2015

 

 

 

 

Print Friendly

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube