الرئيسية / ملفات دراسية / العولمة الرأسمالية / إلغاء دعم المواد الأساسية : نموذج لتحميل أوزار أزمة الرأسمالية التابعة بالمغرب لكادحيه

إلغاء دعم المواد الأساسية : نموذج لتحميل أوزار أزمة الرأسمالية التابعة بالمغرب لكادحيه

تقديم

صندوق المقاصة هو مؤسسة حكومية للدعم الاجتماعي ذات صفة معنوية و استقلالية مالية ، وظيفتها الرئيسية دعم أثمان بعض المواد الأساسية التي يستهلكها المغاربة، بحيث تتحمل الدولة جزء من ثمنها الحقيقي أي الفرق بين تكلفة  الإنتاج و ثمن البيع  لمواجهة تقلبات الأسعار و غلائها .تم إحداث الصندوق سنة 1941، إبان الحماية الفرنسية على المغرب، و يؤطر تسييره ومهامه ظهير لسنة 1977.

و رغم ما لصندوق المقاصة من دور مهم في تخفيف أعباء الغلاء، و دعم القدرة الشرائية للمغاربة ، لكن الدولة ، ومنذ الثمانينات،  ظلت تشن هجوماتها على هذا المكسب الشعبي،  تنفيذا  لسياسات التقويم الهيكلي الرامية إلى تقليص  الميزانية العمومية ، وتوجيهها لتأدية الديون. و لازالت الدولة اليوم تواصل هجومها على ما تبقى من المواد المدعمة ،بتسخير حكومة الواجهة كل وسائل الإقناع اللازمة لهذا الهدف.

1 – إلغاء الدعم على المواد الأساسية بإيعاز من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي

 نفذت الدولة، ابتداء من سنة1983 ، املاءات البنك العالمي، في سياق انفجار ازمة المديونية العمومية المغربية،  و شرعت ، من بين حزمة من الاجراءات المستهدفة لمكاسب الكادحين ، في إلغاء دعم المواد الأساسية تحت مبرر استنزافه للميزانية العامة، بدءا من الزبدة و الحليب، مرورا  بتخفيض نسبة الدعم، و تحديده، وصولا الى تحرير نسبي أو كلي للأسعار كما حدث سنة 2000 عندما تم التحرير الشامل للزيوت الغذائية و التهاب أسعارها بشكل فجائي.

تسوق الحكومة الحالية في حملتها الهجومية على أنظمة الدعم، ذات التبريرات  التي جاءت بها توصيات البنك العالمي بخصوص ” إصلاح دعم مواد استهلاك المواد الغذائية” التي يرى من خلالها : ” ضرورة تخفيض متوازي للحماية الجمركية  ودعم المواد الغذائية ، بالإضافة إلى إدراج مساعدة مالية مستهدفة للمجموعات ذات الدخل المنخفض. اما الأموال المحصل عليها نتيجة تقليص الدعم فيمكن توجيهها إلى برامج يستفيد منها الفقراء ” ، و في هذا السياق بعثت الحكومة برسالة نوايا إلى صندوق النقد الدولي تتعهد بموجبها بتقليص العجز في أفق 2016 عن طريق إصلاح صندوق المقاصة و الالتزام بتطبيق الإصلاحات لتي اقترحها للتمكن من خلق مناخ ملائم للنمو الاقتصادي ،  عن طريق تقليص الإنفاق في مجالات أخرى إضافة إلى صندوق المقاصة، كأنظمة التقاعد، والوظيفة العمومية ، والميزانيات الاجتماعية كالتعليم والصحة، إلخ.

2 – حكومة الواجهة  تطبق التوصيات بحذافيرها وتقضي على القدرة الشرائية للمغاربة.

بعد تراجع الدينامية النضالية التي فجرتها حركة 20 فبراير ، لم تجد حكومة الواجهة صعوبة في تطبيق إملاءات المؤسسات المالية الدولية بإلغاء الدعم  بشكل نهائي عن ما تبقى من مواد مدعمة  بمبرر أن الوضع الاقتصادي المغربي غير قادر على تحمل هذه التكاليف،  فوضعت ” إصلاح صندوق المقاصة ضمن الأوراش الكبرى التي سيتم من خلالها إعادة هيكلته .

ولأجل ذلك  اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات التي تزعم بها دعم  الفئات المعوزة ، لصرف نظر الرأي العام عن خطورة هذا الهجوم على القدرة الشرائية للفقراء، فأنشأت صندوق التماسك الاجتماعي بموجب قانون المالية لسنة 2012 ، بشكل مواز مع تخفيض نفقات صندوق المقاصة  المخصصة للمحروقات ثم إلغاؤها كليا، و ما استتبع ذلك من زيادات متتالية مست جيوب الفقراء بشكل مباشر  كالحليب ، الخضروات ، الفواكه ، النقل …وتستعد اليوم ابتداء من مارس 2015 البدء بشكل تدريجي استهداف غاز البوتان و السكر و الدقيق لإلغائه نهائيا في متم شهر شتنبر.

 و قد سبق هذه التدابير ما سمي بالاستراتيجية التضامنية عن طريق نظام المساعدة الطبية ، برنامج تيسير لفائدة متمدرسي الأسر الفقيرة ، انظمة التكافل … وذلك عبر تحويل الأموال الموجهة لصندوق المقاصة للدعم المباشر للفئات المعوزة حسب زعم الحكومة.

ما تقدمه  الحكومة اليوم من بدائل لن  تعوض الدور الأساسي لدعم المواد الأساسية في الحفاظ على القدرة الشرائية للفقراء، فدعم مناسباتي يقدمه برنامج تيسير بمبالغ تتراوح بين 60 درهم و 150 درهم للتلميذ، لا يمكنه أن يعوض إلغاء الدعم عن غاز البوتان الذي يستهلك بشكل يومي على سبيل المثال.  كما أن هذا البرنامج يوزع في مناطق دون أخرى و هو ما لا يسمح باستفادة كل الفقراء  الذين يغطون كل المناطق المغربية. وأمام اهتراء المستشفيات العمومية  وافتقادها لأبسط التجهيزات الطبية  تبقى بطاقة راميد غير قادرة على الإيفاء بالغرض الذي قد يفي به التزام الدولة بمجانية  وجودة الخدمات العمومية.  ولا يمكن لبرامج الدعم المباشر أن تحمي الفقراء من تقلبات أسعار مواد الاستهلاك اليومي للمغاربة كالسكر مثلا ، باستحضار الارتباط التاريخي للمغاربة بهذه المادة . وقد أثبتت التجربة أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هي الأخرى لا يستفيد منها الفقراء بسبب الفساد المستشري في المصالح الإدارية.

3       – من المسؤول الحقيقي عن استنزاف ميزانية الدولة ؟

ا- خدمة الديون تستنزف الميزانية

أدخل الحكام البلد في دوامة الاستدانة، و كانت النتيجة وقوع البلد تحت رحمة المؤسسات المالية و الاقتصادية العالمية. و بضغط من مراكز القرار الرأسمالية، و بغرض استمرار تدفق خدمة الديون للدائنين، التي تبلغ في مجملها 679 مليار درهم أي ما يعادل 78 في المائة من الناتج الداخلي الخام ،و تمتص معدلا سنويا بمبلغ 106 مليار درهم (163 مليار سنة 2013)، عملت الدولة على خوصصة الشركات العمومية (شركة التبغ – اتصالات المغرب..)، وعلى التملص من تمويل الخدمات العمومية، من تعليم و صحة و حماية اجتماعية… وعلى فتح البلد على مصراعيه امام الاستثمارات الاجنبية الساعية للاستفادة من رخص سعر عرق العمال المغاربة، و افتقادهم لأدوات نضال نقابية فعالة ، ومستفيدة من تراخي القوانين فيما يخص تهريب الاموال إلى الخارج، بل وتشجيعها على ذلك.

وفي نفس السياق يتم حرمان الميزانية العامة من موارد حقيقية، عبر التخفيض المتنامي في الضرائب على الرأسمال، و في اعفاءات ضريبية متتالية ، تصل سنويا الى اكثر من 30 مليار درهم.

أدت هذه السياسات إلى تراجع مداخيل الميزانية بعد القضاء على مواردها الأساسية، و هو ما تفاقم مع احتداد الأزمة العالمية التي أدت بدورها إلى تراجع موارد العملة الصعبة و عائدات السياحة .

ويعد الهجوم على أنظمة الدعم شكلا من أشكال هذه السياسات التقشفية التي تسعى الدولة للقضاء عليها إرضاء للمؤسسات الرأسمالية وتسهيل إحكام قبضتها على ثروات البلد وترحيلها. هكذا يتم تحميل عجز الميزان التجاري وضعف معدلات النمو للكادحين، في الوقت الذي يكدس فيه الأغنياء ثرواتهم بنهبهم لخيراتنا، و دون التجرؤ على نقاش دعوات المطالبة بفرض ضريبة تصاعدية على الثروة.

كما ان اتفاقيات التبادل الحر تدمر النسيج الاقتصادي المحلي و تحرم البلد من عائدات مالية كبيرة، فقد قضى فتح الأسواق المحلية امام السلع الأجنبية على مداخيل الرسوم الجمركية، التي كانت تمثل نسبة هامة من موارد الميزانية العمومية .

ب‌-               ميزانية البلاط و تعويضات و رواتب الوزراء و الموظفون السامون تلتهم قسطا وافرا من الميزانية.

إن إلصاق تهمة استنزاف ميزانية الدولة بصندوق المقاصة وغيره من الخدمات الاجتماعية يخفي حقيقة الممتصين الحقيقيين للمالية العمومية دون رقابة، فميزانية البلاط تتجاوز2.5 مليار درهم سنويا دون امتلاك حق نقاشها بالبرلمان، كما أن تكلفة التعويضات التي يتقاضاها موظفو الدولة الكبار وحدها دون احتساب أجورهم الشهرية تلتهم و حدها 720 مليون درهم من ميزانية الدولة، مع استثناء الموظفين السامين و كبار العسكريين و الأمنيين و غيرهم الذين يصعب تقدير حجم الأموال الحقيقية التي يتقاضونها. هذا المبلغ يفوق بسبع مرات ما ستوفره الزيادة في أسعار المحروقات. و موازاة مع موجة الغلاء التي استهدفت بشكل مباشر جيوب الفقراء عرفت رواتب الوزراء بدورها زيادة استقرت في 90 ألف درهم بالنسبة للوزير لأول و 70 ألف درهم بالنسبة لباقي الوزراء و تعويضات عن التنصيب و التمثيل و السكن و التأثيث و السيارة التي تتجاوز في مجملها 76 ألف درهم شهريا للوزير الأول ناهيك عن رواتب أبدية للوزراء و البرلمانيين   تعويضا عن خدماتهم السابقة بالبرلمان و الحكومة.

خلاصة

إن الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية المتردية هي نتيجة لتفاقم مديونية يدفع كلفتها مواطنون لم يستفيدوا منها، و بالتالي نعتبر مطلب تدقيق الديون مطلبا شعبيا مشروعا للوقوف على تلك الأموال والديون الكريهة  والغير الشرعية التي أخذت رغما عن إرادة الشعب المغربي لقمعه و قهره. ، و أدت إلى إفقاد البلد سيادته و وضعته تحت رحمة المؤسسات المالية العالمية. كما يعتبر مطلب تعبوي قادر على تجميع شركاء النضال من منظمات حقوقية ، نسائية ، شبابية ، طلابية .. للنضال من أجل وقف سداد الديون ومحاسبة ناهبي المال العام في إطار جبهة نضال مشترك قادرة على إعادة الاعتبار للخدمات العمومية  و الحماية الاجتماعية  وتشغيل الشباب وتنمية البلد …

ربيعة الهواري

Print Friendly

التعليقات

Facebook

Twitter

YouTube